ليس هناك من مبالغة في العنوان اعلاه ابدا، فاقتحامات واجتياحات السطو الصهيوني الاحتلالي المسلح على القدس بكل عناوينها يتجاوز في هذه الايام كل الخطوط الحمراء الفلسطينية والعربية والأممية، فالحدث المقدسي لم يعد يغيب عن الناظر الفلسطيني والعربي والاسلامي أبدا، فنحن نتابع الهجمات والانتهاكات والعربدات الاحتلالية الصهيونية على مدار الساعة، بل ربما أصبح حتى كبار الباحثين والمتابعين المختصين يلهثون وراء الحدث المقدسي، فنحن امام تسارع هائل في وتيرة الاقتحامات والمصادرات وبناء المستعمرات والمخططات والإعتقالات والإبعادات عن الأقصى والقدس، وحصاد اجراءات الاحتلال ضد القدس والمقدسيين في تسارع وتزايد كبير، فالاحتلال يلاحق الشخصيات الفاعلة بالقدس ويقصيها-يبعدها-عن الاقصى والمدينة لشهور طويلة، وتقدر منظمات مقدسية عدد الشخصيات الاعتبارية والسياسية والدينية التي شملتها قيود الاحتلال وإجراءاته بأكثر من ثلاثمائة شخصية، بهدف النيل من عزيمة السكان المرابطين بالمدينة المقدسة، وتراوحت إجراءات الاحتلال بين الإبعاد عن الأقصى، كما حدث مع وزير القدس السابق حاتم عبد القدر، والمنع من السفر كما حدث مع الشيخ عكرمة صبري، والإبعاد عن القدس كما حدث مع اثنين من نواب حركة حماس، والاحتلال يوجه الانذارات بهدم عشرات المنازل والمنشآت وكان اقربها اقدام سلطات الاحتلال على إخطارات بهدم 30 منزلا ومنشأة في بلدة العيسوية-الاثنين 2020-7-6-، قالت مصادر فلسطينية تعنى بشؤون المقدسات والأوقاف في القدس المحتلة، أن الاحتلال قام بحفر نفق جديد أسفل باب المغاربة وحائط البراق في المسجد الأقصى، ونشر موقع ما يسمى "شبيبة التلال" الاستيطاني، الذي انضم في مساعيه إلى "جماعات الهيكل" المتطرفة مقاطع فيديو لدقائق، ثم تم حذفها، تظهر عملية حفر نفق ومشاركة عدد كبير من المستوطنين، كانوا يحملون التراب، ويتبادلون معدات الحفر ويلتقطون صورًا لبعضهم البعض وهم في حالةٍ من النشوة والفرح-14/06/2020-.
وكان تقرير إحصائي صدر عن الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات ومنظمة التعاون الإسلامي، أظهر في وقت سابق الثلاثاء-11/12/2019-: إن الحفريات التي تجرى تحت القدس منذ عام 1967 قد بلغت 104 حفريات، منها 22 فاعلة، و4 تحت وحول الأقصى، و5 في سلوان، و5 في البلدة القديمة، و8 مواقع مترفقة، و57 حفرية ونفقا تخترق المسجد الأقصى. وحذرت الهيئة والتعاون خلال اختتام ورشة عمل، عقدت في مقر المؤتمر الوطني والشعبي للقدس، بعنوان "الحفريات الإسرائيلية.. بحث عن أوهام تؤسس لمدينة يهودية أسفل مدينة القدس المحتلة"، من خطورة بناء مقبرة يهودية ضخمة أسفل المقبرة القديمة التي تمتد من جبل الزيتون وحتى بلدة سلوان، وتبلغ مساحتها أكثر من 1600 متر مربع بعمق 50 مترا، وتتسع لأكثر من 23 ألف قبر بتكلفة 90 مليون دولار.
ورصد تقرير الهيئة في مدينة القدس 29 مستوطنة، منها 15 في الجزء الشرقي والباقي في الغربي، أما حول القدس فهناك 43 مستوطنة على 46 ألف دونم تهدف إلى تغيير طبيعة القدس من خلال الحفريات والتهويدات الجارية على قدم وساق، ويحيط بالأقصى الآن 105 كنس يهودية، علما أن عدد المساجد بالقدس 107 منها 43 في البلدة القديمة، و95 كنيسة.
واخيرا أطل علينا الاحتلال بأخطر مخطط تهويدي كما وصفه المقدسيون اطلق عليه: "مشروع إسرائيل التاريخي لبناء وادي السيليكون في القدس، وأعلنت بلدية القدس عن مشروع "وادي السيليكون" في المنطقة الصناعية في القدس الشرقية الواقعة في حي الجوز، وقالت إنه يمثل جزءا من خطة لبناء مشاريع للتكنولوجيا الفائقة وأخرى تجارية وفندقية على مساحة 250 ألف متر مربع. ويقع حي وادي الجوز على بعد مئات الأمتار إلى الشمال من البلدة القديمة في القدس الشرقية.
وشرعت بلدية الاحتلال بتنفيذ المشروع عبر توزيع أوامر بإخلال 200 منشأة تجارية وصناعية بالمنطقة الصناعية في الحي المقدسي وادي الجوز، ، لتعلن عن بدء المرحلة الأولى من المخطط الذي يستهدف أكثر من 2000 دونم من الأحياء المقدسية المحاذية للبلدة القديمة. وكانت لجنة التنظيم والبناء التابعة لبلدية الاحتلال في القدس قد أقرت في نيسان/ أبريل الماضي هذا المشروع الذي تم وضعه عام 1994 ضمن مخططات تهويد المدينة المقدسة، بدعوى استغلال جميع "المناطق الخالية" في الأحياء المقدسية-: 04/06/2020 –".
كما ان هذا الذي يجري في قلب المدينة المقدسة وعلى امتداد مساحة المدينة من اجتياحات تهويدية مرعبة، فاق كل تصور محتمل، دون ان يواجه باي رد فعل عربي او اسلامي او دولي مناسب، بل ان الاحتلال تجاوز في تماديه كل الحسابات الفلسطينية والعربية وكل المواثيق الاممية، وهو يمضي غير آبه ابدا بكافة ردود الفعل الهزيلة من هنا او هناك.
وما يجري في المدينة المقدسة، كان الدكتور مهدي عبد الهادي القادم من قلب القدس المحتلة قد عبر عنه مبكرا جدا بصرخة مدوية اطلقها-تصوروا- في ختام محاضرة القاها تحت عنوان "القدس من الداخل "في اطار ندوة القدس التي عقدت مساء السبت 2005/10/1 في المركز الثقافي الملكي في عمان حيث قال:"القدس لم تسقط عام 1967- القدس تسقط الان في هذه الايام ..القدس تسقط الان...".
وكانت الصرخة المدوية التي اطلقها المهدي الرسالة التي وجهها الي الخارج العربي والاسلامي،"القدس تسقط الان..." في ظل الهجوم الاستيطاني التهويدي الشامل الجارف الذي تشنه دولة الاحتلال على المدينة المقدسة "القدس تسقط الان ..."، في ظل فرجة عربية اسلامية دولية .
وما بين الامس قبل خمسة عشر عاما واليوم تتكرر الصرخة المقدسية مضاعفة مرات ومرات، وهذه المرة على لسان الجبهة الاسلامية –المسيحية وعلى لسان اهل القدس الذين يحذرون العرب والمسلمين، من ان الهجوم الاستيطاني التهويدي الجارف انما اخذ يختطف القدس والمقدسات ومنها الاقصى على نحو حصري...!
ففي اخطر تصعيد تهويدي لباحات الاقصى، ذكرت صحيفة 'مكور ريشون الاستيطانية ان رئيس الائتلاف الحكومي، عضو الكنيست زئيب الكين من الليكود، اعلن في اجتماع مغلق انه "سيعمل على دخول اليهود فقط إلى باحة المسجد الأقصى في أيام محددة، كما هو متبع في الحرم الإبراهيمي في الخليل"، وقال الكين "انه سيبذل جهودا كبيرة من اجل السماح بدخول اليهود فقط في أيام محددة وسيمنع المسلمين من الدخول في هذه الأيام".
فقد وصلوا اذن، الى مرحلة تهويد الاقصى على طريقة الحرم الابراهيمي الشريف، الا يكفي هذا التصعيد ليتحرك الجميع فلسطينيون وعرب ومسلمون عل كل المستويات في حملة مشتركة ضد الاحتلال ونواياه واجراءاته...؟!
الى ذلك، ها هو المفتى العام للقدس والديار المقدسة، الشيخ محمد حسين، كان قد حذر مرارا من "أن التهويد وصل إلى قلب المسجد الأقصى"، مشيراً إلى "أن سلطات الاحتلال ماضية في تهويد المسجد بحفر الأنفاق أسفله في ظل تعتيم إعلامي كبير وسرية تامة"، داعياً حكومات العالم ومنظماته وهيئاته المعنية بالسلام والإنسان والمقدسات الى العمل على ثني إسرائيل عما تخطط له من تهويد للمسجد الأقصى، وطمس هوية مدينة القدس وتشريد أبنائها"، فيما كشف نائب رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 48 كمال الخطيب، عن قرار اتخذته بلدية الاحتلال في القدس يقضي بتحويل باحات المسجد الأقصى إلى حدائق وساحات عامة بهدف إلغاء تبعيتها للمسجد وفتح المجال أمام اليهود لدخولها في أي وقت".
اما على الارض، وعن الاجتياحات والاعتداءات المنفلتة فلا حصر، فقد خلصت دراسة إحصائية ميدانية أعدتها مؤسسة الأقصى للوقف والتراث بالتعاون مع مؤسسة عمارة الأقصى والمقدسات الى "أن الاحتلال الاسرائيلي يحاول فرض أمر واقع في المسجد الأقصى يقضي بتواجد يهودي يومي في المسجد على ثلاثة محاور، أولها اقتحام المستوطنين وجولاتهم شبه اليومية في الاقصى التي يتخللها اداء صلوات يهودية وطقوس تلمودية وهذا ما يجري ونتابعه عمليا على مدار الساعة، المحور الثاني اقتحام الجنود بلباسهم العسكري وجولاتهم الاستكشافية والارشادية وهذا الانتهاك نتابعه ايضا كل يوم تقريبا، المحور الثالث اقتحامات لمجموعات المخابرات وجولاتهم في أنحاء أبنية المسجد الأقصى المبارك"، وقالت الدراسة:"يحاول الاحتلال تعزيز التواجد اليهودي في الاقصى، خاصة في الفترة الصباحية، بواقع ما متوسطه 450 مستوطناً شهرياً، و300 عنصر مخابرات وجنود بلباسهم العسكري شهرياً أيضاً، وذلك بهدف ايجاد صورة نمطية"روتينية"بالتواجد اليهودي في الاقصى، الامر الذي يتوجب الحذر منه والانتباه في التعاطي معه، أو ما يمكن تسميته تقسيم غير معلن للمسجد الاقصى بين المسلمين واليهود- ".
الى كل ذلك، ربما ياتي قبل كل ذلك ايضا، مخطط هدم الاقصى وبناء الهيكل، والقصة هنا ليست فزاعة وهمية يظهرونها كلما "دق الكوز بالجرة"، بل هي عبارة عن نوايا ومخططات وتنظيمات وتحركات تتراكم وترمي كلها في المحصلة الى هدم الاقصى المبارك وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه.
- فاين العرب من كل ذلك ...؟
- واين الامة الاسلامية من كل ذلك ...؟
- ثم اين المجتمع الدولي واين مواثيقه وقوانينه من هذه الانتهاكات والجرائم التي تقارفها دولة الاحتلال ضد القدس والمقدسات العربية الاسلامية والمسيحية على حد سواء...؟
والاخطر من كل ذلك :
لماذا يفك العرب انفسهم من فلسطين والقدس ويمارسون التطبيع مع تلك الدولة ...!
وكأن شيئا لا يحدث وكأن كل شيء طبيعي هناك ...؟
وكان فلسطين لا تعني احدا منهم ...؟
وكانها ليست جزءا من جسم الامة العربية ...؟.
تحتاج القدس وفلسطين في هذه المرحلة العصيبة المفصلية الى تحركات شعبية عارمة مناهضة في فلسطين والعالمين العربي والاسلامي، بل تحتاج الى انتفاضات حقيقية في وجه الاحتلال لانه في الحاصل الاستراتيجي: لا يحبط مخططات ومشاريع الاحتلال سوى الحراكات الشعبية المناهضة المقاومة ....!؟

