مآلاتُ الجهد النقدي الثاقب للزمن لا تُحدِّده نيَّةُ الشكل، بل تَموضعُها في عمق الرؤية الكلية للمعنى الوارف الظلال، قبل مفردات النص السردي أو الشعري، وبهذا يكتمل البحث في جدية قراءة ما، مجردةً أكانت أم واقعية، شكلانية أو مضمونية، أو ما خلفهما!
سمةٌ فاضحةٌ ل غسان كنفاني ومقاصده رافقتْهُ إلى الحين، وهي تكثيفُ مقاصده العُمقيَّة عبر مفردات تبدو بسيطة غير معقدة شكلاً، وهي أيضاً تمتاز بوضوح إفصاحاته في جُلِّ نتاجه التنوُّعي الذي إن تم النظر إليه بشمولية كان أول ما يُستنتج من جنباته هو استخلاصُ البنية العميقة الثابتة الثاقبة، المنطلقة من بؤرة واحدة، صلبةٌ مركزية في دائرة فكرية ثقافية شاملة، متينة الفهم والمقصد.
دائرة الرؤيوية عند غسان كنفاني كما بُنيت في أساسها بقرارة واعية شاملةِ لا عمومية شمولية تتكئ على مرتكز أساسي برأينا، تمزج رهافة الروحية الإنسانية بالقيمية النظرية، وهي تتماثل في نهايات مآلها مع وحدة الكل حتى في جزيئاته المبعثرة جغرافياً وديمغرافياً. ربما يكون هذا هو مما أوصله مسرعاً لفهم العلاقة بين الجزء والكل، المفرد والجمع، وهذا ما نتج عنه بالتالي رؤية متكاملة موحدة الجزيئات، تبعها بالتالي نص يستوعب كلياً جزئيات الإنسانية والقومية والوطنية والروح الثورية الجارفة، وأثقال أخرى!
كانت في منتصف الستينيات- بناء على ما ذُكر في السطور السابقة- التفاتةٌ بسيطة منه ليكتشف بذاته ما تم منعه بترتيبات صهيونية– عربية، مُدركاً خطورة فصل كتل الوجود الفلسطيني المتناثر المُحكم الإغلاق عن كُليّته الجامعة، هكذا أظنه فهم الأمر بمحتواه التاريخي والثقافي والسياسي، فردَّ الرجل بإشاعة الكل مع الكل، بناءً على فهم الجامع بوصفه مجموعة "التفريق والفصل"، أي الديمغرافيا المتناثرة، ومن هنا كانت نقطة البدء العبقرية الأخرى التي طبعها غسان على وجه صفحة تاريخه إلى جانب لغته الجذلى.
أظنه أراد ليس الكشف بعينه، بل لحظة ما بعد الكشف عن مجرد نصوص وأسماء أدبية مسجونة في البقعة التي تم احتلالها في العام 1948، أراد أن يجابه أجهزة صهيونية عالمية، وأجهزة مخابرات عربية صنفت الصامدين في الداخل الفلسطيني بالعملاء، واللاجئين خارج الوطن بالمتخاذلين ضمن دائرة منظمة، تهدف إلى كنس وتفتيت الهوية وترسيخ التشرذم والضياع.
أظنّه لحظتئذٍ، بُعيدَ اكتشافه أهمية المسألة وقراره بالبحث عن الداخل الجغرافي في جوانيته، قد قال في ذاته "وجدتها"؟ أي وجدت فلسطين مجدداً!
هكذا يتم التحديد الثاقب الحي في لحظة فهم التاريخي بالثقافي، بالسياسي، إذ تُستنبط حينها قنبلة ثقافية معرفية تُطيح بأوهام الفصل والطمس والتلاشي.
حتى ظهور حبر قلم غسان لم يكن هناك ما يُذكر عن صفحات أدباء وشعراء فلسطينيين في المناطق المحتلة عام النكبة إلا قليلاً، بقوة قادر مدعوم عالمياً ومنتشر كان المُبتغى أن يُسموا "أدباء إسرائيليين يكتبون بالعربية" داخل الكيان- لترويج ديمقراطية النازية الصهيونية، كما ويُنعتون بالخونة من أبواق الأنظمة خارج نطاق جغرافيا الكيان، حتى ضخ غسان حبره البارع فأفشل الخطة!
كان هؤلاء الأدباء ونصوصهم موجودين، لم يصنعهم غسان بالتأكيد، لكنه غيَّر ملامح وجودهم، بل وتسمياتهم، لقد تم نقلهم إلى مفردات القطار الوطني، بعد جهد صهيوني هائل بإنزالهم في محطة 1948، وتمت إعادتهم إلى أسمائهم وسماتهم الحقيقية "أقلام فلسطينية" تتواجد في لحظة مجردة من التاريخ والجغرافيا، فُرضت عليهم الهوية الاحتلالية، وفَرضت عليهم الأنظمة استكمالاً لذلك صفة "الخانعين أو الخونة"، هكذا أعاد غسان جزءاً أساسياً من الأدب الفلسطيني للتصنيف مع دائرة الكل الذي استحالت تجزئته، وذلك فقط عبر قلم مبدع ثاقب، خطَّ حروفه في دراسة عنوانها "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة" وصدرت في العام 1966 – (لم تكن الضفة الغربية وغزة و القدس تحت الاحتلال بعد!!). كان غسان قبلها بزمنٍ، قد تكثفت بخاصة غزارة وعيه وكتاباته، بعد نشره لبعض قصائد وقصص الصامدين في الداخل خلال العام 1965 من خلال نشرات فردية حيناً ضمن منشورات التثقيف الداخلي لأعضاء حركة القوميين العرب، وفي الصحف التي يعمل بها حيناً، كما قيل شفهياً أنه في خلال تواجده في الكويت ودمشق وبيروت كمدرس ثم فنان تشكيلي وصحفي، كان يذكر ذلك لطلابه وأصدقائه، ويعمل بصعوبة على التقاط نتاجات الأدباء والفنانين الذين وقعوا أسرى ضمن حدود هيمنة الكيان النازي الصهيوني عقب النكبة، وقبل النكبة الثانية (النكسة) هكذا صدح صوت مقاومة فريدة يكاد يختنق في سجن الداخل" داخل الخط الأخضر"، فتعرف العالم على أسماء مهمة وحروف مضيئة تفوح بالثورة والمقاومة والكرامة والتمسك والصمود المر، كما إنها نصوص ناضجة فنياً بشكلها العام، بل وتحمل سمات تأسيس مدرسة شعرية وروائية ومسرحية تفوق توقعات النقاد والباحثين، فقد اتسمت أول ما أتسمت به بحق سؤال الهوية وتوقعات المصير وأروقة الثبات، كما والبحث عن مخرج بالإضافة إلى عنف وعسف المعاناة اليومية ومواجهة الغاصب العنصري المدجج بالسلاح والكراهية والتزوير، وهو ما نتجت عنه رؤيتان أساسيتان؛ الأولى تُفضل المقاومة المباشرة، والأخرى المقاومة غير المباشرة. الأولى تقاوم بترسيخ الهوية والسلاح والتجذر، والثانية باختراق الكيان- مثلها إميل حبيبي-، وترتكز إلى فكرة الثبات بداخله وقبول فرض الهوية حتى من خلال مؤسسات، إن ما مثله المبدع إميل حبيبي كان برأيه شق طريق مختلف للصراع مع المحتل وهذا الطريق قد أثبت ويثبت يومياً سذاجته، في حين مثل الرؤية الأولى شريحة أوسع أبرزها توفيق زياد، ومحمود درويش، وسميح القاسم وراشد حسين.
لم تكن نفحات دراسة غسان كافية بالتأكيد لتحقيق إيضاح كل ذلك، لكنه، وعلى الرغم من عدم سعة وشمولية دراسته تلك– التي تمثل رؤية وحالة تعريفية أكثر منها نقدية – إلا أنه رسم ملامح لوحة كانت باهتة، بل مطموسة قبل ذلك، وهكذا ارتكزت الأقلام اللاحقة إلى براعة قلم ومفردات غسان للمتابعة في إدراك ودراسة أهمية أدب الداخل، ورموزه، بخاصة وأنه خلق بشكل واسع تقليداً غير سائد عربياً، وهو أن يحاول الأديب التعريف بنظيره أو ترويج أديب آخرّ!
إذا فقد آثر غسان وطنيته على فرديته وهو كما أسلفنا نادر الحدوث عربياً، وما زالت هذه الحالات حتى اليوم نادرة، فالكتابة من قبل أديب عن آخر ينتمي لذات الاختصاص يتمحور غالباً في الذم لا النقد، وفي التجريح وليس لفت الانتباه لجوانب إبداعية أو مضمونية راقية، ولهذا السبب يشعر المثقفون والكتَّاب حتى اليوم بأهمية جهد غسان المتنوع، هذا الذي ربما لم يكن جهداً خارقاً بحد ذاته، بقدر ما كان مختلفاً عن المسارات المألوفة، كان وقتها غسان مرتعشاً هلعاً مسكوناً برهبة الخوف على الهوية.

