بعد تطور الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية وإنهيار الليرة اللبنانية، وبعد الحجر الكوروني الطويل، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، ومع انتشار روائح تهريب مليارات الدولارات للخارج، والتشريع للبنوك بشفط ودائع وتعويضات وتحويلات الطبقة الوسطى والفقيرة، ومع بدء سريان تنفيذ ما يسمى مشروع "قيصر" الأميركي ضد الشعب السوري وربطًا اللبناني، ومع السعي الأميركي - الصهيوني لضم الضفة الغربية من فلسطين المحتلة؛ خرج الدخان الأبيض من النظام السياسي - الطائفي العقيم وحكومته التكنوقراطية، بإعلان التوجه إلى صندوق النقد الدولي، وبدء المفاوضات معه لإستدانة 10 مليارات دولار أميركي على مدى أربع سنوات للمساعدة على حل الأزمة الاقتصادية والنقدية في لبنان. يعني، عودة الوحش الأميركي بقوة من الباب العريض لعلاج الأزمة (آخر الدواء الكي الرأسمالي)، ولأن صندوق النقد الدولي ليس مؤسسة خيرية إنسانية، فإن أول دنس الصندوق بدأ يتمظهر بانهيار سريع لسعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، ثم الإفصاح عن شروطه للهيكلة وجدولة الدين العام والتدخل بالتعيينات الادارية..الخ، وسرعان ما عزف على وترها أطراف سياسية يمينية – طائفية؛ لإكمال نغمة تحريك الشارع باسم "الانتفاضة الشعبية" التي انطلقت في 17 اكتوبر 2019، وتوقفت قسريًا بسبب وباء كورونا والالتزام الصحي والأخلاقي للمنتفضين، تحت شعار تنفيذ القرارات الدولية 1559 و1701 "نزع سلاح المقاومة" و"ترسيم الحدود مع سوريا". يعني تفعيل مقررات "القيصر" وتطبيق الحصار ثم التجويع، ومحاولة تغيير موقع لبنان المقاوم.
هذه الدعوات الملغومة تحمل رسائل داخلية وخارجية متعددة من قبل أطراف سلطوية معارضة تحاول شيطنة السلم الأهلي وتعميق الانقسامات الطائفية لتمرير الشروط الأميركية واستعادة مواقعها السياسية وصياغة معادلة جديدة للحماصصات السلطوية، وكان أن شهدت بيروت ليل 6- 6 -2020 استفاقة لشعارات مذهبية، انتشرت كالنار في الهشيم، لتسجل أخطر ظاهرة سياسية وأمنية تعيد البلاد إلى أيام الحرب الأهلية. أما الرسالة الداخلية، فقد تجسدت في محاولات أرباب النظام الطائفي العمل على "كرسحة" الانتفاضة الشعبية، وتهديد قواها الحقيقية، قبل أن تستأنف تحركاتها الميدانية من جديد؛ وعنوان رسالة 6- 6 – 2020 تقول: بأن الساحة هي ملك للنظام وأطرافه السياسية الطائفية وأدواته البلطجية، حصريًا.
أزمة لبنان الوطنية معقدة وخطرة، وستزداد خطورة مع الاشتباك السياسي الداخلي والإقليمي والدولي أكثر، وخصوصًا، مع بازار "ترامب" المفتوح بشراسة على سياسة الحروب والحصار والعقوبات والفوضى والتجويع قبل خوض معركتة الرئاسية الثانية. كما أن الأزمة الداخلية مفتوحة على شد العصبيات وتحسين مواقع الأطراف السياسية الحاكمة لخوض معركة رئاسة الجمهورية، من خلال الدعوات المشبوهة لإجراء إنتخابات نيابية مبكرة على أساس القانون الطائفي ذاته، أو إجراء تغيير أو تعديل حكومي، أو الاتقاق على التحاصص في توزيع شواغر التعيينات الإدارية والقضائية.. وغيرها.
أجل، أطراف السلطة السياسية مختلفون، بالاتجاهات السياسية والمراجع التبعية، لكنهم متفقون على حماية الاقتصاد النيوليبرالي، وعلى رعاية توزيع المحاصصات الطائفية، ونشر الفساد. بمعنى، منع إجراء إصلاحات وطنية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.. ولو اقتضى الأمر إفلاس البلد.. هنا تكمن المعضلة؛ فبناء الوطن الديمقراطي المقاوم، يستدعي مقاومة المشروع الاميركي الصهيوني- الرجعي بكل مفاصله وتفرعاته وتلاوينه، وهذا هو أساس عمل المقاومة الوطنية، والقوى السياسية والشعبية الساعية للتغيير؛ فمن دون مشروع المقاومة الشامل للتحولات الفكرية والسياسية والثقافية سيكون من الصعب التقدم على أي من مسارات التحرر السياسي والاجتماعي، وأي افتقاد لعنصر من عناصره سيعرضه للاهتزاز أو التشويه. وعليه، تصبح المقاومة الوطنية في ظل هذا المشروع أمام مهمتين متلازمتين: مقاومة المشروع الأميركي – الصهيوني المدمر للوطن والمجتمع، ومقاومة الفوضى والجوع والبطالة والاقتتال الطائفي والمذهبي، باسم الحفاظ على نظام الفيدراليات الطائفية والتبعيات المتعددة؛ من أجل ربط التحرير بالتغيير الذي يحمي الانتصار المحقق ويحصن المقاومة. فالمقاومة ضد الإمبريالي والصهيوني مهمة وطنية بامتيار، لا خلاف أو تردد حول أهمية خوض المعركة ودعمها وتقويتها؛ إلا أنها لا تشكل مشروعًا وطنيًا وطبقيًا لوحدها، طالما هي شريكة أو أقله محايده في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل منظومة حكم سياسي طائفي المولدة بالتكافل والتضامن للأزمة الوطنية، والمسؤولة بسياساتها عن الفقر والبطالة، وعن غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة والتنمية.. فلكي تكون المقاومة كذلك، ينبغي أن ترتفع إلى ما فوق الطائفية والفئوية؛ أي إلى المقاومة الوطنية التي تحمل مشروع التحرر الوطني.
وإذا كان الفعل المقاوم المباشر، أو توفير الدعم للمقاومة وسلاحها ضد العدو الصهيوني، واجب وطني، لكن هذا، لا يعني أبدًا القبول أو الخضوع للتبعية أو التطرف والتعصب الطائفي؛ كونها تصب في خدمة المشروع الأميركي التفتيتي، وتصب في خانة تأبيد سيطرة النظام السياسي الطائفي القائم.
فالمقاومة الوطنية الشاملة، تفرض مقاومة المشروع الإمبريالي والصهيوني، كما تتطلب مواجهة كل السياسات والممارسات الطائفية الهادفة لتقويض العمل المقاوم أو لتهديد السلم الأهلي، والعمل على قيام جبهة وطنية ديمقراطية تعزز مسيرة الانتفاضة الشعبية ضد نظام التبعية والتهميش والإفقار والظلم والنهب والفساد.. الذي يصادر الهوية الوطنية، ويتعدى على حقوق وأموال العمال والكادحين والفقراء، وذلك قبل أن تعيدنا هذه الممارسات مرة جديدة إلى مربع الفوضى أو الإقتتال الطائفي؛ الأمر الذي يعزز من خطر اعتداء صهيوني متربص بوطننا ومقاومتنا وثرواتنا وإنتصاراتنا، أو من مخاطر الرياح القادمة من شروط صندوق النقد الدولي التي تمثل جنون "ترامب"، وفنون عقوباته الحربية والاقتصادية والتجويعية على الشعوب المقاومة في المنطقة.
لذلك، فإن الربط بين التحرير والتغيير هو مشروع المقاومة الوطنية الشاملة، وهذا يعني أن تشكل المقاومة الوطنية أولوية في مواجهة السياسات الخارجية العدوانية، وأن يشكل النضال ضد التبعية والاقتصاد الريعي والاستبداد الطائفي والتخلف الاجتماعي والتنموي؛ رأس حربة مقاومة سياسة النظام الطائفي القائم، والعمل على تعبئة وتوعية الجماهير الشعبية المفقرة، من أجل النهوض بالانتفاضة الشعبية وتنظيم صفوفها وتحديد خطتها وتوضيح أولويات شعاراتها الوطنية وبرامجها المرحلية، لوضع اللبنة الأساسية نحو بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المقاومة.
لم يتحرر وطننا وشعبنا من المحتل الصهيوني دون قيد أو شرط؛ إلا بالمقاومة، وسلاح المقاومة هو سلاح قوتنا وكرامتنا، هو سلاح الشهداء والأسرى والموقع والتحرير، ومهمة هذا السلاح المقاوم لم تكتمل بعد، طالما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر محتلة، وطالما بعض جثامين شهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مأسورة لدى هذا الكيان، وطالما هذا العدو العنصري التوسعي يحتل فلسطين ويحاول تصفية القضية والحقوق المشروعه لشعب صامد مقاوم، لن يتراجع عن حقة في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس ، وطالما مرتفعات الجولان محتلة. وإذا كان الانتصار التاريخي الذي تحقق في 25 أيار عام 2000، بفعل المقاومة وسلاحها ودماء الشهداء وصمود الشعب؛ إلا أن السيادة الوطنية الشعبية لا يمكن أن تتحقق من دون التخلص من التبعية، ومن سيطرة الطغمة السياسية والمالية والطائفية، ويكاد من المستحيل بناء وطن من دون تغيير ديمقراطي، وستبقى "الانتفاضة الوطنية الشعبية" هي البوصلة نحو ثورة التغيير، رغم كل الضغوطات الأميركية السياسية والمالية، ورغم كل الألغام المتفجرة التي تحاول تغيير موقع لبنان المقاوم، ورغم كل التهديدات بقطع دابر الدولار من السوق وفرض الحصار والتجويع الإمبريالي.. ولن تنفع ألاعيب أطراف السلطة لتعويض ما خسرته من تقدم الانتفاضة للشد على العصب الطائفي والمذهبي؛ فالشعب المنتفض قام لتحطيم قيوده من الاستغلال والقهر الاجتماعي من أجل التغيير.
مشروع المقاومة الوطنية الشاملة في ظل احتدام المواجهة مع مشروع الشرق الأوسط الجديد، كان وسيبقى مشروعًا وطنيًا لدفن قياصرة الاحتلال والرعب والظلم، ومشروعًا طبقيًا يشكل منهاج عمل لنضال قوى التحرر الوطني. فمعركة التحرير والتغيير، هي معركة متلازمة واحدة، وهي الخيار الوطني الانقاذي لتحرير الأرض والإنسان، ومن أجل هذا المشروع، انطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 أيلول عام 1982. وإذا كان السلاح يشكل قوة المقاومة من أجل التحرير؛ فإن بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المقاومة يشكل السياج الوطني الوحيد لحماية الإانتصار والتحرير، ويمثل في الوقت ذاته المناعة الوطنية لنزع فتيل صاعق شعار نزع "سلاح المقاومة"، ومواجهة سياسية ثورية لمشروع "قيصر" الإميركي، ومقاومة فلسطينية وعربية شاملة لمشروع "صفقة القرن"، وكل متفرعات مشروع الشرق الأوسط الأميركي الجديد في لبنان وفلسطين و سوريا والمنطقة، والقضاء عليه.
ليست مهمة التغيير بسيطة، أو في متناول اليد، لكنها مهمة وطنية تجسد تطلعات كل فقراء لبنان والمنطقة، وإن كانت صعبة وشبه مستحيلة اليوم، بفعل تقاطع التداخلات والتقاطعات الوطنية والإقليمية والدولية، بيد أنها مهمة تجسد الخيار الوطني الصائب؛ من أجل وطن حر وشعب سعيد.

