Menu

لذكرى الحكيم

كاظم الموسوي

من الشخصيات المناضلة التي يسجلها التاريخ ويفتح صفحاته لها، جورج حبش ( 2 آب/ أغسطس 1926 -26 كانون الثاني/ يناير 2008) كقامة عروبية له مراحله ومواقفه وشهد التاريخ له بأدواره وأدائه، ولهذا الاحتفاء به استعادة واستذكار لكل تلك الصفحات التي تفخر الأمة بها وبأمثاله، وتواصل المسيرة.

دعاني الراحل الباحث المعروف سلامة كيلة لزيارة مركز دراسات عربية جديد في دمشق، حيث كان يعمل فيه، والسلام على الحكيم، وكنت في زيارة قصيرة للشام. رحبت بالفكرة وذهبت على الموعد للقاء الحكيم الذي لم يسعدنِ الحظ قبل ذلك بلقائه..

وفعلًا تم وبعد الترحيب والكلام الافتتاحي لمثل هكذا لقاءات أتذكر أننا ركزنا على فكرتين رئيستين، هما تخلي الأمين العام عن منصبه وفسح المجال لأجيال جديدة من الكوادر المجربة لتسلم زمام القيادة، وهذه ظاهرة جديدة في المشهد الحزبي الفلسطيني والعربي، حيث يصر الأمين العام على البقاء في هذا المنصب حتى يواجه ربه بأي طريقة من الطرق؛ موتًا طبيعيًا أو استشهادًا بعمل ما، بطولي أو مقتل او غير ذلك، وأتذكر قلت مثلًا عراقيًا لا أعرف مقابله في البلدان أو الأمثال العربية؛ "عضة رفش"، وتبرع الراحل كيلة في شرحه، حيث عاش ودرس في العراق، وتبادلنا الضحكات بمشاركة من الحضور عليه، ومحاولة ايجاد مشابهات له. والفكرة الثانية هي إنشاء مركز دراسات استراتيجية لرفد العمل السياسي بالخبرات والتجارب والمعلومات ومؤسسة العمل الحزبي والسياسي. وهاتان الفكرتان نبعتا مما قام به جورج حبش؛ حكيم الثورة الفلسطينية، حيث كانت له المبادرة فيهما عمليًا. وكان ذاك اللقاء آخر لقاء لي بالرفاق، الحكيم وكيلة وباقي العاملين الذين التقيتهم في مبنى المركز. 

بعد سنوات عملت في لندن كرئيس تحرير تنفيذي لمؤسسة إعلامية عربية، وفيها عدد من الشباب العربي المتخرج حديثًا من الجامعات البريطانية، ينشطون في إنجاز العمل اليومي من ساعات مبكرة إلى متأخرة من كل يوم. ومن بينهم شابة من الضفة الفلسطينية (ساعدت على توظيفها عبر صديق عرفته من أيام دراسته وصار الآن دبلوماسيًا كبيرًا، كما يقول الأخوة الفلسطينيون)، استلمت هي مكالمة من عمان وأجهشت بالبكاء الحار، وحتى هدأت عرفنا أنها أُخبرت بوفاة الحكيم من عائلته، التي يبدو أنها قريبة منها.. لم نستطع حينها إلا المشاركة معها في مشهد الحزن والبكاء والفقدان لشخصية فرضت احترامها بسلوكها ومواقفها وقدمت مثالًا يشار له، باختيار أن يكون قدوة ودرس لأيام قادمة.

في ذكرى ميلاده يستعيد المرء تاريخًا مجيدًا وأيامًا كانت لها تواريخ.. حافلة بمآثرها.. وما زالت القضية التي ضحى من أجلها تنتظر المزيد من أمثاله؛ تجربة وخطى..