من الخطأ التوسع والتمادى فى الترويج لحديث "الصدمة" كإستخلاص لإعلان الحكومة الإثيوبية نجاحها فى اكتمال مرحلة الملء الأولى لبحيرة "سد النهضة" الإثيوبى فى ذات اليوم الذى كانت تجرى فيه محادثات القمة الأفريقية المصغرة (الافتراضية) يوم الثلاثاء الفائت، والتى كانت تستهدف، ضمن ما تستهدف، منع إثيوبيا من اتخاذ قرار منفرد بالبدء فى ملء خزان السد. فكلمة "الصدمة" تعنى وقوع حدث مفاجئ وبشكل غير متوقع، وقيام إثيوبيا بإتمام المرحلة الأولى من ملء خزان السد، بإرادتها الذاتية المنفردة، ودون أدنى اعتبار للمحادثات التى كانت تدور فى القمة الأفريقية الافتراضية، لم يكن مفاجئاً، ولم يكن خارج دوائر التوقع. الصدمة الحقيقية أن نعتقد ونروج لوصف ما حدث بأنه صدمة، لأن هذا يعنى أننا كنا فى حالة تغييب ذهنى إرادية كاملة. فالقراءة الدقيقة لمسار المفاوضات التى خاضتها إثيوبيا، ببراعة، مع مصر على مدى ما يقرب من تسع سنوات متصلة تؤكد أن إثيوبيا قررت "استرداد نهر النيل إلى ملكيتها الخاصة باعتباره نهراً إثيوبياً خالصاً يخضع للسيادة الإثيوبية المطلقة".
ليس هذا فقط، بل وأيضاً "على الدولتين المتنازعتين مصر و السودان أن تقرا بهذه الحقيقة وأن تقبلا بها"، والأخطر هو أن تقبلا بشروطها وفى مقدمتها أن تحصل كل منهما على الكمية التى تحددها لها إثيوبيا من مياه النيل.
هذه هى الحقيقة، بكل مرارتها، وكان أمام المفاوض المصرى مساران للتعامل معها، إما رفض هذه الحقيقة والتحرك لإسقاطها بشتى السبل الممكنة، باعتبارها "وهم إثيوبى مطلق" وأن نهر النيل ملكية مشتركة للدول الثلاث من قديم الأزل، وأن لا سيادة إثيوبية على النهر، وإما القبول القسرى لما تعتبره إثيوبيا حقيقة والانحناء للإرادة الإثيوبية. مصر لم تقبل لا بهذا ولا بذاك، ولكنها اختارت لنفسها مساراً ثالثاً وهو العمل على إقناع إثيوبيا بالعدول عن قناعاتها عبر جولات من المفاوضات الماراثونية المباشرة أحياناً بين الدول الثلاث: مصر وإثيوبيا والسودان، وأحياناً أخرى بمشاركة وسطاء، على غرار الوساطة الأمريكية الفاشلة والمشكوك فى نزاهتها التى جرت فى الفترة من أكتوبر 2019 وحتى فبراير 2020. وكات النتيجة هى الوصول إلى "لا شئ" حتى دخل هذا المسار إلى نفق مسدود.
وهكذا نعود مجدداً إلى حيث بدأنا التنازع معها لنسأل: كيف يمكن إجبار إثيوبيا على العدول عن التمسك بفرض سيادتها المطلقة على نهر النيل (النيل الأزرق)؟
هذا السؤال يفرض أسئلة أخرى كثيرة أبرزها ما هى أوراق القوة التى تمتلكها إثيوبيا فى إدارتها للأزمة؟ وما هى عناصر ضعفها؟ وما هى أوراق القوة التى فى يد مصر؟ وما هى عناصر ضعفها؟ وكيف يمكن إضعاف أوراق القوة التى تمتلكها إثيوبيا وكيف يمكن تقوية عناصر ضعفها؟ وبنفس الأسلوب كيف يمكن تقوية أوراق القوة المصرية وكيف يمكن إضعاف عناصر الضعف؟
أما السؤال الأكثر أهمية فهو: من سيجيب على هذه الأسئلة ومن سيقوم بتنفيذها؟
الأمر البديهى أن مهمة الإجابة على كل هذه الأسئلة ومن فى مقدوره تنفيذ المهام المطلوبة على الجانبين الإثيوبى والمصرى هو "مؤسسة وطنية" فائقة القدرات يمكن وصفها بـ "العقل الإستراتيجى المصرى" الذى يجمع كل الخبرات والقدرات الوطنية عالية الكفاءة والإخلاص فى الدفاع عن المصالح الوطنية وكسب المعارك التى تواجه مسيرتنا الوطنية وفى مقدمتها أزمة النيل الذى تحاول أطراف دولية كثيرة، وليس إثيوبيا فقط حرمان مصر من حقوقها المائية الحياتية.
هذه الأطراف، وفى المقدمة منها بالطبع إثيوبيا، تدير أزمة نهر النيل، وليس أزمة السد الإثيوبى فقط إنطلاقاً من قناعة مفادها، أن مصر المفعمة بصراعاتها الداخلية، وفى مقدمتها الحرب على الإرهاب الذى يهدد أمنها واستقرارها الوطنى، والمنخرطة فى الأزمة الليبية إلى درجة قد تضطرها للدخول فى صراع عسكرى مفتوح مع تركيا ، وربما مع أطراف أخرى على الأراضى الليبية، ليست جاهزة لخوض صراع مع إثيوبيا حول سد النهضة، وأن قدرات مصر سواء كانت العسكرية أو الاقتصادية لا تؤهلها لخوض حربين فى وقت واحد.
ولو تذكرنا متى أعلنت إثيوبيا عن بدء بناء سدها سنجده كان فى يوم 2 أبريل 2011، أى فى ذروة أحداث ثورة 25 يناير 2011. وهذا يعنى أن الإثيوبيين، ومن وراءهم، قرأوا جيداً هشاشة الوضع الأمنى المصرى وضعف وتبعثر القدرات الوطنية المصرية فى ذلك الوقت، ومن ثم تعجلوا فى وضع حجر الأساس لسد النهضة، إدراكاً منهم أن مصر، وهى فى ذروة أزمتها الداخلية لن تكون مؤهلة لمنع إثيوبيا من الشروع فى بناء السد. والآن تتكرر نفس القراءة ونفس الإدراك، وربما بدرجة أقوى تقول أن انخراط مصر فى الأزمة الليبية وعودة تصاعد الخطر الإرهابى بشكل مقلق فى سيناء، على النحو الذى كتبه المستشرق الإسرائيلى "إيهود يعارى" محلل الشئون العربية بالقناة العبرية الـ12 الباحث فى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، ونقلاً عن مصادر أمنية واسعة الاطلاع فى تل أبيب، تؤكد كلها، وفق قراءتهم أن "مصر فى أضعف حالاتها"، وأنها لن تستطيع أن تتصدى للإرادة الإثيوبية، وأن إثيوبيا تملك كل أوراق القوة التى تمكنها من فعل ما تريد.
أبرز أوراق القوة الإثيوبية هى مياه النيل الأزرق، فالمياه تحت أيديها، وهى تستند على حزمة قوية من التحالفات الإقليمية والدولية تجعلها قادرة على تحدى إرادة القانون الدولى، ورفض الالتزام بقواعده، وأن تتعامل مع مصر بالشكل الذى تتعامل به القوى الدولية الكبرى التى تضرب عرض الحائط بالقانون الدولى وبميثاق الأمم المتحدة لحماية ما تعتبره مصالح وطنية.
لقد نجحت إثيوبيا فى حل معظم خلافاتها مع دول جوارها الإقليمى، كما نجحت فى الدخول فى شراكات أمنية وعسكرية واقتصادية مع معظم هذه الدول بمن فيها السودان. ونظرة سريعة إلى علاقات إثيوبيا الإقليمية سنجد أن السودان هى المستفيد الأول، بعد إثيوبيا بالطبع، من سد النهضة الذى سيخلصها، على الأقل، من كوارث الفيضانات السنوية، وسيؤمن لها موارد مائية على مدار العام لرى المزيد من الأراضى الزراعية، فضلاً عن توفير الطاقة الكهربائية التى تريدها وبأسعار معقولة. أما الصومال فيمكن القول أن تركيا هى من يدير الآن السياسة الصومالية. تركيا تملك أكبر قاعدة عسكرية فى الصومال، وشركة تركية هى التى تدير ميناء مقديشيو وأخرى من تدير مطار مقديشيو . والسفارة التركية فى الصومال هى ثالث أكبر سفارة تركية فى العالم. كما تصالحت إثيوبيا مع إريتريا، وحصل آبى أحمد رئيس وزراء إثيوبيا على جائزة نوبل للسلام على خلفية تلك المصالحة، ووافقت جيبوتى على إنشاء قاعدة عسكرية إثيوبية. وفى 30 يونيو 2015 توصلت إثيوبيا وجيبوتى ودولة جنوب السودان والسودان إلى توافق بشأن تأسيس "سلطة لوجستية" والعمل بمبدأ "المنفذ الحدودى ذا التوقف الواحد" من أجل تسريع انسياب السلع والأشخاص وحل مشكلة غياب أى حدود بحرية لإثيوبيا.
إذا أضفنا إلى ذلك استثمار دول عربية خليجية شقيقة عشرات المليارات من الدولارات فى الزراعة الإثيوبية، وفى تمويل بناء سد النهضة، وعرفنا أن شركة "سالينى" الإيطالية هى من تبنى سد النهضة وأن شركة صينية هى من ستقوم بالأعمال الكهرومائية الخاصة بسد النهضة، ناهيك عن العلاقات الأوثق بين إثيوبيا وكل من إسرائيل والولايات المتحدة سندرك مدى متانة هذه التحالفات التى تحولت إلى أحد أهم مصادر القوة الإثيوبية فى إدارتها للأزمة مع مصر ورفضها الالتزام بما يمليه القانون الدولى من حقوق للدولة الشريكة فى مجرى النهر، ومن هنا بالتحديد تبدأ مسئوليات مصر فى مرحلة ما بعد "الصدمة"، طالما أن النية مؤكدة بعدم التفريط فى أية حقوق .

