Menu

غسان ذاكرة المقاومة الحيّة.. نبض الشباب الذي لا يعرف الهزيمة

لمى عبد الحميد

خاص بوابة الهدف

المنفى على ارتباط وثيق بذاكرة الأرض تلك الذاكرة التي صاغها اللاجئ الفلسطيني براوية الحق والتاريخ وتعاريف الوجود والأصل وصبغها بأهازيج الأغنيات ولبس مفهوم تراثها كاعتراف كامل بالهوية, الهوية التي عرفها من أحاديث الأجداد وبطولات المقاومين والشهداء وكاتبوا القضية وأدبائها وساستها لتشكل بمجموعها منظومة كاملة كوّنت فكرة عن الوطن "فلسطين"، ولكن ماذا لو استطاعت الذاكرة أن تأخذ منحاً واحداً في الصفة والتسمية لتلتصق بإنسان جمع كلّ فلسطين بعبقرية تخلّت عن التعريف طالما كانت رديف أحقّ القضايا ففي نهاية الأمر الإنسان قضية هكذا تعلّمنا من غسان وهكذا تعرّفنا على فلسطين..      
فنحن أبناء الشتات تمكّنا عبر غسان أن نرسم كلّ فلسطين من النهر إلى البحر لندخل حدود الجغرافيا بعمق معرفي يختار أن يكون فكرة نبيلة تستحق أن تدفع كل غالٍ وثمين في سبيلها لتسقط في غماره أي تعاريف وأهداف أخرى، طالما أنها لا تقارب الغاية الأسمى لوجود الإنسان "العيش حرّاً كريماً" ، والذي عدّه غسان عصي على التحقق إذا كان الإنسان يعيش بعيداً عن أرضه، هذا الارتباط الوثيق الذي استطاع غسان إيصاله في كل ما كتب جعلنا نشعر بنقص كل الأشياء حولنا مهما احتالت على نفسها بتعداد الكمال وجعلنا نردد كل ما يحيط بنا منفى وتبقى فلسطين الحقيقة الواحدة مما دفعنا لنتخذ منه الذاكرة ليكون هو الوطن والوطن هو، ذاكرة لا تشفى من حبّ الأرض إلا بالموت في سبيلها.

لقد دخل غسان في تفاصيل تكوين الهوية الفلسطينية، لا بل صار مقياساً لدرجة الانتماء والهوية لدى كل الأجيال الفلسطينية وبات الحديث عن  فلسطين والوطنية لا ينفصل عن ذكر غسان كنفاني ، حتى أصبح مثالاً حياً لدى الشباب الفلسطيني يحتذى بأقواله وأفعاله, ومع مرور الوقت ومنذ حادثة اغتياله نجحت أشلاءه المتناثرة بصنع الآلاف، لا بل الملايين ممن ساروا على طريق  غسان كنفاني عبر هذا الوطن العربي الممتد وصار يتطلب منك كفلسطيني لتكون بكامل انتمائك للأرض أن تنتمي لغسان كنفاني, هذا كان أولّ ما تعلمناه على مقاعد الدراسة حين بدأت معالم الهوية تتطلب منّا سؤال الأرض من نحن؟! وماذا يعني أن تكون فلسطينياً؟! يومها كانت الإجابة صادمة تحدّث بها لسان شاعرنا محمود درويش في رثاء لم نكن نعي ما يعنيه وقتها: "أن تكون فلسطينياً يعني أن تعتاد الموت أن تتعامل مع الموت, أن تقدم طلب انتساب إلى دم غسان كنفاني"، كنّا بوقتها أصغر من الفكرة، ولكننا بدأنا ندرك ما هي الأرض وماذا تعني فلسطين ودفعنا هذا إلى التبحّر بكلّ ما قدمه غسان على مختلف الأصعدة، سواء كان على مستوى الأدب أو الفن التشكيلي أو الصحافة أو السياسة، لكنّ أن تلتقي بمجموعها لتكوّن جسد الشهيد هذا ما تميّز به غسان وجعله بنياناً قائماً بذاته متسمّر بالذاكرة يصعب هدمه أو تكراره فوحده من كان ملجأ لا يشعرك بأنك لاجئ لأن هناك قضية سامية تحارب لأجلها.. بعدها صار غسان يدخل في دائرة الوعي الفلسطيني الشاب، صار هاجس المنفى بالعودة, صار صورة حيّة تنبض بحبّ الأرض والقضية، لكن أهم من هذا كله أنه أستطاع أن يخلق رؤية مستقبلية تستقرأ مجريات الأحداث بتحليل فذ وعميق, فكل من قرأ غسان بمقدوره أنّ يخمّن سير الحدث ونتائجه بل وحتى أنّه نبّه إلى الحال الذي سيؤول له جيل الشباب العربي عامةً وأخصّ (الفلسطيني بعد كلّ ما جرى) إذا استمر سير العمل العربي – الفلسطيني بذات النسق, ففي إحدى دراساته "أفكار عن التغيير واللغة عمياء"، تطرّق إلى نقاط هامة يعاني منها الشباب الفلسطيني اليوم وخلقت فجوة بين ضرورة معرفته والتصاقه بقضيته وبين تهميش إمكانيته والاستفادة منها، سواء بالعملية السياسية أو على الأرض: "إن ضعف القدرة على استيعاب العناصر الشابة تجعل من المسلم به قبول مبدأ أن يضل صاحب السلطة في منصبه مدة طويلة يشكل خلالها سداً في وجه العناصر التي تتجاوب أكثر مع تطور العصر, فإننا إنما نشير إلى جميع الأجهزة والمؤسسات والتنظيمات والأحزاب والإدارات والهيئات بصيغها السياسية والاقتصادية والثقافية". يضاف إليها في الوقت الحالي ما يقاسيه الفلسطيني في ظلّ الظروف الراهنة بالمنطقة، والتي ساهمت بمجموعها الآن على ولادة الصراع القائم بين الهوية ومتطلبات الوجود لتصير الهجرة والاغتراب، ليس بحثاً عن المال والقيمة فقط، كما تحدّث عنه غسان وإنما بحثاً عن أمان الهوية، وهذا ما يتخبط به أبناء الشتات ويسهل ترجمته في ديناميكية الأنظمة العربية المحيطة من واقع تأثير الأزمات عليها, ويَصعب فهمه على أصحاب الحق ومناصروا القضية، ليعيش الفلسطيني في دائرة ضياع جديدة تحمل طابعاً غربياً بعد أن كانت تتنفس حساً عروبياً يعِدُها بطوق النجاة ولنقل أنّه حُرِم رحمة الجغرافيا العربية في الإحساس باقترابه من قضيته, ناهيك عن فتح باب عريض من الاحتمال حول نتاج التعايش الفلسطيني في هجرته الجديدة, لتكون المحصلة في النهاية العودة إلى أساس المشكلات والأزمات العربية الآن وهي "القضية الفلسطينية"، فمخطئ من يعتقد أنّ الخلاص العربي يمكن أن يكون فردي وأن العدو ليس واحد رغم محاولة البعض حرف البوصلة عنه، إلا أنّه من يعرف التاريخ جيداً يعي أن عدو العربي واحد غير أنّه استطاع اليوم أن يلبس دور الأخطبوط بجدارة لتمتد أذرعه المناصرة عربياً وغربياً، وهذا ما أكّده غسان قبل تعداد الوقت على مرمى الرؤية: "إن المنطقة برمتها تقف على أبواب منعطف تاريخي حاسم, وليس الانتصار في هذا التحدي إلا انتصار الجميع, وليس في الهزيمة إلا اندحار الجميع".

من جهة ثانية، تمكّن غسان كنفاني من أن يخلق للداخل الفلسطيني ثقافة مقاومة كاملة تتفرع منها مدارس عدة، كلُّ حسب مفهوم رؤيته، لكن تبقى في مجموعها مقاومة تتحدث عن الكفاح المسلّح كجزء لا يتجزأ من أدوات إحقاق الحق وعودة الأرض, فكان باسل الأعرج مثقفاً, مقاوماً, شهيداً يردد عن ظهر غيب كلمات كنفاني كنشيدٍ وطني مؤلّفاً مدرسة (المثقف المشتبك). باسل الذي تعمّق في معنى الحياة ينهل من ثقافاتها المتعددة سعياً منه للوصول إلى إجابته, فكانت الشهادة خيار وجود وحياة تكف بها الأسئلة عن النحيب وترك للأحياء موت البحث عن الأسباب والفاجعة, وهذا تماماً ما جعله ينقل دوره كمثقف فاعل وداعي لفكر المقاومة إلى الفعل المقاوم المادي والمباشر في إشارة منه إلى أنّه حتى المثقف باستطاعته أن يكون جبهة مفتوحة ملتحمة مع العدو، ففي محراب المقاومة تسقط كل التسميات لتصير رصاصة أو بندقية, مدفعاً رشاشاً أو حتى حجراً، لا فرق طالما أنها سوف تفتك بأعداء الأرض لأن القضية في مصافي الحساب لا تنفصل عن السلاح. ذاك الإيمان الذي رسّخه كنفاني وطوّره الأعرج  "ليس المهم أن يموت أحدنا المهم أن تستمروا_ عش نيصاً وقاتل كالبرغوث"، لقد كانت دعوة الدماء الجديدة الشابة التي ينادي بها غسان جسداً مستقلاً لا تصل إلى الرأس والذراعين الفلسطينيين، بل أضحت رأساً يضع نهج مقاومة وذراعين تتمرّسان في فعل الشهادة, وما كان هذا كلّه لولا أرث معرفة الهوية – القضية – الأرض الذي ترّكه كنفاني لتتربى عليه الأجيال، ويصير كنفاني الشاب الذي لا يكبر من لحظة اغتياله، لأنه يتكرر بملايين بعده، ممن لبسوا روحه وفكره وقلمه وثورته..

في النهاية وبعد كل مرة نحاول بها أن نقرأ ونحلل غسان ندرك حقيقة واحدة وهي فشل الكلمة في بلوغها غاية المعنى, عجزنا عن الحديث عن غسان بعيداً عن فلسطين, إيماننا بأن المقاومة  (السبيل الوحيد والأكيد للحرية) ديانة كاملة وغسان رسولها الأكثر بذلاً وعطاء الذي هزم فكرة الموت ليستقرّ في عقل كل من عرفه وأطّلع على عالمه, لقد كان في عينيه شيء يشبه المستحيل بنظرته الثاقبة, وفي حروفه كلها تراتيل الأرض لم نكن لنعرفها بوضوح، لولا نقشه الخلّاق على أرواحنا قبل الورق, هو نبض الفينيق المنبعث من رماد كل النكبات والنكسات والهزائم, صدى الفكرة العابرة لكلّ الأزمنة والمستقرة في وريد المقاومة على مطلب واحد " فلسطين ", هو جمع لعدة أجزاء كوّنت في كلها شخصه الإنسان، بيد أنه بعين الحقيقة المبدعة كان أنا وأنت وهو وهم.. لن يستطيعوا أن ينالوا من عزيمة الفكرة وإن اغتالوا الجسد، فغسان من علّمنا من حبّ القضية, ليكون ختام الكلمات العبثي على لسانه وحده يؤسس دافع الانتصار الوحيد الذي ينشأ وطناً كاملاً يحظى بحريته الكاملة كما تنبغي أن تكون, ينشأ فلسطين بواقعٍ فلسطينيٍ خالص: "أنا الذي أعرف أن الكلمة عندنا وسيلة, وأنها إن لم تستطع أن تتحول إلى حجر في يد الأعزل, إلى جواد تحت رجل طريد, إلى رمح في يد فارس, إلى ضوء في عيني أعمى, فلتسقط إلى النسيان والغبار والصدأ".