Menu

عن غياب الاتحادات الشعبية وغياب دورها

صادق الشافعي

نُشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

 

تفتقد حركة النضال الوطني الفلسطيني الاتحادات الشعبية وتفتقد دورها المؤثر، ويأتي الافتقاد متزامنًا مع الضعف الشديد لدور منظمات المجتمع المدني بتعبيراتها المتنوعة، ويأتي متزامنًا أيضًا،مع غياب الحياة الديمقراطية بعنوانها الأساسي: الانتخابات الدورية، العامة أو المحلية. ويشكل هذا الافتقاد ملمحًا هامًا من ملامح تراجع واسع في دور الجماهير وتأثيرها بشكل عام في الحياة الوطنية والمجتمعية للشعب الفلسطيني.

لا حاجة للاستفاضة بالحديث عن أهمية دور الاتحادات الشعبية في حركة نضال الشعب الفلسطيني أو أي شعب آخر، ولكن تبقى هناك حاجة للتذكير بالدور الهام والمؤثر الذي قامت به الاتحادات الشعبية الفلسطينية في المرحلة السابقة؛ مرحلة النضال والثورة المسلحة التي سبقت قيام السلطة الفلسطينية على جزء من أرض الوطن. فقد شكلت الاتحادات الشعبية واحدة من الركائز الأساسية لحركة النضال الوطني؛ إن على مستوى تنظيم وتعبئة قواعدها في جميع مناطق تواجدها في البلاد العربية وبلاد العالم في الإطار العام لحركة النضال الوطني؛ وإن على مستوى الدور الهام والمستقل إلى حد كبير، والمميز بحكم طبيعتها، الذي ظلت تقوم به كأحد مكونات النضال الوطني وهيئاته ومؤسساته؛ وإن في نصرة الثورة المسلحة بإعلان التعبئة والتطوع في كل المواجهات التي فرضت عليها، ودون أن ننسى دورها الهام والمبادر في بناء جبهة التضامن العالمية الواسعة مع نضال الشعب الفلسطيني وثورته وهيئاته القيادية. وتبقى هناك حاجة أيضًا، للتذكير أن بعض الاتحادات الشعبية (المرأة،الطلاب،العمال)، تأسست قبل المرحلة النضالية الجديدة بهيئاتها وتنظيماتها، وقبل قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وأنها ساهمت في قيام المنظمة وشاركت في مؤتمرها التأسيسي. ثم ساهمت بمبادرة وفعالية عالية في الثورة المسلحة عندما انطلقت. كما راكمت خلال كل ذلك مخزونًا غنيًا من الأعراف والتقاليد التعبوية والديمقراطية، وفي صلبها الانتخابات الدورية العامة، والأعراف الوحدوية - الائتلافية الجامعة.

                                                                                           

الآن ومنذ سنوات حال الاتحادات الشعبية لا يسرّ، ودورها بشكل عام، ومع استثناءات محدودة جدًا، لا يُرى، ولا يُحس، ولا يُلمس، وتقترب صورة معظمها كثيرًا، بالذات في هيئاتها القيادية، من صورة مكاتب تنظيمية لقواها وتنظيماتها تعين وتعدل وتبدل بالقرار التنظيميـ بلا قواعد وتمثيل، وبلا انتخابات، وتقوم بما يطلبه منها تنظيمها وقيادته من مواقف أو نشاطات "مناسباتية".

يقتصر وجود هذه الصورة لواقع الاتحادات الشعبية، على سوداويتها، مع استثناءات محدودة جدًا،على الضفة الغربية، وينعدم بدرجة شبه تامة في قطاع غزة وفي كل تجمعات الشعب الفلسطيني وأماكن تواجده خارج أراضي الوطن.

الحال الوحيد الباقي الذي يبعث الفرح والأمل هو حال اتحادات الطلبة في جامعات الضفة الغربية، فهي تحافظ على وجودها ودورها وتجددها؛ عبر انتخابات دورية منتظمة تنافسية وديمقراطية. كما إنها تطور في دورها وفي نشاطاتها: الطلابية الجامعية، والوطنية أيضًا. وللأسف الشديد، فالحال، بتفاصيله المذكورة، ليس كذلك في جامعات قطاع غزة. أما عن النقابات فحال بعضها (الحقوقيين، الصحفيين مثلاً) أفضل نسبيًا عن الاتحادات الشعبية.

في محاولات تفسير هذا الحال، فإن غالبية المتابعين تعود بالسبب إلى اتفاقات أوسلو وما نتج عنها من التزامات وأولويات وسياسات وتغيّرات طالت الكثير من أوجه الحياة السياسية، وأهمها التراجع الواسع في دور منظمة التحرير ومؤسساتها وأجهزتها وقواعدها. ومعروف أن كل اتحاد شعبي هو قاعدة من قواعد الثورة الفلسطينية/منظمة التحرير كما تنص عليه دساتيرها، وبعضها ممثل في هيئتيها التشريعيتين (المجلسين الوطني والمركزي)، ويذهب بعض المتابعين في تفسير الحال إلى أبعد من ذلك، فيحملون تنظيم السلطة الحاكم وصاحب الأغلبية، المسؤولية الرئيسة والمباشرة عن هذا الحال، ودون تبرئة الآخرين من قسطها في المسؤولية. ومع ذلك فإنه يحسب للسلطة الفلسطينية، والتي كانت من نتائج أوسلو إنها نظمت على امتداد 25 سنة إجراء انتخابات محلية (بلديات ومجالس قرى) أكثر من مرة، ونظمت مؤتمرين للاتحاد العام للمرأة، ومؤتمرات لعدد من النقابات، إضافة إلى ما تم ذكره عن اتحادات الطلبة في جامعات الضفة الذي يتم بموافقتها ورضاها. أما في قطاع غزة، والتي تقع تحت سيطرة وحكم حركة حماس الفعلي والمنفرد، فلا شيء حصل من مثل ما ذكر، والتفسير السائد لذلك هو عدم إيمان حركة حماس، في فكرها وبرنامجها، بالانتخابات بشكل عام وأقرب الأمثلة الحسية على ذلك، تنصيبها مؤخرًا لأكثر من مجلس بلدي في القطاع بالتعيين.

وأما عن دائرة المنظمات الشعبية في منظمة التحرير، فقد ظلت منذ عودتها إلى أرض الوطن اسمًا بلا مضمون أو دور، وظل مسؤولها مجرد عضو عادي في اللجنة التنفيذية للمنظمة، بلا مسؤولية أو صلاحيات معروفة تجاه الاتحادات الشعبية، ولا علاقة منتظمة له معها.

في غياب (تغييب) دور الاتحادات الشعبية لم يحصل أن قام أي نشاط عام لتعويض ذلك الدور للاتحادات، بأي شكل وأي مستوى. لم يحصل مثلاً أن كان هناك دعوة من أي جهة للقاء عام لأوسع تمثيل للعضوية المفترضة لاتحاد شعبي بعينه، أو لأكثر من اتحاد بشكل مشترك؛ بهدف مناقشة حالة محددة تخص الاتحاد المعني أو حالة تشمل الاتحادات الشعبية بشكل عام، أو موضوع وطني عام، وذلك بهدف الوصول إلى رؤيا موحدة حول تلك الحالة والتعامل معها، أو توحيد الرؤية والموقف حيال الموضوع الوطني.

لا يجوز تفسير وتبرير واقع اتحاداتنا الشعبية، وتبريره بأنه يحدث في مناخ حالة عامة تعيشها الاتحادات الشعبية والنقابية في عموم أقطار الوطن العربي، حيث الواقع في كل منها مثل الواقع عندنا وربما أسوأ، مع الاختلاف في الأسباب والمعطيات وفي الاشكال والتعبيرات،                               وهو كذلك أيضًا، على المستوى القومي، فقد اختفت بعض الاتحادات القومية نهائيًا (مثل الاتحاد العام للطلاب العرب والاتحاد العام للشباب العرب)، وتراجع دور معظم بقيتها لدرجة تقترب من الاختفاء.                                         

ولا يجوز تفسير وتبرير واقع اتحاداتنا الشعبية، بأنه جزءًا أيضًا من الحالة العالمية العامة (كما عرفناها وانضممنا إلى عضويتها وشاركنا في فعالياتها)، فقد اختفت تقريبًا وربما كليًا تلك الاتحادات لأسباب وعوامل موضوعية بالدرجة الأولى وذاتية أيضًا (الاتحاد العالمي للعمال، الاتحاد العالمي للمرأة، اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي، اتحاد الطلاب العالمي .....)،                                                                                              واختفى أيضًا عدد من المنظمات الدولية الجامعة والمتكاملة مع الاتحادات المذكورة؛ مثل مجلس السلم العالمي، وجمعيات الصداقة...

لا يجوز لنا، وبالأحرى والأدق، لا يحق لنا، تبرير وتفسير واقع اتحاداتنا بما تقدم، ولا القبول باستمرار "تسكين" (بألطف التعبيرات) دور وفعل ومساهمة الاتحادات الشعبية بالنضال الوطني الشامل، بل تفرض المسؤولية الوطنية علينا العودة إلى ذواتنا الجمعية الوطنية والتنظيمية السياسية والشعبية، وتفرض على الجميع العمل السريع والمتعاون، للخروج من هذا الحال.                            

إن الدعوة إلى تفعيل دور الاتحادات الشعبية لا تعني بحال الانغلاق عليها، ولا تتعارض مع أي أفكار وتشكيلات شعبية خلاقة تصب في مجرى النهوض بالعمل الجماهيري الفاعل والمؤثر، بالذات إذا جاءت من الأجيال الشابة وتحمل معها رغبتهم وقدرتهم على التجديد في البنى والأساليب.

فمن يعلق الجرس.