Menu

لبنان وفلسطين بين مقاربتين محلية واقليمية

نضال عبد العال

خاص بوابة الهدف

منذ بداية الاحتجاجات التي اندلعت وعمت شوارع لبنان وساحاته الرئيسية، على خلفية تردي الواقع الاقتصادي والمالي وانعكاسه المباشر على الوضع المعيشي لأغلبية الشعب اللبناني، كانت التباينات واضحة بين مجموعة من الشوارع وتشكيلات المعارضة، التي ضمت أحزاب وقوى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وما بينهما من مجموعات المجتمع المدني على اختلاف ألوانها وأنوعها من حملات ومبادرات برزت إبان أزمات سابقة.

كان واضحا إنه لا يمكن لهذا الخليط أن ينتظم في أجندة واحدة، والسبب هو تعدد الأجندات والمشاريع التي يحملها كل فريق واختلاف الأهداف التي يسعى لتحقيقها. أما تعميم وتعويم شعار (ثورة بلا قيادة) وتقديس عفوية الناس وحركتها وحرية تعبيرها عن مطالبها مباشرة، ومنع تبلور قيادة محددة لتنظيم وتأطير القوى الشعبية أو توحيد خطابها؛ كان هدفه تمكين القيادة الخفية التي تريد استخدام الشارع بكل تلاوينه وخلفياته وبنواياه الحسنة والسيئة، ليكون أداة لتنفيذ أجندة خاريجية صاغتها الإدارة الأمريكية مسبقًا، ومضمونها تخليص لبنان من "دويلة حزب الله". 

لبنان في مرحلة دقيقة جدًا، لأن الإدارة الأمريكية وضعته رهينة الابتزاز؛ المقاومة وسلاحها ودورها أو الموت خنقًا، وبالتالي تحميل المقاومة مسؤولية الجوع الذي بدأ يدق أبواب الشعب اللبناني، ويلتقط جزء من الشارع المعارض للحكومة ومن يدعمها، الخطاب الأمريكي لتسويقه شعبيًا، في محاولة لاستثمار ظروف الناس الصعبة وحاجتها للحلول السريع للأزمة المعيشية، في الوقت الذي يحاول حزب الله وحلفاءه تقديم الحلول الاقتصادية وخصوصًا في خطاب التوجه شرقًا. يبدو أن حالة العجز الرسمي هي التي تطغى؛ فالدولة ومؤسساتها المفككة أصلًا بحكم التركيب الطائفي المذهبي والفساد المستشري، أعجز من أن تستطيع ايجاد الحلول الداخلية، كإلزام حاكم المصرف المركزي رياض سلامه ضخ الدولار لوقف ارتفاع سعره، وملاحقة المروجين والمتلاعبين بسعر الصرف في السوق السوداء، أو ملاحقة المصارف التي تعمل على تهريب الدولار والمستمرة وبمبالغ وأرقام خيالية، ومهما كانت نتائج المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، فإن الدعم سيكون مشروطًا وسياسيًا كما ذكرنا أعلاه، عوضًا عن أن الحكومة ليست قادرة على اتخاذ قرارات كبيرة كمثل التوجه شرقًا. 

لا حلول في الأفق، والوضع مرشح للأسوأ؛ الشارع يعيش حالة من الفوضى، والإشاعات هي سيدة الموقف، على وقع أنباء ارتفاع الدولار كل دقيقة، يتراكض الناس لشراء المواد التموينية التي تضاعفت أسعارها بين ثلاثة وخمسة أضعاف، وبدأت المواد تنفذ من المحال التجارية، والسوق تسوده الحيرة والإرباك نظرًا لتخبط الأسعار في البيع والشراء، وهذه بيئة مناسبة للاحتكار والتلاعب بالأسعار والاستغلال، إلا أن الأخطر من المعطيات والأرقام المتداولة، هو فيما يكمن خلفها، عندما تكون جزء من مشروع سياسي، أي مرحلة تمهيدية لتحضير البيئة المناسبة لما سيلي من أهداف، ومرحلة الإعياء هي جزء من الحرب، بل الأكثر خطورة، فقد تكون الجزء الأهم، حيث تنضج الخيارات وتتبلور الأهداف ويجري الفرز بين الأطراف والساحات.

اليوم باتت الأمور أوضح بما لا يدع مجالًا للشك، بأن الترابط  بين صفقة القرن وآخرها قرار ضم الضفة فلسطينيًا، و"قانون" قيصر لخنق سورية، والعقوبات على المقاومة وحلفاءها في لبنان، عبر تأزيم الوضع الاقتصادي المالي المعيشي في لبنان، واستخدام الورقة الاقتصادية المعيشية في المفاوضات التي تبدأ في العراق للانسحاب القوات الأجنبية، ويترافق ذلك مع التضييق على الحشد الشعبي، وصولًا إلى حصار إيران وخنقها اقتصاديًا.

صار بالإمكان الحديث عن مسارين متكاملين؛ الخنق والضغط الداخلي لتأليب البيئة الداخلية وتحميل قوى المقاومة مسؤولية كل الأزمات الاقتصادية المالية المعيشية، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى تتصاعد احتمالات الحرب على الجبهة الشمالية لفلسطين. لا أحد يعرف متى وكيف تندلع، لكن إشارة السيد نصر الله: إننا لن نسمح لكم بقتلنا جوعًا وسنقتلك وكررها ثلاث مرات، اعطت ايحاءً بأن محور المقاومة في حالة جهوزية، وهذا الاحتمال ليس بعيدصا. 

وتحضر الأسئلة عن شكل الحرب وتداعياتها، هل هي بحدود الجبهة الجنوبية اللبنانية أو تكون باتساع إقليمي وبمشاركة عدة جبهات؛ لبنان سوريا وقد تمتد إلى ايران والعراق، والداخل الفلسطيني في غزة والضفة؟ كيف سيكون مشهد الساحات الداخلية في كل جبهة والتي ستتعرض ليس فقط للاستهداف العسكري، بل لحملات تضليل وضغط إعلامي هائل، يحمل محور المقاومة المسؤولية؟ وقد يجد الرعاة الدوليين أو الإقليميين ضرورة لتحريك المجموعات الإرهابية، بحيث سيكون هذا المحور بكل أطرافه أمام جبهتين داخلية وخارجية، وتتولى الأبواق المناوئة للمقاومة بالعمل سياسيًا لعزلها وتحميلها مسؤولية الحرب وتداعياتها، وهذا ما يضع المنطقة أمام تحولات كبيرة وجذرية. 

الوضع الفلسطيني وسط هذه الازمات المركبة.

هل سيكون الواقع الفلسطيني في لبنان مستهدفًا ومن أي جهة؟ فاستهداف المخيم كرمز لقضية اللاجئين مسألة محسومة، وبالتالي فإن قضية اللاجئين تقع في نقطة التقاطع بين ما يجري في لبنان من ضرب المقاومة ومحورها في المنطقة وصفقة القرن وما يسمى بقانون قيصر؛ هي إحدى الأهداف الرئيسية، ويتم العمل عليه من اتجاهات مختلفة وبوسائل عديدة. فاستدراج الفلسطينيين ليكونوا مادة استقطاب مذهبي واستهداف المعارضين لهذا التوجه والمتحالفين مع المقاومة أمر طبيعي. بكل الأحوال في حال تجاه الأحداث نحو الأسوأ؛ اقتصاديًا وماليًا ومعيشيًا؛ اجتماعيًا وأمنيًا وسياسيًا، وكل المؤشرات تؤكد ذلك، وخصوصًا إنه لا أفق لأي نوع من التسويات إقليميًا ولا دوليًا، فإن الفوضى تفتح الاحتمالات على مصرعيها.

استطاع الفلسطينيون تجاوز العديد من الأزمات التي مر بها لبنان منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، باعتمادهم الحياد الايجابي؛ تمكنوا من تحييد المخيمات والفلسطينيون في لبنان، رغم المحاولات الحثيثة التي استهدفت جرهم إلى الصراع اللبناني الداخلي، وقد لاقت هذه السياسة استحسان الأطراف الرئيسية، إلا أن الظروف الراهنة مختلفة تمامًا، ولا يمكن اعتبار ما يجري مقاربات داخلية حصرًا، مفصولة عن بعضها البعض، وعلينا أن ننتبه إلى أن ما يجري يأتي في لحظة فشل ذريع لمشروع تسوية القضية الفلسطينية، وفي سياق صفقة القرن التي تستبعد البعد السياسي وتروج فكرة الازدهار الاقتصادي كحل مناسب لجميع القضايا والملفات، وهذا ما يجعل الفلسطينيين في قلب الاستهداف. 

إن الحرب هي النهاية الطبيعية لفشل مسار التسوية المشؤوم، التي استؤنفت في مدريد وعطفًا في أوسلو، ونحن أمام لحظة تاريخية، لأن نهاية التسوية ومشروعها تعني نهاية مرحلة تاريخية لهذه المنطقة، وهي قد تكون بداية لتشكل قوى ولاعبين جدد، ومن هو غير مؤهل لإعادة تشكيل ذاته لمواكبة التطورات القادمة، فإن التاريخ سوف يلفظه خارجًا، والذين خارج التاريخ هم الأموات. 
إن أي عدوان صهيوني قد يفتح احتمالات توسع الحرب لتشمل المنطقة، فهل ستكون الضفة والقطاع خارج المعادلة؟ بل هل من المقبول أن يكونوا خارج المعادلة؟ أن تكون خارج التجاذب اللبناني الداخلي في معطيات الظروف الراهنة أمر ضروري، لكن أن تكون خارج المقاربة الإقليمية لتتويج انتصار إسرائيلي لتعميم حضورها تطبيعيًا كجزء من المنطقة، وعلى أنقاض الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه، وذلك لا يتحقق؛ إلا من خلال سحق المقاومة ومحورها في المنطقة، فهذااامر غير مقبول بالمرة.
على الفلسطيني أن يسير في حقل ألغام وبحذر شديد لفرض معادلة حماية للمخيمات، من خلال تكريس الحضور الفلسطيني كطرف قائم بذاته، لا يمكن استخدامه وتوظيفه في معادلات مذهبية، بل حامل لقضية وطنية قومية تحررية. وإذا توفرت شروط هذا الدور، فإنه يستطيع فرض هامش حركة خاص به، تحديدًا في سياق محور المقاومة عند المشاركة في مواجهة العدوان الصهيوني مترابطًا ومتكاملًا مع أدوار في الضفة وغزة، ومحيدًا نفسه عن الصدامات المحلية اللبنانية الداخلية والتي يمكن أن تكون محدودة وبأشكال مختلفة، أو قد تكون بعد أي عدوان صهيوني وليس أثنائه.
ثمة أسئلة كبيرة على الفلسطينيين الإجابة عنها، بعد ما أغلقت منافذ التسوية في وجههم، فهل سقط خيارها بعد أن تجاوزت "إسرائيل" شرطهم بالحد الأدنى؟ كيف يمكنهم استعادة حضورهم في المقاربة الإقليمية ما بعد أبو مازن سواء الشخص أو المشروع؟ وأسئلة أخرى أفرزتها نتائج ما سمي بالربيع العربي ورهان البعض الخاسر فيها؛ فما هو موقعهم ودورهم في محور المقاومة؟ وما هو شكل العلاقة مع محيط عربي يؤثر كثيرًا في حركتهم ومستقبلهم ويسير بعكس مصالحهم؟
الإجابة عن كل هذه الأسئلة المترابطة، تبدأ من التمسك بالهوية الوطنية الفلسطينية كأساس لحضور ودور فلسطيني قائم بذاته، يحمل قضية وطنية وقومية تحررية، وتتحدد علاقاته وتحالفاته على هذا الأساس.