Menu

هل يتراجع الضم بعد التطبيع...؟

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة الهدف الرقمية

تتقدم إسرائيل بالمنطقة بلا شك، وهذا هو أبرز نتائج الاضطراب في الإقليم الذي قضى على دول كانت من أشد العداء لها مثل؛ سوريا و ليبيا واليمن، فيما أضعفت باقي الدول العربية التي لم تتأثر بشكل مباشر بما عرف بالربيع العربي، ولكن قدر الخوف الذي ينتاب النظم من موجة الاضطراب كان كبيرًا.

عرفت إسرائيل كيف تخرج من كل هذه الفوضى بأكثر المكاسب، فهي دولة تحسب بهدوء شديد، وتعرف كيف تلتقط الفرصة، وبات واضحًا أن نهايات ما عرف بالربيع وقعت كلها في جيب إسرائيل كيف ولماذا؟ تلك قصة طويلة، لكن تداعيات هذا على المنطقة هو الأخطر.

دول ما سارت في ركب الفوضى ومثقفون كثر خدعتهم الشعارات وتحولوا لمنظرين لها، انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه؛ الجميع في حالة ضعف وإسرائيل استمدت مزيدًا من القوة, حالة الضعف التي انتابت العالم العربي والشعور الإسرائيلي بالتفوق بالتأكيد لها أسباب ومقدمات ووقائع عديدة؛ فعالم لا زال يعيش عصر الخرافة وبعيدًا عن الاقتصاد والتكنولوجيا والفكر الحديث، حيث يقف عند زمن القرون الوسطى، فيما عملت إسرائيل منذ قيامها ببناء جيش واقتصاد ومؤسسات وجامعات ونظام سياسي حديث يشبه الدول الأكثر تقدمًا، فبقينا أمام نموذجين كان من الطبيعي أن يتفوق فيها النموذج الإسرائيلي، فيما يبقى النموذج العربي رهن مستوى وعيه ومستوى إنتاجه من مؤسسات بدائية قبلية، ما حدث بالإعلان عن اتفاق إسرائيل والإمارات، وإن كان مفاجئًا، لكنه كان متوقعًا، ليس فقط بالمقدمات التي شهدناها قبل ارتباطًا بموقع كل دولة وطبيعة ما ساد في الإقليم من سنوات الذي جعل نتنياهو يزور عُمان ووفد إسرائيلي في الدوحة ولقاء رئيس المجلس السودان ي عبد الفتاح البرهان وصمت كثير من الدول عن السلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، وهو ما لم يكن سابقًا، والمواقف غير الصارمة في أحسن أحوالها من إعلان الرئيس الأميركي عن صفقة القرن وحالة الخوف الشديد على الدول والنظم وتضخيم الخطر الإيراني، حيث جاء ذلك لواحدة من أبرز توصيات مؤتمر هرتسيليا الثالث عشر الذي انعقد عام 2013 بضرورة تسعير الصراع بين السنة والشيعة.

على كل ربما تذهب دول عربية أخرى، وهذا ليس فقط متوقع، بل وارد جدًا، حيث الصمت الموافق على الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي وحديث إسرائيل عن التحاق دول عربية أخرى في الفترة القادمة، فقد انهار الإقليم وانهارت معايير الحكم القديمة وإسرائيل تتقدم أكثر باتجاه دول أصبحت ترى في تل أبيب خيط نجاتها أو ضمانة استمرارها واستقرارها، ولكن اللافت في الاتفاق الإماراتي هو ترويج البعض أن أي تقارب مع إسرائيل من شأنه أن يوقف المشاريع الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وهنا جرى الحديث عن نموذج وقف الضم مقابل التطبيع، وهو ما يتعارض بالقطع مع سياق النقاش الذي دار بقوة شهري أيار وحزيران، قبيل الموعد المحدد بالإعلان عن الضم وهو الأول من تموز.

ما جرى آنذاك أن الولايات المتحدة تعرضت لضغوط كبيرة من الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية بضمنها الأردن، وكان هناك موقف مختلف لشركاء نتنياهو في الائتلاف؛ "غانتس واشكنازي" وزراء الدفاع والخارجية. الولايات المتحدة ترددت واستغلت موقف الشركاء فطلبت إجماعًا إسرائيليًا والشركاء واستغلوا التردد الأميركي، فطلبوا موافقة أميركية صافية، لكن الأساس هنا هو الموقف الفلسطيني الذي أعاد تصليب المواقف العربية والدولية، وبالتالي أصبح الموقف أمام الإدارة الأميركية أكثر صعوبة، وليس كما فالبداية من استسهال للأمر.

هناك سذاجة في الاعتقاد بأن إسرائيل قد تتراجع عن برنامجها السياسي أو الأيديولوجي إكرامًا للعرب لسببين:

الأول: أنها تعتبر نفسها قوة إقليمية كبيرة، بينما العرب في غاية الضعف هي المنتصر وهم المهزومين، وبالتالي لا يستجيب المنتصر لشروط المهزوم.

الثاني: هو أنها ترى في العرب أنهم مجرد قبائل قديمة لا تأخذهم على محمل الجد، فالنظرة الإسرائيلية للعرب هي نظرة فوقية شديدة الغطرسة، لذا فهي ليست مستعدة لتقدم تنازلات من أجلهم، بل باتت تعتقد أن الدول العربية هي من ترغب بفتح علاقات مع إسرائيل، وفي هكذا أوضاع لماذا تدفع إسرائيل ثمن لهم حتى لو كان صغيرًا، فمنا بالنا حين يكون الثمن سياسيًا وأيدلوجيًا؟

الكاتبة الإسرائيلية في جريدة هآرتس عميرة هاس نشرت في هذا الجدل ما يعكس كيف تفكر إسرائيل، إذ كتبت "إسرائيل لن تغير وجهها ولن تتنازل عن قسماتها الاستيطانية من أجل عيون حكام الإمارات... دول أوروبا الغربية تدين وتحذر وتطلق تصريحات منددة ومحذرة من الاستيطان، ومع ذلك كل يوم توثق روابط الصداقة والتجارة والسلاح مع إسرائيلا كالمعتاد، دون أي خطوة حقيقية تردع إسرائيل من الاستمرار في وضع الشعب الفلسطيني تحت حذيتها بدون أية حقوق, فإذا كانت إسرائيل تتعامل بهذا الاستخفاف مع تنديدات وتحذيرات أوروبا الغربية الديمقراطية الملتزمة بحقوق الإنسان فكيف بمحمد بن زايد غير المنتخب؟".

هذا الأمر هو بيت القصيد حين لم يردع العالم القوى إسرائيل، والذي تحتاجه إسرائيل تكنولوجيًا واقتصاديًا وعلميًا، فهل سيردعها عالم عربي تتعامل معه على أنه مهزوم وضعيف وبدائي ويحتاجها بكل النواحي...؟