Menu

انفجار مرفأ صاعق انفجار بلد..

نضال عبد العال

نُشر في العدد 17 من مجلة الهدف الرقمية

شكل الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت في ٤ آب الفائت، محطة نوعية جديدة في مسار الأزمة التي يمر بها لبنان، فبغض النظر عن تفاصيل الملابسات والظروف، إن كان الحدث عرضي أو بفعل فاعل، فإن نوعية المفصل الجديد الذي يشكله هذا الحدث، مرتبطة بحساسية اللحظة التي يمر بها لبنان، والسياق العام للأحداث الراهنة التي تحكم المشهد، وفي الأسباب التي ما زالت غامضة، وهي رهن بنتائج التحقيقات التي انطلقت في الساعات الأولى للانفجار تجهد الأجهزة المختصة للاحاطة به.

 فعدا عن الأوضاع الوبائية التي تضرب العالم بأسره، ولبنان بات في وضع التفشي المنفلت خارج السيطرة، جاء الانفجار في ظروف لبنانية استثنائية، ناتجة عن أزمات مالية اقتصادية سياسية اجتماعية معيشية، تراكمت وتجمعت لتفضح مأزق النظام الطائفي التي احتقنت في شرايينه سنوات الفساد والهدر والنهب، فانفجر مخلفًا الضحايا والدمار والخراب في كل تجاه، وكان من بينها مرفأ بيروت، لذلك سيحمل هذا الانفجار دلالات ومعاني عميقة هي أكبر من انفجار مرفأ، على أهمية هذا المرفق الحيوي للبلد بأبعاده، المالية والاقتصادية والسياسية والأمنية، والتوجس مشروع من أن يودي هذا الانفجار بالبلد، كما يرغب البعض ويسعى.

هنا ستجد ذهنية المؤامرة  من مختلف الخلفيات، أرض خصبة لنسج سيناريوهات لحبكات تبدو منطقية في اتجاهات متعاكسة، فمن الصعب التصديق أن ما حدث هو محض صدفة! لدرجة أنه قد يكون الإصرار على أن الانفجار صدفة، هو المؤامرة بحد ذاتها، لكن الوجه الآخر للمؤامرة؛ هي في استباق التحقيق والتشكيك به قبل أن يبدأ والقفز عنه أصلًا، لإصدار أحكام مطلقة حتى ولو بالمعنى السياسي، في بلد لكل طرف روايته عن الكون وليس فقط بالسياسة! ولن يجهد اليوم كثيرًا لاختلاق أسباب تناسبه لأي حدث يقع في المستقبل، لكي يؤكد صوابية مواقفه وخياراته. فلا أحد توقف ليقرر أن ينتظر برهة من الوقت، للاستماع للمنطق أو بوازع الأخلاق، مثلما فعل الأمين العام لحزب لله السيد نصر الله، الذي انفرد بهذا الموقف، فسجل نقطة أخلاقية لصالحه، حين رفض الدخول في السجال، بانتظار لملمة الجراح والتفكر بما جرى وكيف جرى، ولاحقا أضاف، إنه لا يوجد لدى حزب الله روايه خاصة، وهو بانتظار الجهات المعنية لتقدم روايتها. فيما تعامل معظم الفاعلين السياسيين الآخرين أفرادًا وقوى، مع الانفجار بشكل تلقائي وعفوي باعتباره مفردة إضافية تضاف إلى مفردات وأدوات الصراع والخصومة الداخلية، ومن الطبيعي أن يأتي في سياق دعم حججها وتأكيد صحة مواقفها ضد الأطراف الأخرى.

هذه العفوية والتلقائية في التعامل مع الحدث صادمة، رغم ضخامة أعداد الضحايا وحجم الدمار والخراب، فإن أكثر ما هو مخيف ومفجع هو الرتابة في التعامل، ما بعد وقوع الانفجار، تمامًا مثل ما قبله.

هنا بالضبط تتغلغل وتعشعش ذهنية المؤامرة، حيث لن يفيد البعض الوصول إلى الحقيقة وهي ليست مطلبًا، وليس مهما ما هي الأسباب والدوافع التي أدت إلى وقوع هذه الجريمة الفاجعة، المهم كيف يمكن توظيفها لتخدم أغراض كانوا يسعون لتحقيقها سابقًا، وأصبح لديهم مادة جديدة بالإمكان توظيفها حاليًا وعلينا أن نتوقع أن تبقى الأمور على ذات المنوال لاحقًا؟

بهذا المعنى جاءت هذه الفاجعة، لتجعل من التسويات المحلية أكثر تعقيدًا، بل تدفع بها إلى حافة المستحيل، وقد يتعذر على الفرقاء الذين يعرفون أساليب وتكتيكات بعضهم البعض، وقد أوصلوا الأمور مرارًا إلى حافة الهاوية، ثم استداروا سريعًا لعقد تسوية تحفظ للجميع مصالحهم، أن يعيدوا تكرار ذات التجربة اليوم، وهذا يجعل البلد مفتوحًا ليكون ساحة رهن المعادلات الإقليمية والدولية، وخصوصًا بعد أن اسقطت الحكومة، في خطوة جاءت لقطع الطريق على إسقاط البرلمان، باعتباره المصدر الأساسي لقوة الأكثرية التي يشكل حزب الله عنوانها الرئيسي، هدف تسعى إليه مكونات ١٤ آذار السابقة التي تتناغم مع بعضها كل من موقعه ومصالحه وحساباته، كما القوى الإقليمية ك السعودية والإمارات، والقوى دولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، لتحقيق هذا الهدف المشترك، عبر سياسات تصاعدية بدأت بالتضييق عليه وحصاره طوال السنوات الماضية، بلغ ذروته في قانون قيصر الذي يشمل حزب الله، كما غيره من حلفاء سوريا، والدفع اليوم بقوة من خلال توظيف انفجار المرفأ لمنع الحزب من المشاركة في أي حكومة قادمة، وإقصاءه عن المشهد السياسي كمقدمة لنزعة شرعيته البرلمانية، وبالتالي تصويره كمجموعة إرهابية، وليست مكون سياسي ذو شرعية شعبية واسعة، مما يسهل تبرير أي عمل عسكري لاحقاً بمسميات مختلفة، إسرائيلية أو دولية ويمكن أن تكون بتحالفات عربية.

الحديث عن تسويات محلية وتشكيل سريع للحكومة، بكل صيغها المطروحة، أمامه حتى الآن الكثير من العقبات الكفيلة بتقويضه حكومة الوحدة وطنية، التي تستخدم دائمًا لإرضاء الجميع بصيغة رابح رابح، تعني انتهاء مخطط عزل حزب الله، وهي خسارة صافية للقوى المحلية والإقليمية والدولية التي وظفت كل إمكاناتها خلال الفترة الماضية لتحقيق هذا الغرض، وبالتالي ما سمي بثورة ١٧ تشرين، خرجت بكفي حنين، حتى لو حاول البعض الترويج لإرضاء الشارع بتمثيله، مما يعني انتصار النظام على الشارع باستيعابه، بدل تغييره.

أما حكومة الحياد، وبدون الدخول بمعاني الحياد ودلالاته، هي صيغة انقلاب على الأكثرية البرلمانية، وبالتالي طرحها إما يكون فرض بقوة الخارج أو مناورة مكشوفة لقوى هي أقلية بالمعنى التشريعي، وطالما أن الأكثرية البرلمانية بيد حزب الله وحلفاءه فهي لغو فارغ.

عندما أسقطت حكومة التكنوقراط فداء لمنع سقوط الأكثرية البرلمانية، أصبحت بحكم المستبعدة مستقبلًا، ويؤشر ذلك إلى عدم نضوج المقاربة الإقليمية الدولية، وما نسمعه من صراخ واتهامات هي مجرد مناورات لحرق كل التسويات المحلية، وبالتالي استبعادها، تمهيدًا لوضع اللبنانيين أمام التدويل كخيار وحيد مخرجًا من المأزق، أما الموت في الفوضى والفقر والجوع وسط الدمار الذي استعادته بيروت مشهد من ماضي الحرب الأهلية أو الخضوع لصيغ مقبولة دوليًا وإقليميًا حدها الأدنى حصر حزب الله تمهيد لقتله، وعليه فإن لبنان ومنذ مدة يدفع باتجاه التدويل، وأتت جريمة تفجير المرفأ لتشكل قوة دفع إضافية، حيث علت الأصوات منذ اللحظة الأولى مطالبة بتحقيق دولي، اتبعت بمشهد كاريكاتوري هزلي رمزي، لعريضة قدمت لماكرون تطالب فرنسا بانتداب لبنان الذي قرر كناطق باسم المجتمع الدولي، أن المساعدات ستقدم للمجتمع المدني، وليس للدولة اللبنانية عبر الجمعيات والمؤسسات الأهلية؛ ثم تقاطرت السفن الحربية الغربية إلى المرفأ بحجة المهام الإنسانية ومسح الأضرار وغيرها. وبينما ينتظر لبنان موعد ٢٨/اب لنقاش مهمام اليونيفيل في الجنوب على الحدود مع فلسطين المحتلة، ومن المتوقع أن تكون فرصة للضغط على لبنان لتنفيذ بنود القرار ١٧٠١ لترسيم الحدود جميعها، من مزارع شبعا إلى المعابر مع سوريا وموضوع الغاز والمربع رقم ٩ مع الكيان الصهيوني.

في ذات السياق يأتي قرار المحكمة الدولية بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حيث قررت المحكمة اتهام احد أفراد حزب الله، رغم كل ما يمكن أن يقال عن ضعف القرار وصدقية المحكمة، فهي أنشأت بقرار دولي ١٧٥٧ استنادًا للفصل السابع، وملزم لبنان التعامل مع قراراتها، وبالتالي سيشكل القرار أدوات ضغط إضافية على حزب لله للتجاوب مع ما يصدر عنها، وهو أعلن سابقاً أنه يعتبرها غير موجودة أصلاً، وغير معني بما يصدر عنها، ولكن ذلك لا يلغي أنها أداة ضغط إضافية باتجاه التدويل.

في كل الأحوال، هذه ظروف صعبة ومفصلية التي يمر بها لبنان هي في النهاية جزء من الصراع الذي تمر به المنطقة برمتها، وجوهرها الصراع مع الكيان الصهيوني، وهي مرحلة دقيقة وحساسة كل نقلة على لوحة الشطرنج، يجب أن تكون محسوبة، لأنها غير منفصلة عن ما يسبقها أو ما يليها، وهي تعكس الأبعاد الحقيقية لصفقة القرن كمشروع لإعادة صياغة المنطقة برمتها وفقًا للمصالح الأمريكية الصهيونية.