جاء الحديث عن الضم "ضم إسرائيل" لأراضي تقع في حدود الضفة الغربية المحتلة عام ١٩٦٧م، كبند أساسي في خطة ترامب "صفقة القرن" التي أعدتها وأعلنتها الإدارة الأمريكية، في مقاربة لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، على أساس تحقيق كما تزعم الخطة استقرار أمني وسياسي واقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، تعيش فيه إسرائيل كدولة طبيعية ترتبط بعلاقات مع محيطها العربي. الخطة وفق معديها مبنية على أساس التفكير خارج الصندوق؛ ما يعني تجاوز ودفن كل المبادرات والمفاوضات السياسية السابقة التي استهدفت حل الصراع؛ صفقة تم تصميمها لتحقيق مصالح إسرائيل الأمنية والسياسية على حساب الحقوق الفلسطينية التي أقرتها الشرعية الدولية والقانون الدولي.
دوافع إعداد الخطة بما تضمنته من بنود تحمل في كل منها انحيازًا للموقف الإسرائيلي؛ جاء على خلفية عقائدية تجسيدًا لمقولة توراتية "لا يهمنا ما يقوله الأغيار، ما يهمنا ما يحتاجه اليهود"، ولتنفيذ الخطة بهذه البنود والخلفية العقائدية، جاء تشكيل الفريق الأمريكي لينسجم مع المرجعية التوراتية، حيث أن كل أعضاء هذا الفريق من اليهود.
إعداد الخطة رغم أنه جاء بدوافع وخلفيات عقائدية توراتية كما أسلفنا؛ إلا إنه ولضمان تنفيذها وتمريرها؛ عمل الفريق الأمريكي اليهودي على قراءة معمقة للظروف الأمنية والسياسية للمنطقة التي تتقاذفها الصراعات الإثنية والطائفية وما رافقها من انهيار للدولة الوطنية وحاجة الأطراف المتصارعة الي حلفاء إقليميين ودوليين. استغل هذا الفريق ظروف المنطقة وخلفيات الصراعات الطائفية والاثنية، حيث عمل بتخطيط وعن وعي على صناعة وتعميق حدة الصراعات الطائفية وتغذية العداء بين بعض الدول العربية السنية في الخليج "السعودية والإمارات العربية و البحرين " مع إيران الشيعية، حيث تمكن هذا الفريق بمساعدة دوائر أخرى في الإدارة الأمريكية وبالتعاون والتنسيق مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، من تحويل الصراع في المنطقة من صراع فلسطيني - إسرائيلي كعنوان رئيسي في سياسات المنطقة الي صراع عربي - إيراني، بهدف الربط بين المصالح الإسرائيلية ومصالح بعض الدولة العربية الخليجية لمواجهة وهم الخطر الشيعي الإيراني الذي يهدد أنظمة ومصالح هذه الدول واقتصادياتها واستقرارها.
الإدارة الأمريكية راحت بعيدًا في انحيازها لإسرائيل وترجمت ذلك بخطوات تعتبر في عرف السياسية والمصالح بأنها قرارات خطيرة، قد يكون لها تداعيات خطيرة على مصالح بعض الدول، وقد تتسبب في تدهور خطير للأمن والاستقرار؛ قرارات ضربت بعرض الحائط مصالح الأطراف الأخرى، خاصة الطرف الفلسطيني، حيث قررت الإدارة الاعتراف ب القدس عاصمة إسرائيل الموحدة ونقلت السفارة الأمريكية للقدس واعترفت بالجولان السورية المحتلة كجزء من أراضي إسرائيل.
بعد فترة من التكتيم الإعلامي والتحفظ والسرية امتدت شهورًا مراعاة للانتخابات الإسرائيلية التي أعيدت ثلاث مرات، وكذلك لتهيئة ظروف حلفاء واشنطن في المنطقة للتعامل مع الصفقة والمساعدة في تمريرها، أعلنت الإدارة الأمريكية وفي مؤتمر صحفي مشترك في البيت الأبيض بحضور ترامب ونتنياهو عن خطة صفقة القرن التي تعتمد في جوهرها على الاعتراف الأمريكي بضم إسرائيل لأراضي فلسطينية في الضفة المحتلة عام ١٩٦٧م، حيث استعرض الرئيس ترامب خرائط لتنفيذ الصفقة أعطت إسرائيل الحق في ضم ما يقارب ٣٠٪ من أراضي الضفة الغربية، وهي المناطق المقام عليها المستوطنات الإسرائيلية ومنطقة الأغوار الحدودية مع الأردن، خطة وخرائط مجحفة بالحقوق الفلسطينية ومنحازة بالكامل للموقف الإسرائيلي؛ صفقة لا يمكن للطرف الفلسطيني الرسمي والشعبي أن يقبلها أو يتعامل معها، فلقد حولت أراضي الدولة الفلسطينية العتيده إلى كنتونات ومعازل، وحولت مدنها إلى جزر محاطة بمستوطنات وحواجز تحول دون تواصلها الجغرافي والسكاني، بمعنى أنها في حال تنفيذها تدفن وإلى الأبد فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة بجوار إسرائيل وفق القانون الدولي والاتفاقات التي تم توقيعها بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
الموقف الإسرائيلي من الضم: بين التنفيذ والتأجيل
١ - موقف الحكومة الإسرائيلية:
تلقفت الحكومة الإسرائيلية اليمينية برئاسة نتنياهو التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية الخطة ببنودها وخرائطها وأعلنت عن موافقتها على الخطة وما جاء فيها بالكامل؛ فالخطة تحاكي برنامج اليمين السياسي إن لم يكن أكثر مما كانت تحلم فيه هذه الحكومة وأحزابها. الخطة تتضمن بعد الاعتراف بالقدس عاصمة ونقل السفارة الأمريكية للقدس ضم إسرائيل ٣٠ ٪ من أراضي الضفة الغربية التي من المفترض أن تكون أراضي الدولة الفلسطينية بعد الإعلان عن قيامها. صفقة أعطت إسرائيل الأرض والأمن والسيطرة والتفوق والشرعية وعلاقات مع الدول العربية السنية، وقتل أي فرصة أو إمكانية لإقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م.
- الإعلان عن بنود صفقة القرن بعد تأجيلات متعددة نتيجة مرور إسرائيل بعاصفة سياسية وعدم استقرار سياسي، حيث أعيدت الانتخابات فيها ثلاث مرات؛ ظروف سياسية أجبرت الإدارة الأمريكية وفريق العمل انتظار وترقب ما ستسفر عنه الانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة؛ انتخابات مكررة وصلت في نهايتها إلى تشكيل حكومة تختلف عن سابقتها من حيث الشركاء والسياسات، فلم تعد هذه الحكومة حكومة يمين خالصة، فلقد تمخضت مفاوضات تشكيل الحكومة مغادرة الحزب اليميني برئاسة نفتالي بينت ودخول حزب أزرق أبيض كشريك أساسي في الحكومة؛ شراكة منحت الحزب أن يكون أحد طرفي المتراس في الحكومة الإسرائيلية الجديدة، فلم يعد نتنياهو صاحب البيت، ولم يعد يقبض على رقبة القرار في الحكومة الجديدة، فلقد حصل حزب أزرق أبيض علي حقيبتي الدفاع والخارجية؛ حقائب ذات تأثير عميق في السياسة الخارجية والأمن؛ شراكة أضعفت قدرة نتنياهو في اتخاذ قرارات مصيرية في السياسة والأمن، رغم أن الاتفاق السياسي لتشكيل الحكومة تضمن بندًا ينص ألا يعترض حزب أزرق أبيض على التصويت في الحكومة على قرار الضم إذا طرحه رئيس الحكومة على طاولتها؛ عدم الاعتراض لا يعني بالضرورة أن حزب أزرق أبيض موافق على تنفيذ الضم بنفس التصور والكيفية والآليات والموعد الذي أعلنه نتنياهو في بداية شهر يوليو. الاختلافات والتباينات باتت واضحة ومعروفة التقطتها الإدارة الأمريكية والفريق المسؤول عن صفقة القرن، هذه الاختلافات والتباينات دفعت السفير الأمريكي أحد مهندسي صفقة القرن وأكثر أعضاء الفريق تطرفًا وانحيازًا لإسرائيل السفير الصهيوني اليهودي "فريدمان" التوسط بين نتنياهو وجانتس للاتفاق على صيغة موحدة لكيفية وآليات وتوقيت وحجم الضم؛ مساعي فريدمان فشلت ولم تنجح، مما دفع الإدارة إرسال مبعوثها وأحد أعضاء الفريق اليهودي "بيركوفيتش" للضغط على الطرفين من أجل التوصل لصيغة مشتركه يسهل على الإدارة إعطاء الضوء الأخضر للشروع في عملية الضم.
٢ - دوافع وأسباب تحفظات حزب أزرق أبيض:
تحفظات أخذت الأبعاد التالية:
الأول: موجه للجمهور الإسرائيلي، حيث تطرق زعيمي أزرق أبيض وزير الدفاع جانتس ووزير الخارجية اشكنازي في تصريحات صحفية أنهم مع الضم ومع صفقة القرن؛ الخطاب بهذا المضمون موجه للشارع الإسرائيلي، حيث لا يريد قادة حزب أزرق أبيض أن يظهروا أمام الرأي العام الإسرائيلي أنهم ضد الضم، على اعتبار أن استمرار بقاء الحكومة ليس مضمونًا، وأن الذهاب لانتخابات جديدة وارد وخيار قائم.
الثاني: تحفظات حزب أزرق أبيض جاءت لإضعاف زعامة نتنياهو وتبهيت صورته أمام الرأي العام وأمام جمهور اليمين خزان الأصوات الانتخابية لنتنياهو؛ التحفظات لن تمكّن نتنياهو من تنفيذ وعوده التي أطلقها في حملته الانتخابية لجمهور اليمين وشعاراته الأيديولوجية. تحفظات أزرق أبيض تم صياغتها بطريقة بحيث لا تتسبب في توتير الساحة السياسية الإسرائيلية، وإلا تعطي الإدارة الأمريكية وفريقها مبرر للخصومة والتنافر.
الثالث: حزب أزرق أبيض في الحقيقة رغم تحفظاته التي أخذت الطابع الشكلي والمناكفات الحزبية كما أسلفنا، لكنه في الحقيقة ليس معارضًا للضم من الناحية الجوهرية، بل اعتبرها خطة واقعية تؤسس لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، فلقد وجه "بيني جانتس" رئيس الحزب وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية انتقادًا حادًا للموقف الفلسطيني الرافض للخطة، وقال لن ننتظرهم كثيرًا, إذا استمر الفلسطينيين في رفض الصفقة وعدم العودة للمفاوضات على أساس خطة ترامب؛ سننفذ الخطة بما يضمن مصالح إسرائيل. تأييد الضم مع التحفظات على الأسلوب والطريقة والآليات غلف موقف الحزب وزعيمه جانتس، حيث أعلن في اجتماعات داخلية مع جهات أمنية أنه مع الضم، لكنه لن يؤيد فرض السيادة في المناطق التي يكون فيها عدد كبير من الفلسطينيين لتجنب الاحتكاك معهم، وحتى لا يُعرض اتفاق السلام مع الأردن للخطر. ويرى أن أى عملية ضم يجب أن تكون ضمن عملية سياسية واسعة، تتم بموجب خطة الإدارة الأميركية للتسوية في المنطقة، وألا تكون من جانب واحد، وإلا تكون منفصلة عن السياق السياسي، ويفضل أن يكون الضم على مراحل.
ومن جهته انضم وزير الخارجية جابي اشكنازي أيضًا عن حزب أزرق أبيض في الحكومة لجانتس، حيث أعلن أنه ليس معارضًا للصفقة والضم، لكنه يصر على أن يتم تنفيذ الضم مع مراعاة ضمان الاستقرار الأمني والسياسي في المنطقة، وألا يؤثر على العلاقات بين إسرائيل والدول العربية "الأردن ومصر"، وألا يؤثر كذلك على إمكانية فتح علاقات جديدة مع دول عربية خليجية.
٣ - المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وقرار الضم:
رغم أن المؤسسة الأمنية بكل مركباتها؛ الجيش والموساد والاستخبارات العسكرية والشاباك، أجهزة تنفيذية تخضع لقرارات الحكومة؛ إلا أن لديها هامش يمكنها من التأثير علي صناعة القرارات السياسية وتنفيذها من خلال طرح رؤيتها ومعطياتها ومعلوماتها أمام المستوى السياسي، وقد جرت العادة والأعراف أن يأخذ المستوى السياسي بملاحظات وتحفظات ومواقف المؤسسة الأمنية، خشية أي تداعيات سلبية لأي قرار يتعارض مع مواقف هذه المؤسسة. المؤسسة الأمنية ليست منسجمة في تقديراتها فلقد حدث في الماضي أن اختلفت تقديرات أجهزة المؤسسة الأمنية تجاه قضايا مصيرية ما وضع هذه الأجهزة والمؤسسة في مواقف سببت لها الإحراج وتعرضت لانتقادات من السياسيين والإعلاميين والمثقفين.
في قضية تنفيذ الضم، المؤسسة ليس لها قراءة موحدة واتضح أن هناك اختلافات في التقييم والمعلومات والتداعيات، وذلك علي النحو التالي:
١- الموساد برئاسة يوسي كوهين يتقاطع كثيرًا مع نتنياهو وأبدي عدم معارضته تنفيذ الضم، بعد أن قدم تقديرات ومعلومات عن الساحة التي يعمل فيها الساحات الخارجية، وتحديدًا "ساحة الدول العربية والإقليمية"، فلقد قدم رؤية تقوم على أن تنفيذ الضم لن يؤدي إلى تغييرات حادة في مواقف الدول العربية من إسرائيل، وأن الضم لن يغير من تهافت الدول العربية خاصة الخليجية من نسج علاقات مع إسرائيل، ويعتمد الموساد في تقديراته على معلومات من خلال شبكة علاقاته مع صنَّاع القرار في هذه الدول، ومعرفته لحاجه هذه الدول لإسرائيل في مواجهة الخطر الإيراني والجماعات الإسلامية المتطرفة، وأيضًا حاجة هذه الدول إلى المنتج التكنولوجي الإسرائيلي المتقدم.
رؤية الموساد تلامس إلى حد بعيد الواقع، ففي خضم الاشتباك السياسي الفلسطيني مع إسرائيل والإدارة الأمريكية وحاجتها إلى ظهير عربي يساندها في هذه المواجهة، جاءت المقالة الوقحة للسفير الإماراتي في أمريكا "يوسف العتيبة" التي تضمنت استجداء لإسرائيل أن تؤجل الضم؛ لأن الظروف الإقليمية غير مناسبة وطرح مقاربة خطيرة تقول "تأجيل الضم مقابل التطبيع"، وتلا هذه الرسالة الإعلان عن توقيع اتفاق وعقود لأعمال مشتركة بين شركات إماراتيه وشركات حكومية عسكرية وأمنية إسرائيلية متخصصة في صناعة التكنولوجيا.
٢ - علي الجانب الآخر اختلف جهاز الشاباك مع رؤية الموساد، ووفقًا لمجال عمله الأمني على الساحة الفلسطينية؛ قدم رؤية تقوم على أساس أن تنفيذ الضم الكامل الذي يتضمن ضم ٣٠٪ من مساحة الضفة الغربية من المحتمل ووفق المؤشرات والمعلومات التي بين يديه أن يؤدي هذا القرار إلى زعزعة حالة الاستقرار الأمني التي استمرت لسنوات في الضفة الغربية، فإعلان السلطة التحلل من الاتفاقيات مع إسرائيل التي تضمنت وقف التنسيق الأمني الذي ساهم كثيرًا في حالة الاستقرار الأمني من شأنها أن تحدث ثغره في جدار حالة الاستقرار ومن الممكن أن تمر الضفة الغربية بموجة احتجاجات شعبية، قد تتطور إلى عنف مسلح يدفع الجيش الدخول إلى شوارع المدن والقرى والمخيمات في الضفة الغربية، سيناريو مرعب لا ترغب للمؤسسة الأمنية أن تتورط فيه. وكذلك قدم الشاباك تقديرات للمستوى السياسي خشيته أن ضعف السلطة ومؤسساتها، تحديدًا الأجهزة الأمنية قد تستغلها التنظيمات الفلسطينية بما فيها حركة فتح أو ما يطلق عليه مصطلح التنظيم وحماس والجهاد والشعبية وغيرها"، تستغلها لتنتشر في شوارع مدن ومخيمات وقرى الضفة الغربية واستنساخ تجربة غزه في مواجهة الجيش الإسرائيلي.
٣ - الجيش الإسرائيلي:
الجيش الإسرائيلي ومن خلال تقديراته ووفق ما لديه من معلومات قدمتها شعبة الاستخبارات العسكرية يخشى أن تتدهور الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، وكذلك قدرت الاستخبارات العسكرية انضمام جبهة غزه للتصعيد العسكري على الحدود مع غزة؛ الجيش لا يرى أن الضم ممكن أن يمر بدون ردود أفعال فلسطينية، وقدم رؤيته للحكومة؛ بأن من شأن إعلان الضم التسبب فى انهيار منظومة السلطة الفلسطينية وانتهاء سيطرتها على الضفة الغربية، يرافق هذا الانهيار سيطرة وانتشار لمجموعات مسلحة تدخل في مواجهة مع الجيش، قد تنتهي باحتلال الجيش للضفة الغربية من جديد؛ ما يعني أن يتم استنزاف الجيش في مواجهات مع مجموعات مسلحة تهدد حالة الاستقرار الأمني.
التأجيل.. تكتيك أم استراتيجية؟
واضح أن التباينات في أروقة الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة العسكرية، ليس على جوهر الضم والسيطرة، بل في التكتيك والتوقيت والآليات والطريقة، وذلك نتيجة لعوامل ذاتيه وموضوعية فرضت نفسها علي صناع القرار. فبعد انقضاء الموعد الذي حدده نتنياهو كتاريخ لبدء تنفيذ خطة الضم ولم يحدث شيء، بل وتراجع عنوان الضم عن اهتمامات وتصريحات السياسيين وعن اهتمامات وسائل الإعلام الإسرائيلية، فما الذي حدث؟ وكيف اختفى الضم عن جدول أعمالهم بعد كل ذلك الحماس؟ واعتبار الضم بمثابة قضية مصيرية وفرصة تاريخية لا تتكرر، لا سيما في ظل وجود ترامب وتعاظم النفوذ الصهيوني، وفي ظل حالة الضعف الفلسطيني والانهيارات لدى الظهير العربي؟
أسباب موضوعية وذاتية كثيرة وقفت على الأقل خلف تراجع إقرار خطة الضم أو تأجيلها، وقد تداخلت هذه الأسباب مع بعضها البعض وأكملت بعضها البعض لتفضي إلى ما يمكن أن نسميه تراجع مؤقت. من الأسباب الذاتية التي لها علاقة بخطأ تقديرات نتنياهو لحجم رد الفعل الفلسطيني والعربي والدولي وللموقف الأمريكي، وأسباب ظرفية لها علاقة بقرب موعد الانتخابات الأمريكية، فعندما يخطئ نتنياهو في قراءة الواقع السياسي والتداعيات والمخاطر، فالنتيجة تراجعًا إسرائيلياً، ولا نستطيع تسميته هزيمة، فلا زالت كل الاحتمالات قائمة.
ما حدث مع نتنياهو في خطأ تقديره لخطة الضم، يشبه إلى حد كبير ما حدث في قضية البوابات الالكترونية في يوليو 2017، حيث تفاجأ برد فعل الشارع الفلسطيني والموقف الأردني، فأذعن وتراجع وقام بتفكيكها عكس وعده لجمهوره.
خطة الضم التي كان ينوي نتنياهو تطبيقها تعبير عن استهتار واستخفاف شديدين بالعالم كله، وغرور كبير بقدرته في حصوله على ضوء أخضر أمريكي لتنفيذ الضم، دون ربط ذلك بأية خطة سياسية، بل وذهب إلى أكثر من ذلك، عندما وعد قادة المستوطنين بأنه سينفذ بند الضم من صفقة القرن، ولن ينفذ بند إقامة دولة فلسطينية، وغروره وأجندته الصهيودينية أعمته عن قراءة صحيحة حتى لشركائه في الإقليم والعالم.
عوامل موضوعية كان لها تأثير عميق في "تأجيل" الضم؛ وأهمها التخوف من تدهور العلاقات مع الأردن الذي أعلن أنه ضد الضم بغض النظر عن الكمية والكيفية؛ التخوف أن يلجأ الأردن إلى تخفيض العلاقات الدبلوماسية أو سحب السفير وقطع العلاقات الأمنية وعدم السماح للطائرات الإسرائيلية التحليق في المجال الجوي الأردني؛ العلاقات الإسرائيلية الأردنية ليس لها بديل ولا يمكن لأي دولة أن تحل مكانها.
الموقف الأوربي الذي أعلن رفضه الكامل لتنفيذ الضم واعتباره مخالفًا للقانون الدولي؛ مهددًا باتخاذ قرارات ترقى إلى مستوى فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل والتلويح بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود ١٩٦٧م.
في المحصلة ومن المعطيات والظروف التي أحاطت بتنفيذ قرار الضم؛ فمن المحتمل أنه أزيح عن المشهد حتى تتغير الظروف أو إدخال بعض التعديلات، كي نصل إلى اللحظة التي نرى تأكيد الضم القائم فعليًا على الأرض بإعلان إسرائيلي رسمي!

