Menu
حضارة

حقائق أبشع من التعنيف

ولاء السطري.. وحيدة رغم التضامن

بيسان الشرافي

خاص بوابة الهدف

آخرُ تساؤلٍ يُمكن طرحُه بعد سماعِ شهادةِ فتاة أو امرأة تعرّضت لعنفٍ أسريّ هو "لماذا ضُرِبت؟.. ما الذي فعَلتْه؟"، فهذا ليس أقلّ من فِعل الضرب نفسِه. ووقعُه على من تعرّضت للعنفِ أقسى وأشدّ، لأنّ معناه أنّك تنتظر السبب لتحكمَ بأنّها مُذنبة أو لا، ومعناه أنّه إذا اعتقدتَّ أنّ السبب "مِستاهل" فأنتَ موافقٌ على التعنيف، أيًا كان شكله.

ولاء السطري الشابة الشجاعة التي قرّرت مواجهةَ منظومة كاملةٍ تشدّ الخِناق على رقبتها، ورِقاب غالبيّة الفتيات والنساء في قطاع غزة، ابتداءً من العُرفِ والعادات البالية مرورًا بالسلطة العائلية الذكورية، وصولًا إلى غياب قوانينَ توفر حماية حقيقيّة للنساء في هذه البقعة من العالم، ولا يتوقّف الأمر عندَ هذا الحدّ من التشابك والتكامل والتعقيد في مكوّنات تلك المنظومة التي تجتهد لإبقاء المرأة "تحت السيطرة"، فلا تخرج من عباءة "الرجل"- أيّا كانت صلتُه أو مكانتُه- فهنالك ثقافةٌ مجتمعيّة ومفاهيم وصورة نمطيّة لا تنسلخ من عقلية السواد الأعظم، عن المرأة- منذ ولادتها بالمناسبة- على شاكلة ما يتقيّأه البعض عبر منصات التواصل الاجتماعي "المرأة مكانها المطبخ"، "ليس من حق الفتاة الخروج من المنزل أصلًا"، "ضدّ عمل المرأة"، "تِستاهَل الضرب".. وما شابه.

مساءُ الأحد، تكدّرت نفوسُنا مع قراءتنا سطورًا نشرتها ولاء عبر صفحتها على فيسبوك، من تعرّضها لضربٍ شديد، تركّز على رأسها، ومحاولة خنقِها، من قبل أخيها، مع تعنيفٍ لفظيّ وتهديد بالقتل. وبعد تمكّنها من الفكاك منه توجّهت للمشفى واستصدرت تقريرًا يُثبت تعرّضها للضرب، ومن ثمّ للشرطة، ورفعت شكوى ضدّه.

تابعنا انتشار قصّة ولاء، ومقاطع فيديو قصيرة متتالية نشرتها تُظهر تورّمًا ودماءً تسيل من عينها، كما لم يخفَ شحوبُ وجهها، وكذلك ما بدا عليها من خوفٍ وتوترٍ كبيريْن، ورغم تعاطفٍ كبير أبداه كثيرون، إلّا أنّ ولاء لا تزال خائفة وتوُاجه كل الضغوط وحدَها، ولا تعلم ما الذي سيحدث خلال الأيام المقبلة.

منذ اللحظات الأولى لنشر ما جرى معها، تدخّلت جهاتٌ عديدة، لإجبار ولاء على حذف المنشورات والصور والفيديوهات التي تُوثّق ما تعرّضت له، قالوا لها "الفيسبوك لا يحلّ مشاكل"، و"فضحتينا"، و"احذفي بس وبنحلّ الموضوع". من تكون تلك الجهات؟ خذوها من رأسِ الهرمِ حتى قاعدته، أعضاءٌ في المجلس التشريعي في قطاع غزة، مخاتير ورجال "إصلاح"، أفراد من العائلة، بالإضافة إلى ضغوطِ مئات وربّما آلاف الأشخاص الذين خوّلوا أنفسهم قُضاةً وحاكموا ولاء، ثمّ جلدوها بالإهانات والسّبابِ، لمجرّد نشرها مشكلتَها، بل وتحميلها مسؤولية ما تعرّضت له!

وبالعودة إلى رأس الهرم؛ خلعت السلطة التشريعية عباءةَ مسؤوليّتها، وذهبت تشربَ فنجان قهوةٍ مع عائلة ولاء "شغل مخاتير". التشريعي الذي لم يُشرّع حتى الآن ما يُمكّن من حماية النساء في مجتمعنا الذي ينخره العنفُ بكلّ أشكاله، ضدّ الإناث من جميع الأعمار، يُريد الآن حلّ "مشكلة ولاء".

لا تستطيع ولاء العودة لمنزلها بطبيعة الحال، وترفض ذلك إلى حين ضمان حمايتها، وتمكث حاليًا في منزل ابن عمّها، في ظلّ ضغوطٍ متواصلة على هذا الأخير لطردها من بيته!. وتحت وطأة الضغط الكبير الذي يُمارس عليها اضطّرت ولاء لإخفاء- وليس حذف- كل ما نشرته، في انتظارٍ لما يُمكن أن يحدث لها لاحقًا!

تقول ولاء "ما حذفت، وبستنى شو بصير، ولو صار إلي شيء رح أرجع أصعّد الموضوع"، وتُتابع "الضغوط عليَّ كبيرة جدًا.. من كتير جهات، ومنهم أعمامي وعائلتي والمخاتير، وغيرهم".

مؤسسات حقوقية عديدة تتواصل مع ولاء، لكنّ فعلُها اقتصر- حتى اللحظة- على تسجيل إفادتها، ولم توفر لها أيَّ حماية.

تُضيف ولاء "يقولون لي تعالي أنتِ ونحن سنوفر لكِ الأمان، طيب وبعدين؟ كيف سيُعالجون المشكلة؟ أعرفُ سيّداتٍ مكثنَ شهورًا في تلك الملاجئ وحينما خرجنَ منها قُتِلنَ، أو تكرر التعنيفُ بحقهنّ- لم تُقدّم لي أيّة جهة حلول واضحة".

هاتفتُ ولاء عدّة مرّات، في آخر اتصالٍ معها كانت سجّلت مقطعَ فيديو جديد وبصدد نشره على صفحتها عبر فيسبوك، يُلخّص كلّ ما جرى معها من بعد نشرها السابق- الأحد- لقصّتها. قالت تلك الشُّجاعة "تحدّثتُ عن كل شيء، عن غياب القانون الذي يحمينا، عن إفلات كل قضايا تعنيف النساء من القضاء والمحاسبة الحقيقية، عن الضغوط الرهيبة.. كل شيء".

القضيّة ليست ولاء فقط، بل قصّة كل الفتيات والنساء المدفونات في حياةٍ طافحةٍ ضربًا وإهانةً وحِرمانًا وإذلالَا، قصةُ من لا تستطيع نَشر قصتها، من تعجز عن إعلاءِ صوتها ضدّ هذه المنظومة الهائلة من الألم والقهر، والتهديد، وانعدام الأمان، بل وانعدام الثقة بإمكانية إنصافهنّ، وهذا ما يدعو للقهرِ أكثرّ.

على أملِ أن تسلمَ ولاء، تمامًا.