Menu

عن ناجي العلي.. هكذا صلبوه

خالد بركات

خاص بوابة الهدف

كلما صادفوه في "مناسبة وطنية" أو في مكان ما، قالوا له: وبعدين معك؟ وناجي يسمع ويقول كلمته ويمشي لا يلتفت إلى الوراء، يسير في الطريق الوعر إلى آخره، حاملاً معه صليبه وأرض ذكرياته ووصايا غسّان كنفاني "نسير في هذا الطريق إلى أخره يا رفيق"؛ حاملًا معه قريته المحتلة ومخيم عين الحلوة وحنظلة الصغير الذي يقف على كتفيه، ذاك الولد الذي ولد يوم الخامس من حزيران ليشهد ويشهد ويشهد حتى العودة. " تلك الأشياء" كانت زوادته اليوميّة وإيمانه الصوفي وقلب المسيح الفلسطيني المؤمن بالعودة حتى ولو كومة عظام.. ناجي الشاب والابن والرفيق الوفيّ والنجار الماهر والروح القُدس؛ يواصل طريق الآلآم من "الشجرة"، قريته في فلسطين المحتلة، إلى خيمة باردة في لبنان، إلى كل هذا المنفى وهذا العالم الكبير الذي لم يعد يتسع له ولا لشعبه.. مثل نبي مطرود لاجيء.

أراد أن يقول الحقيقة فصلبوه على رصيف بارد في لندن.. يقول، لا أعرف كيف أكون غيري؟! ويقول: أنا حرّ ولا أشبه هذا الجمع المهزوم ولا أحترم مثقف السلطة وبوق م ت ف. ما بدك تعيش؟ بدي أعيش ـ وهيبة القيادة و م ت ف. ما ترسمه ريشتك يضر الوحدة الوطنية!

ويسير ناجي لا يشعر بالذنب أو الخطيئة، ويقول لهم: وشعبي؟ وحقي في العودة؟ وأحوال الحرية والديموقراطية؟ وإصلاح مؤسسات م. ت. ف وخطايا الزعامات والأبوات؟ ومحاسبة من أساء للقضية وحرامية الثوره؟ ومن سرق طحين اللاجئين؟ وكل هذا الوطن العربي؟ وأنظمة الردة والخيانة وبعد؟ يتركوه ولا يتركوه إن عبارات مثل "متطرف" و "صعب" و "فردي" و "مخشب" لم تعد تؤثر فيه!

ويواصل ناجي رحلة النقش على جدار الثورة ويحفر اسمه عميقاً في ذاكرة المخيم؛ مثل الوشم الابديّ، كان يسخر من القائد المسؤول في "الثورة" بعد أن هرب الزعيم الرمز من المعركة وترك المقاتلين بلا سلاح وبلا ماء، وتركوا المخيم لسكين الفاشي.

يهجم ناجي على قمم العرب يعرّي من خانوا المقاومة في لبنان، كان صوت الشعب وحزب الناس العاديين، كان صوت الجماهير حين يشعر المخيم بالاختناق فيصرخ: نعم للمقاومة حتى العودة والتحرير!

حاصروه وهددوه؛ غير أن الحصار لم ينفع، فحاصروه أكثر، واستهدفوا لقمة صغاره ثم أبعدوه إلى هناك.. تماماً كما يحدث كل ساعة مع شعبه؛ فحمل صغاره وواصل الرّسم والسخريّة وظل يمُد لسانه للقوم المهزوم كل صباح؛ يبدع ويكتب وينسج من ريشته رمح النقد الثوري الذي لا يضل هدفه، فقالوا له مرّة: المبدع والفنان يتغير، أما لديك من موضوع آخر غيرنا؟ لا يوجد في رأسك غير موال واحد؟ نقد قيادة الثورة ونشر غسيلنا؟ فيقول لهم: لولا النقد لما كان الفكر والتغيير والتطور.

لماذا تزعجكم ريشة وطفل فلسطيني مشاكس؟ لماذا تكرهون النظافة؟ يعجبكم هذا الاستنقاع في الوحل والكذب والخيانة؟ صلبوه في العرّاء هناك على رصيف بارد في لندن.. أو ظنوا أنهم صلبوه، وهو الحيّ أكثر من أيّ وقت، حيّ في ضمير شعبه؛ مثل الناصريّ ذاك الفدائي الأول.. ظل يحمل صليبه وعذابه لا يتعب ولا يموت.. وسيظل يقاتل حتى يعود.