Menu

ليبيا: حرب بالوكالة وأغلبية تتململ

د. الحسين الشيخ العلوي

شكل العام 2014 منعطف في الأزمة الليبية التي يكتوي بنارها الشعب الليبي منذ قرابة العقد من الزمن، حيث تحول الصراع المسلح بين السبتمبريين (أنصار النظام الليبي السابق) والفبرايريين (المناوئين لنظام الراحل القذافي)، إلي صراع بين فصائل فبراير نفسها، كان أبرزها:
الصراع المسلح الذي دار بين مليشيات الإسلام السياسي، فيما عرف بمعركة "فجر ليبيا" التي مكنت تحالف مصراته/الإخوان المسلمين من إحكام سيطرتهم علي العاصمة الليبية؛ طرابلس وأجزاء كبيرة من الغرب الليبي.
ظهور الجنرال خليفة حفتر في المشهد العام الليبي الذي استطاع في بحر ثلاثة سنوات، أن يغدو الرقم الصعب في المعادلة الليبية، وأن يطيح بالتشكيلات المسلحة للإسلام السياسي في شرق ليبيا.
16 حرب ومعركة دارت رحاها في ليبيا خلال تسع سنوات؛ أنهكت الأطراف الليبية واستنزفت القوى المتصارعة علي السلطة والنفوذ في ليبيا، وجعلت التحالفات تتغير بشكل دراماتيكي كل أشهر قليلة، ليغدو رفاق الأمس أعداء اليوم، وأعداء الأمس حلفاء اليوم! هذا الأمر جعل الفرقاء الليبيين المتصارعين والمتنازعين على الشرعية يستعينون بالمرتزقة من الخارج ويستقوون به، ومع نهاية العام 2017، تمايز المشهد الليبي ليتمخض عن وجود كتلتين رئيستين تدور حولها التحالفات هما:
مجموعة الشرق التي يقودها ثلاثي مكون من:
خليفة حفتر؛ رجل ليبيا القوي الذي رقي نفسه تباعًا حتى أصبح برتبة مشير، واستطاع بتشكيل مسلح أطلق عليه الجيش الوطني الليبي أن يبسط نفوذه علي قرابة ثلاثة أرباع مساحة ليبيا في شرق وجنوب ووسط ليبيا، ويتخذ من الرجمة في ضواحي مدينة بنغازي(ثاني كبريات المدن الليبية بعد العاصمة) مقرًا له.
عبد الله الثني؛ رئيس الحكومة الليبية المؤقتة في شرق ليبيا التي لا تعترف بها غير دمشق التي تبادلها التمثيل الدبلوماسي.
عقيلة صالح؛ رئيس مجلس النواب الليبي المعترف به دوليًا الذي يتخذ من طبرق مقرًا له في شرق ليبيا.
في هذه المجموعة تدور الأحداث وتتمحور في شخصية القائد العسكري خليفة حفتر، تحظي هذه المجموعة بدعم كل من مصر والإمارات والسعودية وروسيا وفرنسا قبل أن تنسحب هذه الأخيرة منذ ثلاثة أسابيع، وتسيطر هذه المجموعة على الهلال النفطي، حيث حقول النفط والموانئ والمصافي.
مجموعة الغرب التي يقودها:
فايز السراج؛ رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا.
خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، أبرز مخرجات اتفاق الصخيرات أواخر العام 2015، ويعتبر مجلس الدولة معقل الإخوان المسلمين في غرب ليبيا.
تحظى هذه المجوعة باعتراف دولي لافت، وبها شخصيات مؤثرة في المشهد السياسي الليبي؛ مثل نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق (من مصراته)، ووزير داخلية حكومة الوفاق فتحي باشاغا (من مصراته)؛ تتمتع هذه المجموعة بدعم كل من تركيا وقطر وإيطاليا وبريطانيا، وتسيطر هذه المجموعة على المصرف المركزي لليبيا والمؤسسة الوطنية للنفط.
في محاولة من المشير خليفة حفتر فرض سيطرة مطلقة على ليبيا، فقد زحف في الرابع من أبريل 2019 على العاصمة طرابلس، وفرض عليها حصارًا دام 14 شهرًا، إلي أن تدخلت تركيا بقوة قبل شهرين، وأخرجته نهائيًا من معاقله في غرب ليبيا. وقررت تركيا التي تدعم حكومة الوفاق بطرابلس؛ السيطرة علي الهلال النفطي وإخراج قوات حفتر منه، ولكي يمكنها ذلك لا بد لها أولًا؛ من السيطرة على مدينة سرت الحد الفاصل بين شرق وغرب ليبيا، ومنطقة الجفرة في وسط ليبيا، حيث تتواجد معظم قوات المشير خليفة حفتر.
الهزائم المذلة التي لحقت بقوات المشير خليفة حفتر منذ شهرين؛ بسبب التدخل التركي المباشر، جعل المعسكر الذي يدعم ويساند حفتر يحس بخطورة الوضع، وقرروا وضع حد لمغامرة تركيا في ليبيا، ويبدو أنه تم الاتفاق بين القاهرة وأبو ظبي والرياض على ضرورة تدخل الجيش المصري لوقف زحف تركيا شرقًا في ليبيا.
تظهر صور الأقمار الصناعية والتقارير الاستخباراتية خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، أن الطرفان يقومان بتحشيدات عسكرية ضخمة في منطقة سرت والجفرة، مما يدل علي أن معركة وشيكة تختلف عن كل ما سبقها من معارك في ليبيا خلال السنوات التسع الأخيرة، وتدل المؤشرات أنها أساسًا ستكون حربًا بين الجيشين التركي والمصري على الأرض الليبية.
منذ قرر الفرقاء الليبيين الاستقواء بالخارج؛ بدأت خيوط اللعبة تخرج تدريجيًا من يد الليبيين، ومنذ منتصف مايو الماضي، لم يعد الفرقاء الليبيين يملكون من الأمر شيئًا، حيث بات الأمر برمته يقرر في عواصم بعيدة عن ليبيا.
من خلال متابعتي لدقائق ومجريات الأزمة الليبية منذ اندلاعها مطلع العام 2011، أرى وبشكل جلي لا تجدي المكابرة حياله؛ أن واشنطن وموسكو استطاعتا جر أقوى جيشين بالمنطقة، هما الجيش المصري والجيش التركي - الذين يشكلان خطرًا حقيقيًا على الكيان الصهيوني – إلي المواجهة المباشرة علي الأرض الليبية، وذلك بغية تحطيمهما وإدخالهما أتون لعبة خطرة؛ المستفيد الوحيد منها هو الكيان الصهيوني، ولا أحد سواه.
حجم الاستعدادات والتحشيدات الضخمة للعتاد والجنود يدل على أننا أمام معركة من العيار الثقيل، وستكون حروب ليبيا 16، وكأنها نزهة عسكرية أمام المتوقع من الحرب القادمة التي تدق طبولها دون هوادة.
تقول معطيات دراسات المراكز البحثية الرصينة؛ أن مجموع أعداد الليبيين سواء أفراد التشكيلات المسلحة في عموم ليبيا وأمراء الحرب ومتصدري المشهد العام وأبطال الكيبورد المجهولين الذين يغذون الحرب، بين الليبيين لا يتعدى 1,8% من مجموع الشعب الليبي، وهم  يتجاوزون قليلًا مائتي ألف نسمة! بينما البقية الباقية من الليبيين، أي 98% من مجموع السكان يرفض الحرب والاقتتال بين الليبيين، ورافض لكل الواجهات الرسمية المتصدرة للمشهد والمنتهية الصلاحية منذ ديسمبر 2016، هذه الأغلبية التي درجت الأدبيات علي تسميتها بالأغلبية الصامتة. هذه الأغلبية الصامتة التي آثرت الصمت طويلًا وقررت الإنزواء والنأي بالنفس عن كل ما يحدث؛ يبدو أن هذه الأغلبية التي كان يلجمها الخوف من الإفصاح عن رأيها، قررت أخيرًا الخروج عن صمتها والوقوف في وجه كل ما هو موجود.
صوت الغالبية الصامتة بدأ أول الأمر من مدينة سبها، حيث يبعد فزان (جنوب ليبيا) عن قبضة التشكيلات العسكرية في شمال ليبيا ( طرابلس وبنغازي)، حيث لاحظ المراقبين خروج أكثر من صوت ليبي في الجنوب معبرًا عن رأي الغالبية من الليبيين الرافضة لجميع أشكال الاقتتال، والداعية للحل السلمي للأزمة الليبية عبر التفاوض والحوار الذي يفضي إلي تسوية سياسية وتقاسم للسلطة بشكل سلمي دون حرب، ثم بدأت وتيرة النبرة تتصاعد عبر المنابر الإعلامية العربية والأجنبية، من قبل ليبيين من الشمال ( شرق وغرب ليبيا) المقيمين خارج ليبيا كنازحين، وأصبح هذا الاتجاه ملاحظ حتى داخل ليبيا مع تصاعد وتيرة المعارك الأخيرة في غرب ليبيا.
ومؤخرًا، يبدو أن هذه الأصوات قد وجدت طريقها في تكتل سياسي، أعلنوا عنه منذ أسبوعين تحت اسم "تجمع ليبيا الأمل" الذي يقول مؤسسوه أنهم بصدد التحضير والإعداد لحراك سلمي عارم، سيخرج في نهاية العام الحالي، في 97 مدينة وقرية وبلدة ليبية، ويري مؤسسوا هذا التجمع؛  أنه سيطيح بكل متصدري المشهد الراهن، بمن فيهم مجموعتي الشرق والغرب.
لا شك أن طبول الحرب التي تقرع منذ أسابيع، ستغطي على هذا الصوت السلمي الذي سيضيع وسط قعقعة المدافع، لكن مما لا شك فيه أن أي حرب قادمة في ليبيا؛ ستعزز من حظوظ التيار السلمي في ليبيا، وستشجع أهوال الحرب وتبعاتها، معظم المترددين للالتحاق بهذا التيار السلمي غير المصطف.
دروس التاريخ وعبره تفصح بجلاء عن حقيقة مفادها؛ أن الخروج الناجح والآمن من الحروب الأهلية، لا يحدث إلا عندما يتحول غالبية الشعب من الحياد السلبي، بمعني النأي بالنفس وإيثار الصمت، إلي الحياد الايجابي الذي يعني ببساطة الوقوف في وجه جميع متصدري المشهد من مغامرين وعسكر وأمراء الحرب ومتصيدي الفرص وأثرياء الحروب.
من خلال متابعة لصيقة للأزمة الليبية بوقائعها ومجرياتها، أستطيع أن أقول وبثقة أن وراء الأكمة ما ورائها، وأن الشعب الليبي الصابر المحتسب الذي ذاق صنوف الهوان والإذلال واستبيحت أرضه ونهبت خيراته، وأصبحت بلاده مرتع للجريمة المنظمة وملاذ آمن للإرهابيين، ومعبر دولي للهجرة غير الشرعية على يد ثلة عاقة من أبنائه استمرأت الفوضى والفساد لتحقيق مصالحها الشخصية، هذا الشعب الصابر الذي تنكر له الأخ قبل الصديق، قد نفذ صبره، وأرى أنه يتحين الفرصة للانطلاق في موجة ربيع عربي حقيقي بأيادي ليبية ناصعة البياض، تعيد لبلاد المجد والشموخ والعزة والكرامة وهجها الذي أسس له كوكبة فريدة؛ من رجالات التاريخ الذي سجلوا أسمائهم بأحرف من نور في سفر الخلود.
أرى ليبيا الجميلة التي عرفناها تتململ لنفض غبار سنوات تسع عجاف.