Menu

أزمة الدّولة في جمهورية مالي: الأبعاد والتداعيات

سليمان عمر منغانـي

نُشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة الهدف الرقمية

مالي دولة إفريقية، ومستعمرة فرنسية سابقة، وريثة الممالك والإمبراطوريات التاريخيّة بمنطقة غرب إفريقيا، على غرار أمبراطوريات غانة (Ghana) ( ق 3م-13م) ومالي (1230م-1545م) وسُنغي (Songhaï) (1446م-1591م). ومن أشهر مدنها التاريخيّة تُمبكت المعروفة بمعاهدها ومخطوطاتها التاريخيّة (1) ، وكذلك مدينة سيغو (Ségou) عاصمة الأسرار والحكم، وموطن الثقافة الإفريقية الماليّة الأصيلة.

تمتد مالي على مساحة 1,240192 كيلومتر مربع (2)، لتحتل بذلك المرتبة 24 عالميًا من حيث المساحة أمام جمهورية جنوب إفريقيا (1.219 مليون كم²) وخلف أنغولا (1.246 مليون كم²). تقع  جمهورية مالي  ضمن ما يعرف بمنطقة الساحل الإفريقي التي تمتدّ على أكثر من ثلاثة آلاف كلم2 محاطة بسبعة بلدان تتقاسم معهم حدودًا بطول 7243 كيلومترًا؛ وتتوزع على النحو التالي: موريتانيا 2237 كم غربًا، الجزائر 1376 كم شمالًا، بوركينا فاسو 1000 كم شرقًا، غينيا 858 كم جنوبًا، النيجر821 كم الشمال الشرقي، كوت ديفوار535 كم جنوبًا والسنغال 419 كم، مما يعطيها أهمية إستراتيجية خاصة (3).

شكَّـل اندِلاع القتال في شمال مالي، بين المتمرِّدين الطوارق وقوات الجيش النّظامي، تطوُّرًا طبيعيًا في مسار الحشْـد والتَّـعبئة، الذي عرفته المنطقة منذ سقوط نظام العقيد الليبي معمر القذافي ومقتله في العشرين من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2011م، وعودة مئات المسلّحين الطوارق بأسلحتهم إلى ما يعرف بإقليم "أزواد" (AZAWAD) في شمال مالي، وتحالفهم مع الحركات التكفيريّة الوظيفيّة، مكّنتهم من السيطرة على جزء كبير من المناطق الشماليّة من البلاد، أصبحت على إثرها مرتعًا للفوضى الأمنيّة وميدانًا فسيحًا لأنشطة الحركات التكفيريّة، ودعوتها إلى إقامة الخلافة الإسلاميّة وتطبيق الشريعة. كان من أبرز تجلّيات هذا الوجود للتنظيمات التكفيريّة تدميرها للأضرحة بمدينة تنبكت التاريخيّة، لمعالمها التاريخيّة، وفرضها عنوة ما يسمى بـ" الشرطة الإسلاميّة"، تمامًا مثل ما حدث في العراق وسوريا، ممّا يوحي بوجود علاقة وطيدة بين الحركات التكفيريّة، من حيث الوكالة والوظيفة وطابعها المعولم.

ولئن شهدت مالي منذ استقلالها سنة 1960م سلسلة من حركات التمرّد لفصيلة من الطوارق شمال البلاد، في كونها كانت ترفض دائمًا الانضمام إلى الدّولة الوطنيّة، فإنّ عودة القتال هذه المرّة، في 2012م اختلفت عن سابقتها، حيث يبدو أنّ عاملًا مهمًّا أضيف تمثّل في دور التنظيمات التفكيريّة، الذي أثار مخاوف الأوساط الإقليميّة والدّوليّة، وأثار تساؤلات عديدة عن طبيعة العلاقة بين حركة التمرّد، وهذه التنظيمات، والأهداف التي ترميان إلى تحقيقها عبر التّسلّح والعنف، وانعكاساتـها على استقرار منطقة السّاحل الإفريقيّ، وعن إمكانية تغيير المنطقة إلى بؤرة عالميّة جديدة للإرهاب وإفشال الدّول، حتى بتنا نتحدّث عن "أفغنة" و"صولمة" جديدة، ممّا يعني أنّ الرهان جِسامّ، والتحدّيات شِداد، وهذا ما يحاول المقال بيانه من خلال العناصر التالية:

I- الأهميّة الجيواستراتيجية لمالي:

إنّ الساحل الإفريقيّ عموما وشمال مالي خصوصًا، المتاخم مع الجزائر شمالًا شرقًا، وموريتانيا غربًا منطقة نشأت عليها دول حديثة ومتنوعة اثنيًا وسياسيًا وعقديًّا ومتخلّفة تنمويًّا؛ الأمر الذّي جعلها عديمة الاستقرار السياسي، وتفاقم ذلك مع تزايد الحسابات الدولية من جهة، إذ لم يعد الأمر يتعلّق باهتمام الدول التقليديّة المستعمِرة فحسب، كفرنسا، بل أصبح يشمل دولًا أخرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل و تركيا ، وجميعها تريد أن تضطلع بدور في المنطقة عبر العوامل الجيواقتصادية نتيجة اكتشاف كميات كبيرة من النفط واليورانيوم والطاقة البديلة (الشمس والرياح)، وتخزينها لاحتياطات هائلة من المياه الجوفيّة.

 فعناصر الثروة هذه يمكن أن تضيف أبعادًا جديدة وحيوية للاهتمام الإقليمي والدولي بالساحل والصحراء. وقد اكتسب الدور الأميركي زخمًا قويًا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، مع تزايد الإعلان عن حركات مسلّحة في المنطقة قد تستهدف المصالح الغربية. فقد أضحى التحدي الناجم عن وجود تلك الحركات، السمة الأساسية لمشكلة الأمن في الساحل والصحراء، فهي حركات يمكن تصنيفها من حيث انتمائها الجيوسياسي ومنطلقاتها، إلى أربعة أصناف: جماعات مسلحة وسياسية محضة لا علاقة لها بالنشاط التكفيري، وأخرى مسلحة ذات أهداف "وظيفيّة" (مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركة بوكو حرام في نيجيريا المتحالفة مع تنظيم داعش، وحركة أنصار الدّين وحركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا)، وثالثة مسلحة متخصصة في التجارة غير المشروعة (تهريب الأشخاص والمخدّرات والسجائر والسلاح)، ورابعة مسلحة تمارس القرصنة والسرقة والخطف.

أهم عناصر القوة لدى هذه الجماعات هو الجغرافيا الصعبة التي تنشط فيها داخل واحدة من المناطق الأقل مراقبة في العالم؛ إذ يتضح من ذلك أن الجماعات الجهادية في المنطقة ليست على جاهزية عالية، تنظيميًا ولوجستيًا وبشريًا، إذ ارتكز أغلب عملياتها، حتى عام 2010، على اختطاف رهائن، مع بعض الهجمات المتقطعة والصغيرة في موريتانيا، بينما شكلت عمليتها ضد مركز أمني في مدينة تمنراست الجزائرية، في مارس 2012، إحدى عملياتها النوعية القليلة في المنطقة.

رغم محدودية هذه الجماعات المسلحة، فإنّها نشطة بسبب ضعف الدول التي تنشط فيها ومن بينها مالي، والتي تفتقر لبنيات أمنية قوية، وللرقابة على مساحات واسعة من أراضيها وحدودها الطويلة، كما هو حال الحدود الطويلة في شرق موريتانيا مع مالي، حيث تتداخل المناطق وحركة السكان الرحل. وأمام هذا الوضع تقوم بعض الدول الإقليمية بدور اللاعب المحوري، كما هو حال الجزائر التي أصبحت "الراعي الرسمي" لمحاربة الإرهاب في الساحل والصحراء، وذلك انطلاقًا من وضعها الجغرافي الذي يمنحها صحراء واسعة في الجنوب، وتجربتها في محاربة الجماعات المسلحة، وكونها البلد الأغنى في المنطقة ضمن بلدان الميدان الأخرى.

إنّ ظواهر نشاط الحركات التكفيريّة الوظيفيّة والتطرف وأشكال الجريمة المختلفة، كعناصر استراتيجية للأمن في مالي والساحل والصحراء، لا يمكن معالجتها بمعزل عن مشكلات الفقر والبيئة الجغرافية الصعبة، وكذلك معضلة انتشار الفساد الإداري والسياسي في دول المنطقة. ومن ذلك، الأزمة الداخلية التي اندلعت في مالي عام 2012، وأعقبها استيلاء التنظيمات المسلّحة المتشدّدة على شمال البلاد، مما استدعى عملية التدخل العسكري الفرنسي في عام 2013 من خلال عملية "سيرفال" وهي عملية تقع في الإطار والجيواستراتيجي العام للإدارة الفرنسية حيال هذه المنطقة بصورة خاصة (4) لكنّها لا تنفصل عن عناصر الأزمة التأسيسية الجذرية والعميقة في مالي وجاراتها الساحليات الأخريات.

إنّ ترسيخ الأمن والنهوض بالتنمية بشمال مالي وبدول الساحل الإفريقي قد أصبح الشغل الشاغل بعد تزايد وتيرة الأحداث والمستجدّات السياسية الأخيرة، والتي كان أبرزها التدهور الأمني بالدولة الليبية عقِب سقوط نظام العقيد القذافي، وما سبّبه من انتشار رهيبٍ للأسلحة ووقوعها بيد مختلف الجماعات الإرهابية المتشددة، المنتشرة بشكلٍ واسع بجنوب الصحراء الجزائرية، ومن جهةٍ أخرى حالة عدم الاستقرار التي تعيشها الدولة في إفريقيا عمومًا والساحل خاصة، والتي أفضت في آخر تجلياتها إلى تدخلٍ عسكري فرنسي، بهدف القضاء على "حركات التّمرد" المتمركزة بشمال مالي، وبذا أصبحت الجيوسياسية بالمنطقة تتمحور حول الإرهاب العابر للحدود والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، وهي العوامل التي تجعل مالي اليوم إحدى دول المنطقة الضعيفة بنيويًا والمختلة أمنيًا، خاصّة بعد تمدّد بؤر التنظيمات الدّينيّة الوظيفيّة المتشدّدة إلى وسط البلاد(). يضاف إلى ذلك كون مالي  مستعمرة  فرنسية سابقة جعلها ترث حملًا ثقيلًا من الأزمات المعقّدة، أدت إلى تأخير التنمية من حيث الأزمات الداخلية الاجتماعية والاقتصاديّة المتواصلة، والأوضاع الأمنيّة المتدهور ة منذ عقود في شمال البلاد  والتي كانت السبب المباشر في عدم الاستقرار وظهور تبعات سلبية على الدّولة.

كانت مالي، بحكم موقعها الجغرافي- حلقة تواصّل بين جنوب القارة وشمالها تتقاطع فيها الحضارات والثقافات واللغات ممّا أهلها لتكون واحة سلام وتواصل والتقاء، وجسرًا رابطًا بين الحضارتين الإفريقية والعربية...  ولكن التقلّبات السياسيّة والجيواستراتيجيّة وفشل بناء الدّولة الوطنيّة القويّة جعلتها غير قادرة على الاستمرار في الاضطلاع بهذا الدّور التاريخـي. ويرجع ذلك إلى مزيج معقّد من الأسباب والدوافع يتمثل أبرزها في الإرث الاستعماري، وأزمة الهوية والاندماج الوطني، والكوارث الطبيعية، والثروات الطبيعيّة الهائلة التي تحويها، والتدخلات الأجنبية.

II- أزمة الدّولة الوطنيّة: العوامل والأبعاد

البعد التاريخي والسياسي

لا يمكن فهم ما يحدث اليوم في مالي إلى بإلقاء الضوء على تاريخها السياسي وعلاقتها بالمستعمِر الفرنسي، ویرجع التواجد الفرنسي الرسمي والإداري  في مالي إلى العهد الاستعماري أواخر القرن التاسع عشر ضمن الحملات الاستعماريّة الإمبريالية العالميّة التي استهدفت الشعوب، حيث وجّهت فرنسا نشاطها الاستعماري إلى احتلال عدد كبیر من الدول الإفریقیة، التي كانت تمثل أهمیة بالغة لاقتصاد الأمبراطوريّة الفرنسيّة، فكانت تنقل من تلك المستعمرات المواد الغذائیة، والمواد الخام الزراعية والمعدنیة وموارد الوقود والطاقة، كما كانت تمثل سوقا واسعة للمنتجات الصناعیة الفرنسیة.

وبهذا شكلت الظاهرة الاستعماریة محطة من محطات التعبیر المباشر عن الاهتمام الفرنسي بالقارة الإفریقیة عمومًا، ومنطقة الساحل الإفریقي على وجه الخصوص، وهو ما تعكسه خارطة توزیع القوى الاستعماریة الأوروبیة على القارة الإفریقیة التي یمكن من خلالها تعداد العدید من المستعمرات الفرنسیة في المنطقة (الجزائر، ومالي، وموریتانیا، والنیجر، وتشاد، وبوركینافاسو، والسنغال لتصبح معها فرنسا) أكثر القوى الاستعماریة حفاظًا على علاقاتها بمستعمراتها السابقة.

لاستمرار التواجد الفرنسي في مالي وفي إفريقيا، كونت رابطة خاصة تبسط من خلالها هیمنتها السیاسیة والاقتصادیة والأمنیة، وهي رابطة الدول المتحدثة بالفرنسیة المعروفة بـ "الفرنكوفونیة. وقد  أتاح ذلك لفرنسا من الناحیة الدبلوماسیة، إنشاء ما كان يعرف بالقمة الفرنسیة - الإفریقیة التي تعقد بشكل دوري  منذ 23 نوفمبر 1973 في عهد الرئیس جورج  بو مبیدو (Georges POMPIDOU) (1911-1974). وقد قامت العلاقات الفرنسیة الماليّة على ركیزة أساسیة بعد الاستقلال هي التعاون، حیث طورت فرنسا علاقات جدیدة مع مستعمراتها السابقة مبنیة على سیاسة التعاون بمختلف أنواعه، وسعت هذه السیاسة للمحافظة على الروابط الاقتصادیة والتجاریة واستیراد المواد الأولیة، إذ یعد تأمین الموارد الاستراتيجية أحد العناصر الأساسیة في سیاسة التعاون الفرنسیة من جهة، والارتباط بالتعاون التقني والعلمي والثقافي لتأمین مكانة مستمرة لروح اللغة و الثقافة الفرنسیتین من جهة ثانیة، وإبرام اتفاقیات تعاون عسكریة توطد الدفاع المشترك إزاء التهدید الخارجي أو التدخل لفرض النظام في حالة اضطراب النظم السیاسیة من جهة ثالثة. ویتضح لنا أن فرنسا لم تكن مستعدة لخسارة نفوذها في لذلك حاولت منذ بدایة تسعینیات القرن الماضي رسم استراتيجية جدیدة في مالي تتواءم مع المعطیات المستجدة والأحداث والتطورات  الإقليميّة والدّوليّة، أبرزها نهایة الحرب الباردة والتي نتج عنها انفراد الولایات المتحدة بوضعیة القوة العظمى، وما تبع ذلك من تمدّد للنفوذ الأمریكي في القارة الإفریقیة وتأثیراته على مكانة فرنسا التقلیدیة في هذه القارة إضافة إلى وجود قوى عالمية جديدة على الساحة الإفريقيّة  كالصین. وفي مواجهة هذه المستجدات، حاولت فرنسا أن تعتمد استراتيجية جدیدة لضمان تحقیق مصالحها الاقتصادیة والإستراتيجية والسیاسیة في إفريقيا. وقد أعلن كل من الرئیس فرانسوا میتران (François MITTERRAND) (1916-1996) في مطلع التسعينيات ونیكولا ساركوزي (Nikolas SARKOZY) منذ تولیه الحكم عام 2007 ، عن نهایة العلاقة التقلیدیة التي ربطت بین فرنسا والدول الإفریقیة، وانتهاج سیاسة جدیدة قائمة على دعم سیاسة إفریقیة للأفارقة قائمة على احترام قواعد الحكم الراشد، وإدخال الإصلاحات السیاسیة وترسیخ القیم الدیمقراطیة. ولعل المتمعن في السیاسة الفرنسیة تجاه مالي، سیجد أنّها شهدت نوعًا من التحول في توجهاتها ومحدداتها خلال العقدین الأخیرین إلى درجة المساس بنفوذها ومصالحها التقلیدیة في القارة الإفریقیة بین طابع الانكفاء والتراجع، وبین التدخل والاهتمام، إلى حدود عام 2002، والذي شكل منعطفًا نوعیًا في عودة السیاسة الفرنسیة بقوّة وبحثها عن موطئ قدم جدید لها، هذه السياسة طبعها الرئيس ساركوزي بمقاربته الخاصة المتمثلة في ربط سیاسة باریس الإفریقیة بالاتّحاد الأوروبيّة.

ولا يمكن فهم هذه العودة إلا في إطارها العالمي الذي تميّز بالدّعوة الأمريكيّة إلى تسخير القوى الدّوليّة لمواجهة ما سمّتها " الإرهاب الدّولي" والجریمة المنظمة التي تمثّل تهدیدًا للأمن العالمي، وهو المسار الذي انخرطت فيها فرنسا بسخاء بقيادة الرئيس ساركوزي الذي اعتبر عدم الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الفرنسي والأوروبي، حيث عمل على تعزیز الحضور الفرنسي في المنطقة، وحل الأزمات بالاعتماد على  الآلیات العسكریة كالتدخل في تشاد وساحل العاج.

ویلاحظ أن "الكتاب الأبیض للدفاع والأمن القومي لفرنسا "لعام 2008، أشار باهتمام بالغ إلى القوس الممتدة من المحیط الأطلسي إلى المحیط الهندي، ومن موريتانيا إلى باكستان. وكون هذا القوس يشمل منطقة الساحل، مما یستدعي بحث فرنسا في تأمین مكانتها المستقبلیة في إفريقيا من خلال  تأمین دور أساسي في أحد المجالات الأكثر اضطرابًا والمكلفة على كل المستویات (5) وقد تحولت سیاسة فرنسا تجاه إفريقيا من الأحادية إلى التعددية، من خلال إشراك المنظمات الدولیة- مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة- في العمليات العسكرية في إفريقيا، وعلى سبیل المثال قام الاتحاد الأوروبي بأكبر عملیة حفظ سلام في تشاد وجمهوریة إفريقيا الوسطى في عامي 2008 و2009  وكانت فرنسا أهم عنصر فاعل فیها، كما لا  يمكن نسيان الدور الفرنسي في لیبیا منذ 2011، وثقله العسكري في مالي منذ عملية "سيرفال" شمال مالي في ماي 2013.

ولعلّ هذه التعددیة في الوجود يفسّر بتكامل الأدوار بين القوى الغربيّة في القارة وفي مالي، كما أن الواقع یثبت أنّ سیاسة كلّ من فرنسوا هولاند (François HOLLAND) وإيمانويل ماكرون (Emmanuel MACRON) لم تخرج عن مبادئ السیاسة الفرنسیة العامّة تجاه مالي، ولم تتغیر مع تغیر رؤساء فرنسا، فلا یمكن التنازل عن مالي كدولة  ذات نفوذ تقلیدیة فرنسیة، خاصة في ظل المنافسة الدولیة علیها من جهة، ومن جهة أخرى بسبب المشكلات الأمنیة التي تعاني منها المنطقة، والتي لیست من مصلحة فرنسا أن تلحق ضررًا بمصالحها المختلفة فیها، خاصة منها الاقتصادیة.

البعد الاقتصادي والجيوبوليتيكي

يعتبر الاقتصاد ركيزة أساسية في لعبة التنافس الدولي على جمهورية مالي، فلقد كانت إفريقيا على الدوام مطمعًا للقوى الدولية الساعية إلى استغلال ثروات القارة المتنوعة. فالموارد الطبيعية، الزراعية الطاقية وحتى البشرية، غنية جدًّا، وتشكِّل محفزات قوية لدول عديدة، من أجل إقامة جسور للتواصل والتجارة مع إفريقيا بأهداف اقتصادية، من حيث استخراج الطاقة، والاستفادة من المحاصيل الفلاحية والأيدي العاملة، علاوةً على توجيه الشركات والمؤسسات الاقتصادية إلى إفريقيا، باعتبارها سوقًا استراتيجية خالية من المنافسة، ويمكن فيها تحقيق أرباح طائلة، بعيدًا عن الأسواق الأوروبية التي ما فتئت تعاني من التشبع الاستهلاكي والتضخم المالي المؤثرين على التنافسية. 

ومع دخول موريتانيا، وتشاد ضمن الدول المنتجة للنفط، واكتشاف حوض تاوديني بمالي ( Le bassin de Taoudéni ) وما يحتويه من ثروات معدنية مثل النفط  ويورانيوم، وارتفاع صادرت الذهب بمالي إلى  70% من تعاملاتها الخارجية (6) ، علاوة على مجاورتها لبعض الدّول المهمّة في المنطقة على غرار الجزائر، زاد الاهتمام الدّولي بهذه الدّولة التي لا تستفيد كثيرًا من قطاع الطاقة في تحقيق التنمية الاجتماعية والإنسانية، بالنظر إلى أنّ أغلب المؤشرات الاستراتيجية تقر باحتمالات فشلها مستقبلًا مع ضعف الاندماج الاجتماعي، والعجز الاقتصادي، وهشاشة البناء السياسي مما يؤثّر على معادلة الأمن الإقليمي والعالمي (7).

وعلى ضوء ما حدث في مالي إثر الانقلاب العسكري الأخير في مارس 2012م وما تبعه من مختلف الجهود الإقليمية وحتى الدولية، لتسوية النزاع، فقد كان واضحًا حرص فرنسا وبعض الدول داخل النظام الدولي على تضخيم ما حدث، وتصويره على أنه إرهاب، وأنه لا بد لفرنسا أن تتدخل لمساعدة الدّولة المركزيّة على إعادة السيطرة واستعادة السيادة على أراضيها، وذلك على خلفيّة تمرّد بعض فصائل الطوارق في شمال مالي على إثر سقوط النظام الليبي وتحالفهم مع الحركات الدّينية الوظيفيّة ضدّ الحكومة المركزيّة ومطالبتهم بالاستقلال؛ إلا أنّ الواقع يشير إلى أنّ الدافع الرئيسي لفرنسا هو المحافظة والإبقاء على مصالحها، والسعي لاسترجاع نفوذها ومكانتها وهيمنتها السابقة خلال الحقبة الاستعمارية في القارة الإفريقية، والسيطرة على ما تملكه الدولة المالية وتزخر به من ثروات وموارد أولية هامة.

إنّ الوضع الجيوبولوتيكي للدولة المالية، من حيث الموقع والمساحة والموارد، يستهوي منظومة من المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الغربيّة، ويحفزّها دائمًا على التدخل لحماية تلك المنظومة. وعلاوة على ذلك، فإنّ وجود دولة مالي في العمق الاستراتيجي للدول المغاربية، يحقق لفرنسا قدرًا من الأمن والحماية لأهدافها ولمصالحها المتنوعة في تلك الدول، بالإضافة إلى مجموعة الدول الفرانكفونية الأخرى المجاورة لمالي. ومن ثَم؛ يصبح التدخل في مالي مسألة منطقية ضمن حسابات المصالح المتنوعة للدولة الفرنسية.

III- راهن أزمة الدّولة في مالي:  صراع الشرعية "الدستورية" والسيادة "الشعبيّة"

تمّت الإشارة في سطور سابقة إلى الجذور العميقة لما تشهده مالي اليوم من صراع وأزمات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وأمنيّة، بيد أنّ المستجدّات الأخيرة على الصعيدين المحلي والدّولي تضعنا أمام ضرورة التحليل ومحاولة الربط بين مختلف أبعاد الأزمة والأطراف المعنيّة والقوى المشاركة.

كان الشعب المالي يعلق آمالا كبيرة على الرئيس المالي الحالي إبراهيم بوبكر كيتا (Ibrahim Boubacar KEÏTA) المنتخب سنة 2013م لإيجاد حلّ للأزمة متعدّدة الأبعاد التي عاشتها البلاد منذ الانقلاب العسكري سنة 2012م الذي أطاح بحكم سلفه أمادو توماني توري (Amadou Toumani TOURÉ)، ممّا أتاح الفرصة للقوى المتمرّدة من الطوارق والحركات التكفيريّة بالسيطرة على جزء كبير من الأراضي المالية شمالًا. كان مصدر هذا الأمل وهذه المراهنة على ورقة إبراهيم كيتا هو الثقة الشعبيّة الني اكتسبها خلال تولّيه مختلف المناصب الخطيرة في البلاد، سفيرًا (1992-1993) ووزيرًا للشؤون الخارجيّة (1993-1994)، فرئيسًا للحكومة (1994-2000) وللبرلمان (2002-2007)، بيد أنّ تواصل تردّي الأوضاع الأمنيّة والاجتماعيّة، وفشله في إيجاد حلول ممكنة للتحدّيات المتعدّدة التي كانت تمرّ بها البلاد، ولا تزال، جعلته يواجه انتقادات متواصلة من جزء كبير من الشعب المالي، وخاصّة  خلال الفترة الرئاسية الثانيّة أي منذ 2018م التي تميّزت -حسب معارضيه- بسوء الإدارة، وتفشّي الفساد المالي والزبونية السياسيّة، وتغيير البلاد إلى ضيعة لفئة معيّنة من عائلة الرئيس وحاشيته ومقرّبيه. يضاف إلى ذلك تعطيل المرافق الحيويّة في البلاد من مؤسسات صحيّة وتعليميّة، والمحسوبيّة الحزبيّة والمؤسساتيّة كانت آخرها تزوير الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة الذي زاد الطين بِلّة، وأسهم في توحيد صفوف المعارضة ضدّ حكم الرئيس كيتا كتغيير نوعي ضمن مسار الصراع بين النظام والقوى الاجتماعيّة والسياسيّة المطالبة بإصلاحات إداريّة جذريّة منذ مدّة طويلة. هذا المسار أنتج فيما يعرف بـ " حركة 5 يونيو- تجمّع القوى الوطنيّة" المتكوّنة من القوى السياسيّة التقليديّة والحديثة وقوى المجتمع المدني في يوم الجمعة 5 يونيو 2020م، حيث احتشد عشرات الآلاف من المتظاهرين في ساحة الاستقلال في باماكو عاصمة مالي؛ وذلك استجابةً لدعوات التظاهر التي تمّ إطلاقها في 26 ماي 2020 من قبل ثلاث  تشكيلة سياسية رئيسة:

- جبهة حماية الديمقراطية (8)

- تنسيق الحركات والجمعيات والمساندين للإمام محمود ديكو (Mahmoud Diko) (9) ، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في مالي سابقًا، والذي يعد من أهم الزعامات الدّينية في مالي.

- حركة أمل مالي الجديدة (10).

لقد أطلقت المنظمات الثلاثة نداء وطنيًّا إلى جميع مواطني مالي داخل البلاد وخارجها من أجل المشاركة في تعبئة كبيرة لمواجهة ما اعتبرته الحكم الفوضوي لنظام الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا؛  بعد ما أجرت تحليلاً متعمقًا للوضع الاجتماعي والسياسي في البلاد، واستخلصت أن بقاء النظام أصبح يمثل خطرًا على دولة مالي وشعبها، ولذلك طالبت بتهيئة الظروف لخلق اتحاد وطني لإعادة تأسيس نظام جديد ينهض بمالي.

يعد الهدف الرئيسي للحراك، كما جاء في البيان الختامي للمظاهرة؛ هو المطالبة بإسقاط النظام الحاكم في البلاد بقيادة الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، والحفاظ على وحدة البلاد من خطر التقسيم والانفصال، والعمل على الإفراج عن زعيم المعارضة المختطف سوميلا سيسي (Soumaïla CISSÉ) منذ 25 مارس 2020 شمال البلاد من قبل مسلّحين مجهولين أثناء قيامه بجملة دعاية لحزبه بمناسبة الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة. هذا وقد واصل الحراك نضاله ومظاهراته الحاشدة المطالبة باستقالة الرئيس واستئصال النظام التابع له في 19 جويليّة 2020 في مرحلة أولى ثم من خلال وثيقة سياسّة (Mémorandum) تنازل فيه عن شرط استقالة الرئيس، لكنّه ضمنّها نقاطًا أخرى ذات أهميّة تمثّلت في: دعوة الرئيس إلى تكوين حكومة وحدة وطنيّة، وإعطاء سلطة مطلقة لرئيس الحكومة المعيَّن من طرف المعارضة، بالإضافة إلى حلّ المحكمة الدستوريّة والبرلمان، لكن أنّ الرئيس رفض الاستجابة لهذه المطالب، وهو ما أدى إلى إعلان الحراك التشدّد في مواقفه والدخول في عصيان مدنـي متواصل حتى تحقيق مطالبه. ورغم مختلف الخطابات التي وجّهها الرئيس المالي إلى الشعب، والوساطة الإقليميّة والدّوليّة، إلا أنّ الحراك أصرّ على قرار، حيث بدأ في تنفيذ العصيان في 10 جويلية 2020 من خلال الاعتصام السلمي في المناطق الحيويّة في البلاد (رئاسة الحكومة، الإذاعة والتلفزة الوطنيّة ومقرّ البرلمان). ورغم سلمية الاعتصام، إلا أنّه ووجه بقمع أمني أدى إلى قتل أكثر من عشرين شخص وجرح العشرات، وهو ما جعل الحراك أكثر تشدّدًا، وأصبح يركزّ مطالبه على  التحقيق في قتل المتظاهرين واستقالة الرئيس قبل الحديث عن أي حوار مع النظام.

ويستنتج الباحث مما سبق، أنّ هناك أسبابًا داخليّة وأخرى خارجيّة أدّت إلى تحريك الأوضاع في مالي وتتمثّل في:

1- أسباب سياسيّة

سعي النظام لتمرير مشروع وتعديل الدستور الصادر في عام 1992م، وذلك بهدف تنفيذ نصوص اتفاق الجزائر للسلام والاستقرار في مالي الموقع في 2015م، بين الدّولة والمجموعات المطالبة بالانفصال والذي نص على تعديل دستور مالي ليتضمن إقرار اللامركزية، وذلك لإعطاء دور أكبر للسلطات المحلية، ليكفَّ الأطراف المعنيّة عن المطالب الانفصالية، لكن العديد من القوى والتيارات السياسية يرفض مشروع الدستور، حيث إنّه توجد مخاوف من النص على إدخال اللامركزية التي قد تؤدي إلى انفصال الشمال، وهو خوف مشروع، ليس في اللامركزية بذاتها باعتبارها عملية رشيدة تهدف إلى تحقيق مطالب الديمقراطية التشاركيّة، لكن من أجل الصلاحيات الكبيرة التي أعطاه اتفاق الجزائر للسلام والاستقرار في مالي الموقع في 2015م للسلطات المحليّة في الشمال ومنحهم نفوذًا سياسيّا واقتصاديّا أكبر على حساب مناطق أخرى.

2- أسباب اقتصاديّة اجتماعيّة

تفشّي الفساد وتزايد معدلات اختلاس المال العام، والإثراء غير المشروع لرجال النظام والحزب الحاكم والمتحالفين معه، وهو ما تم التعبير عنه في بيان كلّ مكوّنات "حراك 5 جوان 2020" وكذلك في تصريحات الإمام محمود ديكو المختلفة؛ المندّدة بالفساد وسرقة المال العام، واستخدام المال السياسي في شراء أصوات الناخبين في الانتخابات، علاوة تعطيل المرافق التربويّة والصحيّة وكثرة الإضرابات المهنية؛ بسبب قصور الحكومة عن الاضطلاع بواجبها الوطنيّ وهيمنة أسرة الرئيس على كافة مؤسسات الدولة وتوجيهها تبعًا لمصالحها، حتى أصبح هناك خلط جسيم بين مؤسسات الدولة، وهو مبدأ يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات في النظام الديمقراطي الجمهوري، ممّا جعل الحراك يعتبر حكم الرئيس فاشلًا ويطالب بتنحيته لأنّه لم يعد يفيد البلاد بشيء.

3- أسباب أمنيّة

عجز النظام عن تسوية الأزمة الانفصالية في الشمال التي تسعي إليها الحركة الوطنية لتحرير أزواد في شمال البلاد، وهي أزمة  كانت أحد عوامل الانقلاب العسكري 2012 على الرئيس أمادو توماني توري  لفشله في تسويتها، وقد فشل الرئيس الحالي إبراهيم بوبكر كيتا بدوره على مدار سبع سنوات في إيجاد حلول مناسبة للأزمة، وذلك على رغم الوصول إلى اتّفاق الجزائر للسلام والمصالحة في مالي 2015م تحت رعاية إقليمية ودوليّة وهو اتّفقا يكتنفه الكثير من الغموض وعدم الوضوح، بل يصفه جزء من الماليين بأنّه اتفاقية خيانة عظمى للوطن لأنّها تمسّ بسيادة مالي ووحدتها وتاريخها؛ كلّها عوامل تشكك في قدرة الدولة على الاحتفاظ بسيادتها على كامل الأراضي الوطنية التابعة لها، خاصةً بعد حدوث تدخل قوات أجنبية لمساعدة جيش مالي في استعادة أراضي الشمال، وهو ما جعل مالي من الدول التي تم وضعها في تصنيف الدول التي تحت الإنذار في مؤشر الدولة الفاشلة.

ويأتي في هذا السياق الرفض الشعبي للوجود العسكري الأجنبي في البلاد والمطالبة برحيله، حيث إنّه منذ اندلاع الأزمة الانفصالية في شمال مالي 2012م، وما صاحبها من أزمة أمنية نتيجة لانتشار الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش في مالي، حدث تدخل عسكري دولي في مالي بموافقة الحكومة لاستعادة المناطق التي استولت عليها حركات التمرد الانفصالية، وكذلك للقضاء على الجماعات المسلحة التي تهدد أمن الدولة، حيث إنّ مختلف التدخلات العسكريّة الفرنسيّة منذ 2013م والمستمرة حتى الآن لم تعطِ النتائج المرجوّة (11). مع الإشارة إلى أنّ فرنسا أعلنت منذ أيام بتخفيف وجودها العسكري من خلال قوى أوربية بديلة عبر ما سمته بعملية  " تكوبا" (Takuba) (12).

كما وافق مجلس الأمن بالأمم المتحدة 2531/ 2020  بتاريخ 29-06-2020 على إرسال بعثة متعدّدة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي المعروفة اختصارًا بـ"مينوسما" (Minusma) (13) ، وهي قوات عسكرية متعددة الجنسيات يبلغ تعدادها  أكثر من 13 ألف جندي، وهي مازالت موجودة في مالي حتى الآن، وإن كان هناك مطالب أمريكية بإنهاء عمل البعثة لفشلها في تحقيق أهدافها، وسقوط ضحايا من أفرادها على أيدي المسلحين، إلا أنّ ذلك لم يمنع من تمديد مهمتها لمدة عام آخر وذلك منذ أيام قليلة فقط (14). ورغم وجود هذا الكمّ الكبير من القوات الأجنبية، منذ سبعة سنوات على الأراضي الماليّة حتى الآن، إلا أنّه لم يتم القضاء على تلك الجماعات، بل ازدادت قوة، وامتد العنف من الشمال إلى وسط وجنوب البلاد، ولهذه الأسباب كلها؛ يرى معظم شعب مالي، ضرورة إجلاء القوات العسكرية الأجنبية من البلاد التي ثبت فشلها، وأصبح بقاؤها ضررًا على مالي، كما أن استمرار وجودها حسب تصريحاتهم يشكّك في السيادة العسكرية لجيش مالي على أراضيه (15).

خاتمة

 إنّ الأزمة التي تمرّ بها مالي اليوم عميقة كما أنّها متعدّدة الأبعاد، تتجاوز الحدود المحليّة والإقليميّة، لتلامس السياق العالمي، وصراع القوى وتدافعها، وفي ظل هذا الوضع للنظام السياسي المالي، ووفقًا للعلاقات المتميزة للدولة الفرنسية مع الأنظمة الحاكمة في الدولة المالية الموالية لها، تترسخ عقيدة سياسية وأمنية، لدى صناع ومتخذي القرارات والسياسات في الحكومة الفرنسية، بأهمية الحفاظ على تلك الأنظمة المشايعة لها، ومن ثم فإن أية تغييرات يمكن أن تطرأ على الواقع السياسي للدولة المالية، ويتعارض مع أهدافها ومصالحها، يحتم عليها التحرك والتدخل السريع والعاجل لاستعادة الأوضاع، والحيلولة دون حدوث تغييرات سياسية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر على منظومة المصالح الفرنسية. كما أنّ المؤشرات توحي بتبديل جذري سياسي واستراتيجي في منطقة الساحل والصحراء، وأنّ منطقة ماضية قدما نحو التّحضير لأمر جلل، وأغلب الاحتمالات تصب في أن تدفع القوات العظمى بإفريقيا -التي بقيت قبل هذه الأحداث بعيدة نوعًا ما عن مسرح الأحداث العالمية الكبرى- إلى الانخراط أكثر بصفة مُباشرة طوعًا أو كرهًا فيما يمسى "الحرب ضدّ الإرهاب".

وهكذا، فإنّ السنين المُقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير المنطقة الشّماليّة بمالي، التي تجد نفسها اليوم في فخّ أطراف كثيرة ومركزًا هامًا للتّنافس الإقليميّ والدّوليّ، مما جعلها تُمثّل في عين الملاحظين مخبرًا حقيقيًّا للقارة السّمراء وهنا تأتي التّحديات والرّهانات.

 

مراجع:

 

  1. وعن الحركة العلميّة في تُنْبُكْتُ يقول ليون الإفريقيّ : « وتباع أيضًا بتنبكت مخطوطات كثيرة تأتي من بلاد البربر وتدرك أرباحًا تفوق أرباح سائر البضائع» الوزّان، الحسن بن محمد الفاسي، وصف إفريقيا، ترجمة وتحقيق، محمد حجي ومحمد الأخضر ، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ، ط2، ج2، 1983م، ص167.
  2. [https://www.ml.undp.org/content/mali/fr/home/countryinfo.html  ]
  3. [- https://planificateur.a-contresens.net/afrique/classement_par_pays/superficie-AF.html]
  4. [BARRERA, Bernard (2015) : Opération serval : Notes de guerre, Mali 2013, Ed. Seuil, Paris, pp.10-15.]
  5. [Défense et sécurité nationale : Livre Blanc, Odile Jacob, Éd.1, Paris, pp. 33-46.]
  6. تعتبر مالي إحدى الدول الغنية من حيث الثّروات الطّبيعية، وهذه الأهميّة الجيوبوليتيكية هي التي زادت من حدّة تنافس القوى الغربية على المنطقة؛ إذْ تعتبرها فرنسا منطقة نفوذ حيوي، باعتبارها مستعمرة سابقة لها. هذا بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي، فهي تحاذي العديد من الدول الغنية بالثروات المعدنية، ومنها مثلًا: الجزائر، موريتانيا، النيجر.
  7. جبهة حماية الديمقراطية (FSD): نشأت في يوم 6 أكتوبر 2018م، وذلك على خلفية فوز الرئيس إبيكا في الانتخابات الرئاسية في مالي 2018؛ حيث نشأت من تحالف مكوّن من مجموعة من الأحزاب والحركات والجمعيات المؤيدة لزعيم المعارضة المرشح الرئاسي سوميلا سيسي، عندما أعلنت المحكمة الدستورية فوز إبيكا في انتخابات الرئاسة.
  8. [1] - تكونت هذه الحركة في يوم 7 سبتمبر 2019م من قبل الإمام محمود ديكو رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في مالي سابقًا، وقد قام الإمام بإطلاق الحركة بعد أن تراجع عن دعمه وتأييده السابق للرئيس إبيكا الذي لم يدعمه في انتخابات الرئاسة 2018م، وكذلك لم يترشح الإمام لرئاسة المجلس الأعلى للمسلمين في مالي في أبريل 2019م، وذلك حتى يقطع الحبال التي بينه وبين النظام. وقد حضر أكثر من 3000 شخص حفل إعلان تأسيس الحركة معلنين دعمهم للإمام.
  9. تكونت هذه الحركة في يوم 7 سبتمبر 2019م من قبل الإمام محمود ديكو رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في مالي سابقًا، وقد قام الإمام بإطلاق الحركة بعد أن تراجع عن دعمه وتأييده السابق للرئيس إبيكا الذي لم يدعمه في انتخابات الرئاسة 2018م، وكذلك لم يترشح الإمام لرئاسة المجلس الأعلى للمسلمين في مالي في أبريل 2019م، وذلك حتى يقطع الحبال التي بينه وبين النظام. وقد حضر أكثر من 3000 شخص حفل إعلان تأسيس الحركة معلنين دعمهم للإمام.
  10. حركة أمل مالي الجديدة (EMK) تأسست حديثا في 14 مايو 2020م بقيادة المخرج ووزير الثقافة الأسبق شيخ عمرو سيسوكو، وهو شخصية معروفة في إفريقيا؛ حيث يعمل الأمين العام للاتحاد الإفريقي لصانعي الأفلام منذ 2013م، كما أنه كان من مؤسسي حزب التضامن الإفريقي للديمقراطية والاستقلال مع الدكتور والقيادي اليساري عمر ماريكو (Oumar MARIKO) عام 1996م، وهو حزب ذو توجه يساري شيوعي، كما أن سيسوكو قد تلقى تعليمه في باريس؛ حيث حصل على دبلوم التاريخ والسينما، كما أنه منتج أفلام وحصل على جوائز دولية في مجال السينما.
  11. بلغ عدد الجنود الفرنسيين في مالي 5100 جندي حاليًا، وهو رقم هام ومعبّر
  12. [Florence Parly : «Le changement au Sahel est visible» Recueilli par Corinne Laurent et François d’Alançon, (https://www.la-croix.com/), lien (https://www.la-croix.com/France/Politique/Florence-Parly-Le-changement-Sahel-visible-2020-07-12-1201104672), Publié : 12-07-2020, Visité : 18-07-2020.]
  13. [https://minusma.unmissions.org/sites/default/files/unscr_2531_2020_f.pdf), visité : 18+07-2020]
  14. [AFP : « Le mandat des Casques bleus au Mali renouvelé à effectifs constants » https://www.voaafrique.com/a/le-mandat-des-casques-bleus-au-mali-renouvel%C3%A9-%C3%A0-effectifs-constants/5482015.html, Publié : 29-06-2020. Visité : 18-07-2020]
  15. [https://www.aa.com.tr/fr/afrique/mali-manifestations-contre-la-pr%C3%A9sence-des-arm%C3%A9es-%C3%A9trang%C3%A8res-/1608959]