Menu
حضارة

(عرض وقراءة) دراسة غسان كنفاني ثورة 36-39 في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل

رامي مراد

نشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة الهدف الرقمية

لم تجهض ثورة 36 من وجهة نظر غسان كنفاني ، بل كانت بداية أسست لما بعدها من مراحل ثورية؛ راكمت على ما أنجزته ثورة 36. لم يكتب غسان (الثائر) عن ثورة 36 من وجهة نظر موضوعية وحيادية كباحث أكاديمي فقط، بل كان متحيزاً وأيديولوجياً إلى أبعد حد دون أن يغادر موقع الباحث الرصين، وظهر ذلك في تحليله للواقع الاجتماعي السياسي، و توصيفاته للرجعية العربية والإقطاعية الفلسطينية والدينية؛ عبر عن ذلك أيضاً في حديثه عن التحالف الإمبريالي - الصهيوني، من خلال التحليل الطبقي لشكل التحالفات, وثالوث الانقضاض على الثورة العربية في 1936, والتي امتدت حتى 1939.

غسان كنفاني الروائي والأديب والقيادي السياسي الفلسطيني عبر في دراسته "ثورة 36-39 في فلسطين خلفيات وتفاصيل وتحليل"، ومن خلالها عن انحيازه المطلق لقضيته المركزية فلسطين, وانتمائه العميق الواعي للطبقات الفقيرة والمسحوقة, والتي عانت ولا تزال من مطرقة الاحتلال وسنديان البرجوازية واليمين المسيطر على مسار العمل السياسي والوطني على مدار الثورة الفلسطينية.

عكست دراسة غسان عمقا تحليليا كبيرا, حيث قدم سياقا مفصلا لمرحلة الثورة ضد الاستعمار البريطاني ودوره في تدعيم الصهيونية وتقوية نفوذ اليهود في فلسطين على حساب العرب من فلاحين وعمال وحرفيين. كما عرض غسان بتفصيل وتحليل عميق للسياق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي خلال فترة الثورة (36-39)، ما جعلنا نفهم حراك الثورة ومساره الاقتصادي والسياسي.

ثلاث نقاط طرحها غسان في دراسته:

بدأ غسان دراسته بالحديث عن ثالوث الضربة القاصمة التي وجهت للثورة وهو (القيادات الرجعية المحلية، الأنظمة العربية المحيطة بفلسطين، والتحالف الإمبريالي-الصهيوني), وتحدث عن العلاقة الجدلية بين العناصر الثلاثة ودورها في توجيه ضربة ساحقة لثورة 36. من خلال تحليله للنقاط الثلاث نعرف أن سياقها لم يقف عند 36, بل امتد حتى وقت الثورة الفلسطينية المعاصرة.

"إن عنف التجربة الوطنية الفلسطينية التي تفجرت منذ 1918 وكانت تترافق بصورة أو بأخرى مع الكفاح المسلح، لم تستطع أن تعكس نفسها على البنية الفوقية للحركة الوطنية، والتي ظلت تحت هيمنة القيادات شبه الإقطاعية أو شبه الدينية، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى سببين متداخلين, أولهما: فاعلية الحركة الصهيونية التي ضاعفت من ثقل وهيمنة التحدي القومي على جميع أشكال التحديات الأخرى، هذا التحدي أفرز معاناة يومية مباشرة للطبقات الكادحة العربية. السبب الثاني: هو وجود حد من التناقض بين القيادات العائلية الإقطاعية الدينية العربية وبين الإمبريالية البريطانية، يجعل دفع الثورة إلى مدى معين من مصلحة هذه الطبقات التي تجد عادة مصلحتها في التحالف شبه الكامل مع الإمبريالية. وقد نشأ ذلك الحد غير العادي من التناقض عن وجود "عميل ملائم أكثر" للإمبريالية البريطانية وهو الحركة الصهيونية التي جرى توظيفها بدل تلك الطبقات".

قدم غسان في هذه الفقرة سياقا جعل لنضال الشعب الفلسطيني خصوصية تختلف عن باقي نضالات الشعوب العربية الأخرى، هذه الخصوصية التي دفعت القيادات الإقطاعية والدينية في فلسطين لممارسة الكفاح المسلح، وهو من وجهة نظر كنفاني أرقى أنواع الكفاح، حيث اضطرت تلك القيادات لرفع شعارات تقدمية وإن كانت شكلية، ساعد ذلك من وجهة نظره تلك القيادات من الاستمرار أطول فترة ممكنة في قيادة الجماهير العربية الفلسطينية منذ 1918 وحتى 1948.

العمال هم الأساس:

لم تعكس هجرة اليهود إلى فلسطين إشكاليات على مستوى أخلاقي وقومي فقط، بل تعدته إلى آثار اقتصادية مباشرة وعميقة أثرت على الشعب العربي الفلسطيني، وكان أولى ضحاياها الفلاحين والعمال وقطاعات برجوازية صغيرة ووسطى. كان معدل هجرة اليهود السنوي إلى فلسطين بين عامي (1926-1932) يبلغ (7200) يهودي، وأصبح هذا المعدل بين عامي (1933-1936) يبلغ (43) ألف يهودي تقريباً، وكان لتعسف النازية ضد اليهود في ألمانيا دوراً كبيراً في ذلك, فقد هاجر غالبية اليهود إلى فلسطين بدافع وتوجيه قصدي من الحركة الصهيونية و(الرأسمالية الديمقراطية), كما لم تقبل أمريكا استقبال سوى أعدادًا قليلة ممن هربوا من الاضطهاد النازي بين عامي (1935-1943), وبالتالي هاجر إلى فلسطين 8.5% من اليهود؛ علماً أن 11% من مجموع المهاجرين اليهود كانوا رأسماليين وخصصوا جزءاً كبيراً من ريع أعمالهم لتوجيه اليهود وتمكينهم في فلسطين. هذا الواقع لم يؤسس لتمكين اليهود في فلسطين فقط، بل أيضاً لتحويل تدريجي لنمط الإنتاج والاقتصاد الفلسطيني من زراعي إلى صناعي، تطلب ذلك توجيه العمالة اليهودية الوافدة للعمل في المصانع, كما برر للرأسمالية اليهودية أن ترفع شعار "العمالة اليهودية فقط"، وهذا أدى إلى بيئة تناحرية بين البروليتارية العربية واليهودية، وأيضاً بين الفلاحين والعمال الزراعيين اليهود والعرب، ولكن أيضاً الصدام صعد إلى البنى الفوقية؛ فمالكي الأراضي والبرجوازية العربية شعرت بأن الرأسمال اليهودي بدأ يهيمن على مصالحها، ففي عام 1935 كانت الرأسمالية اليهودية تسيطر على (872) مؤسسة صناعية في فلسطين من أصل (1212)، تستخدم فيها (13,678) عامل غالبيتهم من اليهود، بينما كانت المؤسسات الصناعية العربية (340) كانت تستخدم (4000) عامل فقط. هذا بالإضافة إلى استفادة الرأسمال اليهودي من الامتيازات الكبيرة التي كانت تقدمها له حكومة الانتداب البريطاني وتحرم منها الرأسمالية العربية، أيضاً برز الفرق الواضح في الأجور بين العمال اليهود والعمال العرب، هذه الظروف جعلت جمعية العمال العرب ترسل مذكرة إلى حكومة الانتداب البريطاني بتاريخ 6/12/1935 تخبرهم بأنه إذا لم تحل مشاكل العمال العرب في الأيام القليلة القادمة "فإن الأيام المقبلة ستضطرها إلى إطعام العمال خبزاً أو رصاصاً".

تحليل غسان العميق جعله يرى ما كان مركزياً في تحركات الحركة الصهيونية، فقد رأى أن سيطرة وتمدد الرأسمال اليهودي ليس اعتباطياً, فقد أدرك قيادات الحركة الصهيونية أن استراتيجية السيطرة والتمدد الصهيوني وطرد العرب يكمن في الاستيلاء على الأراضي من مالكيها وإجلاء الفقراء من سكانها بهدوء عن طريق توفير فرص عمل لهم في البلاد التي يرحلون إليها, وتقليل فرص العمل قدر المستطاع في فلسطين، وأما أصحاب الأملاك فسينضمون وفق مصالحهم إلى اليهود.

إن امتناع الرأسمال اليهودي عن توظيف عمالة عربية كان بدافع إدراك الحركة الصهيونية؛ أن السماح للعرب بالتغلغل في سوق العمل اليهودية يعني أن يستخدم الرأسمال اليهودي لمصلحة التطور العربي، بالإضافة إلى أن توظيف العمال العرب في المنشآت الصناعية اليهودية سيؤدي إلى تقسيم طبقي في فلسطين يتبع الخطوط العرقية: اليهود كرأسماليين يستخدمون العرب كعمال، وبالتالي تتشكل قوة عاملة عربية في مقابل البرجوازية اليهودية مع الاختلاف العرقي, ما قد يبشر بثورة عمالية عربية عارمة تهدد التمكين والاستيطان اليهودي.

ضمن هذه المعادلة، فإن الحركة العمالية والنقابية في فلسطين عموماً ظلت بين سنديان الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي دافع عن العمالة اليهودية باعتبارها شريكة في النضال ضد الرأسمال اليهودي الذي عزز الفروق بين ظروف عملها وظروف عمل العمالة العربية ليشتت جهدها ويفرقها؛ فالهستدروت كان واعياً لذلك وعزز من هيمنته كقوة نقابية عمالية وجزء من المشروع الصهيوني, وأضعفت نمو أية قوة عمالية حقيقية يمكن أن تشكل أساساً للتحالف بينها وبين العمالة العربية، ومطرقة القيادات الإقطاعية – الدينية، والتي كانت تمنع أية قوة نقابية تخرج من عباءتها. ويؤكد غسان أن الحركة النقابية والعمالية لن تكون حقيقية وفاعلة إلا إذا خرجت من عباءة القيادات الإقطاعية – الدينية.

الفلاحون في الثورة:

لم تكن الظروف في الريف الفلسطيني عشية الثورة أفضل منها في المدينة؛ فالسياسات الرأسمالية للجماعات اليهودية (الإفقار), بالإضافة لسياسات الانتداب البريطاني من ضرائب, وإجراءات أمنية، أدت إلى نشر الفوضى بين الجماهير العربية والفلاحين العرب، مما أدى بالمحصلة إلى تملك اليهود لما يزيد عن مليون و250 ألف دونم من أراضي الفلاحين، وبالتالي مزيد من إفقار الفلاحين وصغار المالكين للأراضي الزراعية والبدو، ترافق ذلك مع تنامي حدة التناقض الاجتماعي والثقافي والديني في مناطق الريف بين العرب واليهود.

لفهم سياق الثورة ودور الفلاحين في ذاك الوقت خصوصاً، مع معرفتنا أنه في عام 1931 كان فقط 19% من اليهود يعملون في الزراعة، بينما 59% من العرب هم مزارعين، قدم غسان كنفاني رؤيته وتحليله العميق المبني على حقائق تقول أن غالبية الأراضي في الريف كانت تملكها عائلات إقطاعية - دينية وهي عائلات لا تمارس الزراعة وتوجه أبنائها للدراسة في الخارج وتستمد نفوذها من علاقتها مع حكومة الانتداب البريطاني، بينما المزارعين والفلاحين الحقيقيين لم يمتلكوا سوى الفتات من الدونمات، عكس المزارعين اليهود والذين يمتهنون الزراعة ويمتلكون الأرض، كما أن ظروف الإفقار والواقع السيء وإجراءات حكومة الانتداب وتسلط الإقطاع العربي، دفع جزء من صغار الفلاحين لبيع أراضيهم إلى المزارعين اليهود والعمل لديهم كمزارعين، وتدريجياً تم طردهم من العمل ما دفع الكثير منهم للهجرة خارج البلاد.

ساعدت قوانين الانتداب الخاصة بأملاك الغائبين والأراضي غير المستغلة الاستيطان اليهودي الذي شتت الفلاحين العرب حتى أصبح 50 ألف يهودي، يعيشون في المستعمرات الزراعية يملكون مليون و200 ألف دونم بمعدل 24 دونم للفرد، بينما الفلاحون العرب عددهم 500 ألف ويملكون 6 ملايين دونم, بمعدل 12 دونم للفرد.

يستطرد غسان بالقول أن طبقة البدو، والتي لم تعطَ أهمية كافية في الدراسات الفلسطينية كان لها دوراً كبيراً في ثورة 1936، حيث كان لهم دورهم في انتفاضة آب 1929 (البراق)، حيث يجعلهم فقرهم الدائم في حالة ثورية مستمرة, ويجعل إمكانية تحويلهم لقوة تحمل السلاح وتخدم الثورة كبيرة جداً يجب استثمارها.

المثقفون ودورهم في الثورة:

وصف غسان كنفاني واقع المؤسسات التعليمية وعدد المتعلمين وفق مصادر موثوقة، أشارت إلى تردي الأوضاع التعليمية بين العرب، وخصوصاً الفتيات، لكنه استدرك أن هذا لم يكن مؤشراً على الواقع الثقافي في فلسطين عموماً؛ فالواقع الثقافي الفلسطيني لعب دوراً طليعياً في مطلع القرن العشرين، وكانت فلسطين تعتبر مركزاً ثقافياً عربياً مهماً.

تزامن هذا الواقع مع تفاقم الأزمة الاقتصادية للسكان العرب وتزايد نسب الفقر؛ ساهم ذلك في بروز نوع من الوعي, وصفه الشهيد كنفاني بالثقافة الشعبية, والتي انتشرت في الريف الغارق في الجهل التعليمي, ولكنه يعيش اشتباك يومي مع المستعمرين تجعله مضطر لنقاش واقعه مع جمهور الفلاحين حوله, وبوجود عدد من (القوالون) وهم الذين يقصون الحكايات والقصص، فقد استطاعوا نشر الوعي السياسي بين صفوف السكان الريفيين الفقراء.

وهنا لا بد لنا من اقتطاع نصاً حرفياً لغسان: "إن طبيعة الصدام المركب والمعقد على صعيد الثقافات بين الدعوة إلى الثورة والدعوة إلى الاستكانة، والتي تأخذ أكثر أشكالها تعقيداً وبطئ في الريف المتخلف على وجه الخصوص، هي مسألة مهمة, أن كثيراً من العناصر التي تبدو لأول وهلة أنها ستلعب دوراً سلبياً في هذا الشأن، مثل إمام المسجد على سبيل المثال، وهو أكثر الدعاة في الريف نفوذاً، لا تفعل ذلك بصورة مطلقة، وفي فترات معينة يكون مستوى التناقض الوطني قد بلغ حداً يستلزم من إمام المسجد أن يبرر مكانته، مثل هذا العمل إن لم يؤدِ إلى نتائج إيجابية مباشرة، فهو يخلخل بالنتيجة "سطوة العصمة" التي لرجل الدين في الريف. من هذه الزاوية كان الصراع الثقافي بين الدعاة الثوريين وبين الرجعيين في الريف، وبين الدعاة الثوريين وبين العدميين والرومنطيقيين في المدينة، يكسب كل يوم لمصلحة الثقافة الثورية. ألهبت طليعة من الشعراء النضال المسلح وجعلوه جزءًا من التراث الثقافي للجماهير، بالإضافة إلى الدور اللافت الذي لعبته الصحف والمقالات الأدبية والقصص وحركة الترجمة. تلك الانطلاقات هي التي شكّلت المد الثقافي الثوري في الثلاثينيات، وعملت على تنمية الوعي وكانت سببًا في تفجير الثورة".

مرحلة الثورة:

كثيرين يرون أسباباً مختلفة لثورة 36، ويعتقدوا أن الثورة وليدة لحظة ما وحدث ما في مكان ما، لكن الشهيد كنفاني وعبر سياق الثورة الذي تناوله بكل دقة وإبداع يؤكد أن الثورة حدثت في سياق تراكمي, ولها أسبابها الموضوعية، كما لإجهاضها أسباب، ومن أهمها تربع القيادات الإقطاعية-الدينية على رأس حركة الجماهير، مستفيدة من ضمور البرجوازية العربية، ومن حد معين من التناقض بينها وبين الإمبريالية البريطانية التي كانت ترسي نفوذها عبر حلفائها مع الحركة الصهيونية، بالإضافة لصغر حجم البروليتاريا العربية وضمور الحزب الشيوعي الذي تعرضت عناصره العربية إلى بطش وإرهاب القيادات الإقطاعية-الدينية منذ أواخر العشرينيات. ولأن غسان يعي دور الانتفاضة الحقيقية التي فجرها الشيخ "عز الدين القسام" فإنه اعتبرها البداية الحقيقية لثورة 1936، كما أن غسان يتفق مع ما ورد في تقرير اللجنة الملكية البريطانية الذي يرد أسباب الثورة إلى سببين رئيسيين هما: رغبة العرب في نيل الاستقلال القومي، وكرههم لإنشاء وطن قومي لليهود وتخوفهم من هذا المشروع. ويستطرد غسان في أسباب الثورة إلى وصول حدة التناقض في عملية انتقال المجتمع الفلسطيني من الزراعي الإقطاعي العربي إلى اقتصاد صناعي برجوازي يهودي إلى ذروتها، تعميق حالة الاستعمار وتجذيرها ونقلها من حالة الانتداب إلى حالة الاستعمار الإسكاني الصهيوني.

رفعت الثورة ثلاث شعارات أساسية تلخص أسباب اندلاعها وهي: الوقف الفوري للهجرة اليهودية، حظر نقل ملكية الأراضي العربية إلى اليهود، وإقامة حكومة ديمقراطية يكون النصيب الأكبر فيها للعرب وفقا لغالبيتهم العددية. ويرى غسان أن فضفاضة هذه الشعارات كرست إلى حد بعيد هيمنة القيادات الإقطاعية على الحركة الوطنية.

يرى غسان أن قيادات الحركة الوطنية أرغمت على تبني الكفاح المسلح كونها لم يعد بوسعها أن تظل متربعة على سدة القيادة، في وقت وصل فيه التناقض إلى شكل صدامي حاسم، كانت مقدمته حركة عز الدين القسام والعنف اليهودي المتزايد.

قدم غسان كنفاني تحليل عميق لشخص عز الدين القسام ودوره في الثورة في النص التالي: "إن الحديث عن ثورة 1936-1939 يستلزم وقفة خاصة عند الشيخ عز الدين القسام، فبالرغم من الكثير الذي كتب عنه إلا أنه بوسعنا أن نقول بأن هذه الشخصية الفريدة كانت ولا تزال وستظل شخصية مجهولة في الحقيقة. إن معظم الذي كتب عنه قد مسه من الخارج فحسب, وبسبب هذه السطحية في دراسة شخصيته لم يتردد عدد من المؤرخين اليهود في اعتباره درويشاً متعصباً، فيما أهمله الكثيرون من المؤرخين الغربيين، وفي الواقع يبدو أن الإخفاق في إدراك العلاقة الجدلية بين الدين والنوازع الوطنية في العالم المتخلف هو المسؤول عن التقليل من أهمية الحركة القسامية، ولكن مهما كان الرأي في أفكار القسام، فمما لا ريب فيه أن حركته 12/11/1935-19/11/1935 كانت نقطة انعطاف لعبت دوراً مهماً في تقرير شكل متقدم من أشكال النضال، إذ أنها وضعت زعامات الحركة الوطنية الفلسطينية التقليدية التي كانت قد انقسمت على نفسها وتشتتت وتشرذمت، أمام امتحان لا يمكن الفرار منه".

وجه البريطانيون ضربتهم في الرد على العصيان المدني والمسلح نحو مفصلين: الأول الكادر التنظيمي الذي كان بالإجمال أكثر ثورية من القيادات، والثاني الجماهير الفقيرة المشتركة في الثورة, والتي لم تكن تتمتع في الحقيقة إلا بحماية سلاحها ذاته، ذلك يفسر من وجهة نظر غسان أن العنصرين الوحيدين اللذين يتمتعان بكفاءة تنظيمية نسبية في قيادة الثورة، هما "عوني عبد الهادي" و"محمد عزة دروزة"، وقد جرى اعتقالهما فيما يتعرض الآخرون إلى اعتقال أو مضايقة تصل إلى حد الشلل الكلي، إلا أن هذا التضييق لم يمنع بريطانيا من إعطاء أربع قيادات للثورة تأشيرة سفر إلى لندن ومقابلة وزير المستعمرات في 12 حزيران، وهذا الحدث برأي غسان استثمر من قبل بريطانيا بنشر جو مريح ساعدت القيادات الإقطاعية-الدينية على إشاعته بين الجماهير وخلال خطب الجمعة. هذا يؤكد ما قاله كنفاني في دراسته من أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية اعتبرت منذ البداية حركة الجماهير مجرد ضاغط يهدف إلى تحسين أوضاعها كطبقة لدى الاستعمار البريطاني، وقد أدرك البريطانيون هذا الواقع بشكل عميق وتصرفوا وفقه، ولكن رغم ذلك لم تمنح حكومة الانتداب أية مكاسب للطبقة الإقطاعية-الدينية وأصرت على تحقيق التزاماتها بتثبيت الحركة الصهيونية في فلسطين.

حراك الوساطة الذي قام به الأمير "عبد الله" أمير شرق الأردن و"نوري السعيد"، لدى قيادة الحركة الوطنية الإقطاعية-الدينية لم يفلح بإنهاء الإضراب كون الجماهير لم تكن جاهزة للتدجين بعد، إلا أنه أثر على المناخ العام للثورة, وترك جو يحي بأن التناقض القائم هو تناقض قابل للتسوية.

في 11/10/1936 وزعت اللجنة العربية العليا بياناً يطلب إنهاء الإضراب, وبالتالي إنهاء الثورة، وذلك بناء على إرادة أصحاب الجلالة والسمو وملوك العرب, ووفقاً لبيان اللجنة العربية العليا, فإن طلب أصحاب السمو لن يكون إلا لما فيه مصلحة الشعب العربي والجماهير الفلسطينية، وبعد ذلك بشهر تعلن القيادة العامة للثورة العربية في سوريا الجنوبية-فلسطين في بلاغ وقعته قيادة الثورة، والتي تخضع لقرار المفتي العام توقيف أعمال العنف تماماً, وعدم ممارسة أي فعل يؤثر على جو المفاوضات التي تجريها قيادة الحركة الوطنية ووفد الملوك العرب مع بريطانيا. هذا لم يمنع مجموعة مكونة من أربع فدائيين مسلحين في أيلول 1937 من إطلاق النار على أندورز، حاكم الجليل في الناصرة فاردوه قتيلاً، وتجدر الإشارة إلى أن الفلاحين والعمال العرب صديقاً لليهود، وكان مهمته تسهيل نقل لواء الجليل إلى الدولة اليهودية التي حددها مشروع التقسيم. ومع أن اللجنة العربية العليا استنكرت هذا الحادث في الليلة ذاتها، إلا أن الموقف تشابه مع يوم استشهاد الشيخ عز الدين القسام، فقد خرج من بين أيدي المفتي وجماعته، وكان عليهم إذا أرادوا البقاء على رأس الحركة الوطنية اللحاق بها وركب موجتها كما حدث في نيسان 1926، إلا أن هذه المرة كانت الثورية عند الجماهير مندفعة بشكل عنيف وشديد. هذه المرحلة من الثورة كانت ضد البريطانيين وليس الصهيونيين، وقد أفرز نمو التناقض المواقف إفرازاً أكثر حسماً ساعد الفلاحين للهيمنة كليا على الثورة، وتراجع دور البرجوازية قليلاً إلى الوراء، وأخذ أثرياء الريف وكبار الفلاحين المتوسطين يترددون في مساندة الثوار، وانتقلت القوى الصهيونية إلى حالة هجومية فعالة.

يرى غسان في دراسته مسألتين مهمتين وهما:

قدم غسان كنفاني من خلال طرحه مسألتين مهمتين حول الثورة، وأكد ضرورة التوقف عندهما:

المسألة الأولى: أن العرب تواصلوا مع اليهود، واقترحوا عليهم التوصل إلى نوع من الاتفاق لقطع علاقاتهم مع بريطانيا، لكن اليهود رفضوا ذلك الاقتراح على الفور.

المسألة الثانية: أن وجود زعامة الثورة خارج فلسطين (في دمشق) قد جعل دور القيادات المحلية المنحدرة من أصل فلاحي فقير دوراً أكبر مما كان في الحقبة المنصرمة، وكان هؤلاء يرتبطون مع الفلاحين ارتباطاً وثيقاً، وذلك يفسر، إلى حد بعيد، المدى الأبعد الذي كان بوسع الثورة أن تصله؛ ففي الفترة بين 1937 وأوائل 1939، كانت الثورة الشعبية أقرب ما يكون للنصر، إذ ضعفت سيطرة القوات البريطانية في فلسطين، لكن كل المساعي نحو إنجاح الثورة قد ضاعت مع عقد الصفقة المشبوهة في مؤتمر الدائرة المستديرة في لندن في فبراير/شباط 1939 بين قيادة الثورة وبين البريطانيين.

أسباب فشل الثورة كما رصدها الشهيد كنفاني في دراسته:

لقد أرجع غسان أسباب فشل الثورة إلى خلل رئيسي يكمن في التقلب السريع الذي مر به المجتمع الفلسطيني من مجتمع زراعي عربي إلى مجتمع صناعي يهودي؛ الأمر الذي منع البرجوازية الوطنية من لعب دورها التاريخي في الحركة الوطنية الفلسطينية، بالإضافة إلى غياب القيادة الثورية, وفردية قادة الثورة وانتهازيتهم، وضعف الحزب الشيوعي الفلسطيني، والتعب من القتال والضغط العسكري المتواصل والعجز في الأسلحة والذخائر، وخيانة الأنظمة العربية للثورة الفلسطينية، وعملاء الثورة المضادة في الداخل، كل ذلك كان من شأنه الإسهام في عرقلة استمرار الثورة.

اعتبر كنفاني في دراسته أن الخسائر البشرية العربية في ثورة (1936-1939)، على أفضل تقدير بلغت نحو 190792 ما بين قتيل وجريح، مُشيراً إلى أن الخسائر الحقيقية والأكثر خطورة تتمثل في النمو السريع للوجود الاستيطاني في فلسطين عسكرياً واقتصادياً، فقد عملت المخططات الصهيونية على إرساء دعائمها من خلال السير في خطين متوازيين: فمن جهة تحالفت مع البريطانيين لأقصى حد، ومن جهة أخرى عملت على تعبئة الوجود الاستيطاني داخلياً تعبئة متواصلة تحت شعار "لا بديل"، وأرست وجودها العسكري وأدواته الحربية والاقتصادية، كما كانت البرجوازية اليهودية هي المستفيد الأول من انشغال العرب بالثورة، إذ حاولت استغلال تلك الفترة في إنجاز الكثير من المشاريع التي لم تكن لتفعلها في ظروف مغايرة.

لقد خيّم على الواقع الوطني الفلسطيني طوال الأعوام الممتدة بين 1936-1939 حالة من الركود، وبانتهاء الحرب العالمية الثانية تشتت النسيج الاجتماعي للحركة الوطنية الفلسطينية، نتيجة التحول العنيف الذي مرت به وإخفاق قادتها في تنظيمها وتعبئتها، بالإضافة إلى ضعف الحركة الوطنية في الدول العربية المجاورة, وعدم وجود حركة يسارية قوية تضغط في الاتجاه المعاكس، في المقابل استغلت الحركة الصهيونية المأزق التاريخي الذي وقعت فيه الأنظمة العربية، واستطاعت في أواسط الأربعينيات أن ترفع درجة تناقضها الجزئي مع الاستعمار البريطاني في فلسطين بعد سنوات طويلة من التحالف.

عكست دراسة كنفاني حول ثورة 36 عمق ارتباطه بالقضية الوطنية المركزية بأبعادها المختلفة, حيث طرح رؤية تحليلية عالجت ما لم يراه الكثيرون في أحداث الثورة ومتغيراتها وأسباب فشلها على المستويات المحلية والعربية والدولية.