Menu

المنطقة... صيف ساكن على صفيح ساخن

حاتم الخطيب

خاص بوابة الهدف

غيوم الصيف لا تثمر المطر...

ومأمأة الخراف لا تمنع سكين القدر...

لا تستحق الحياة إن لم تقتحم أسوار الخطر...

المنطقة العربية منذ عقود خلت لم تذق طعم الأمن والاستقرار، مرتعاً خصباً لكل من هب ودب، ومسرحاً مشرع الأبواب للقط والدب؛ من ليبيا بالغرب حتى فلسطين ولبنان وسوريا بالشمال ومروراً بالعراق وإيران واليمن و مصر والسودان، كلها بؤر توتر وصراعات منها الاحتلالية ومنها العبثية المصنعة أميركيا وصهيونياً وغربياً لإثارة الفوضى والفتن والنعرات الطائفية وتقسيم المقسم وتدمير الدول والمجتمعات، في تآمر خبيث وتنفيذ أحمق من بعض الأنظمة العربية الخليجية المتساوقة مع هذه المخططات والمؤامرات؛ بخيانة علنية ستدفع ثمنها يوماً ما وستسقط عروشها الهشة.

 بدأ صيف المنطقة ساكناً وحذراً في سوريا رغم قانون العقوبات "قيصر" الذي سنته أمريكا لخنق سوريا بعد فشل مخططها التركيعي والتقسيمي، وانطلق مغبراً بمخطط الضم الصهيوني للضفة الغربية والأغوار الفلسطينية في فلسطين، والذي تم تأجيل موعد تنفيذه وليس إلغائه، مما يعني أن الخطر ما زال محدقا،ً وعلى الفلسطينيين تجسيد وحدتهم وسن أسلحتهم للمواجهة القادمة.

وبدأ الصيف ملوثاً في لبنان بالتصريحات الوقحة للسفيرة الأميركية في بيروت التي تأجج نار الفتنة والفرقة بين مكونات الشعب، وبتدخل سافر يتجاوز الأعراف الدبلوماسية عندما تستخدم الوعيد والتهديد وتخير اللبنانيين بين مساعدات أمريكا المسمومة أو العلاقة مع سوريا وإيران والصين، وملتهباً في ليبيا بالتدخل التركي العسكري المباشر لصالح حكومة السراج الاخوانية ضد جيش (خليفة حفتر) المدعوم من مصر و السعودية والإمارات، في تحدي تركي واضح لمصر بإنشاء القواعد العسكرية والاقتراب من حدودها، وعبر التهديد بسحق الجيش المصري إن تدخل في الشؤون الليبية باعتبارها منطقة نفوذ وقاعدة متقدمة لتركيا.

وبدأ صيفاً هزيلاً في مصر والسودان تنسج خيوطه العربدة الأثيوبية المفاجئة حول سد النهضة بوادي النيل، وبالتعنت والاستهتار بالدولتين تمضي أثيوبيا في مخططها بخنقهما مائيا وتعريضهما للعطش والمو؛ من خلال سرقة المياه وملأ سدها، المشيّد على أيدي الخبراء والمهندسين الصهاينة والممول سعودياً وخليجياً. ويبدو صيفا دافئاً بالعراق التي تعصف بمكوناته وأحزابه وحكومته الخلافات وتبادل الاتهامات بالفساد وتناقض حاد في الاستراتيجيات، بينما اليمن الحزين على حاله تضرب الفوضى أركانه والطائرات السعودية تقصف الشجر والبشر وبنيانه، في لوحة سريالية عقيمة نقشت ألوانها بالدم اليمني الأحمر القاني في مظلومية سيكتب التاريخ عنها: أن كل البشرية كانت شاهد وجاني؛ الصمت تواطؤ والضمير الميت لا يبالي. وأخيراً صيف إيران الساكن على صفيح ساخن، في المرجل يغلي وينتظر هفوة (ترامب) الماجن، فالاعتداءات التي ضربت إيران مؤخراً في قاعدة (نطنز) النووية وبعض مواقعها العسكرية والاقتصادية والبحثية الحساسة عمل تخريبي وإرهابي منظم، حيث كل الدلائل تشير إلى تورط إسرائيل وأمريكا فيه؛ سواء بالقصف المباشر أو باستخدام العملاء للقنابل والعبوات الناسفة أو عبر الهجمات السيبرانية الدقيقة لأجهزتها النووية والتكنولوجية، والتي حتماً ألحقت الضرر الكبير بمشاريع إيران النووية والبحثية، ومزق سكون الصيف التحقيقات الإيرانية المكثفة والجريئة عن الفاعلين وكيفية التنفيذ والتعهد بملاحقة الإرهابيين؛ سواء دول أو أفراد، في إشارة جلية إلى أننا اقتربنا من المواجهة. وإيران مجبرة على الصفيح الساخن ومن فوقه الرد الانتقامي الدفاعي سواء المحدود أو المفتوح، لأن السكوت واحتواء الضربات سيشجع من قام بها على المزيد من الهجمات والاعتداءات وسيشرع الأبواب للفوضى والعبث بالداخل الإيراني، وعليه السكون سيمزقه ضجيج الصفيح، وسنشهد قريبا غلياناً في المنطقة العربية المضطربة في ساحة تختارها إيران بدقة وعناية لتستثمر في كل الاتجاهات وبمزيد من الأهداف الدفاعية الردعية والهجومية نحو إسقاط المترنح (ترامب) انتخابياً، وإفشال نتنياهو حكومياً وقمع دويلات الخليج نفسياً.

إن صيف المنطقة العربية الملتهب دوماً بالصراعات والاشتباكات يبدو هذا الموسم أقل ضراوة واشتعالا من سابقيه، مستتراً خلف الغيم الهش والضباب يغش، ولكنه يتأرجح على الصفيح الساخن، وإيران وحدها القادرة على كسر الصمت الساكن.