Menu

انفجار مرفأ بيروت: متى يخرج طائر الفينيق من تحت الرماد؟

رضي الموسوي

نُشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة الهدف الرقمية

في العام 1981، وبينما كنت نازلًا من "السيرفيس" بالقرب من قاعة جمال عبد الناصر بمنطقة الجامعة العربية، وإذ بانفجار يقذفني على الحائط الخارجي للقاعة التي شهدت الكثير من فعاليات الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. كان الانفجار كبيرًا لدرجة أنه أثار استنفارًا كبيرًا وإرباكًا شديدًا في ذلك المثلث الذي يعج بالكثير من مكاتب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ويتردد عليه العديد من القادة الفلسطينيين واللبنانيين، وكان الشارع المتفرع من شارع الجامعة الرئيسي يغص بالشهداء والجرحى والخراب الرهيب. بعد قليل تبين أن الانفجار ناجم عن عبوة من (تي. إن. تي) يبلغ وزنها أكثر من مائة كيلو جرام، وضعت في سيارة رُكِنت عند البناية التي فيها مشغل للخياطة تابع لمنظمة العمل الشيوعي اللبناني، تعمل فيه عشرات النساء اللاتي قضى أغلبهن، حيث يقع المشغل في القبو تحت الأرض.

بعد أيام زرت بمعية المناضل الراحل عبد الرحمن النعيمي مركز التخطيط الفلسطيني الذي يقع في نفس المنطقة لنطمئن على الأخوة هناك، كان رئيس المركز الأستاذ منير شفيق هو من استقبلنا هناك، وجرى الحديث عن الانفجار ومن يقف وراءه، فقال شفيق ما معناه: علينا البحث عن المستفيد من هذا الدمار الذي خلفه الانفجار.. ليس هناك مستفيدًا سوى الكيان الصهيوني وعلينا توجيه أصابع الاتهام له. في تلك الفترة الحرجة من تاريخ لبنان والثورة الفلسطينية، كانت السيارات المفخخة تتفجر في كثير من الأمكنة في بيروت الغربية، في وقت لا تزال الحرب الأهلية قائمة، ويدفع الناس أثمانًا باهظة لذاك العبث والإجرام الذي ساد، وكأنه كُتب على هذه المدينة الجميلة الصامدة أن تعيش القلق المتصاعد بترجمة الصراعات الإقليمية على أرضها على شكل دماء تسيل في الشوارع!

واليوم.. هل يقف لبنان أمام مرحلة إعادة أجواء الحرب الأهلية التي عصفت به طوال خمسة عشر عامًا؟

تزامن انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب (أغسطس) الجاري الذي يعتبر رابع أكبر انفجار في العالم، مع أكثر من حدث على المستوى اللبناني والعربي، أهمها ذكرى انتصار المقاومة اللبنانية في عدوان تموز 2006، وقبيل أيام من إعلان المحكمة الدولية حكمها في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي قضى بتفجير رهيب في 14 شباط (فبراير) 2005 وراح ضحيته أكثر من عشرين شخصًا وعشرات الجرحى، وما تركه هذا الموعد من استنفار في صفوف الاطراف السياسية اللبنانية. كما تزامن الانفجار مع الإعلان الرسمي عن تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني والإمارات العربية المتحدة، فضلًا عن تصاعد الحديث عن دخول دول خليجية وعربية أخرى في نادي التطبيع، وكذلك مع تصاعد الخلاف حول ترسيم الحدود البحرية بين الكيان الصهيوني ولبنان، حيث يَعِد البحر بثروات هائلة من الغاز والنفط تريد الدولة العبرية السيطرة والسطو عليها.

لقد تمكن العقل من الانتصار جزئيًا، في مسألة حكم المحكمة الدولية في اغتيال الحريري، فقد أطلقت تصريحات "تبريدية" مسؤولة من الرئيس سعد الحريري يطلب من أنصار تيار المستقبل عدم القيام بأي ردات فعل بعد صدور الحكم، كما فعل حزب الله ذات الشيء لتفادي أي اصطدام بين جمهور الطرفين، في وقت لا تزال فيه بيروت تضمد جراحاتها الغائرة جراء انفجار المرفأ الذي يشكل رئة هذه العاصمة التي احتضنت كل أحرار العرب والعالم طوال العقود الماضية. لقد تعرض الاقتصاد اللبناني إلى ضربة قاصمة في هذا الوقت الذي ينهار فيه سعر صرف الليرة ويتضخم الدين العام ليصل إلى أكثر من 90 مليار دولار، حسب جمعية المصارف اللبنانية، وتزيد فيه البطالة، وفق مجلة فورين بوليسي عن 32 بالمئة منتصف العام الجاري مقابل 25 بالمئة في تشرين الماضي، وكأن أمام اللبنانيين حائطًا مسدودًا يدفعهم دفعًا إلى الهجرة أكثر من أي وقت مضى.

يقدر الخبراء حجم الخسائر الناجمة عن انفجار المرفأ ما بين 10 مليارات إلى 15 مليار دولار كخسائر مباشرة هي كلفة البنى التحتية التي تضررت، فضلًا عن الخسائر البشرية التي بلغت حتى الآن نحو 200 شهيدًا وأكثر من 6000 جريح و300 ألف مشردًا من بيوتهم. 

يعتبر مرفأ بيروت الشريان الحيوي الذي يمدها بالغذاء والبضائع والسلع، ويعيد تصدير الكثير منها إلى موانئ المنطقة والعالم، ويتعامل مع أكثر من 300 ميناء، وترسو فيه سنويًا أكثر من 3100 باخرة متعددة الأحجام، وتشكل عائداته الجمركية نحو 80 بالمئة من إجمالي العائدات في مرافئ لبنان ومطاره والمراكز الحدودية البرية، كما يؤمن نحو 85 بالمئة من حاجة لبنان من القمح، ما يثير قلقًا جديًا إزاء توفير القمح وتعويض الذي عطب بفعل الانفجار وتدمير الصوامع، خصوصًا وأن المرفأ البديل المتمثل في مرفأ طرابلس لا يمكنه القيام، إلا بنسبة قليلة من مهمات مرفأ بيروت، ولا يحتوي على صوامع التخزين.

ومرفأ بيروت يعتبر واحدًا من المرافئ الضاربة في القدم، وقد تم تشييده منذ العهد الفينيقي، إلى جانب مرافئ صيدا وصور وطرابلس.

وتشير بعض الدراسات إلى أنه في العصر الإسلامي استخدم معاوية بن أبي سفيان مرفأ بيروت في بناء السفن وقام بتحصينه، كما حرصت الحملات الأجنبية على التمسك بهذا المرفأ الذي يشكل نقطة ارتكاز للسيطرة على مدينة بيروت والمناطق الأخرى، حيث كانت العمليات العسكرية بحرية في أغلبها. كما تشير بعض المصادر إلى أنه "عندما سيطرت الدولة العثمانية على بيروت وبلاد الشام، شعرت بأهمية مرفأ بيروت، كما شعرت الدول الأجنبيّة بذلك، سواء على الصعيد الاقتصادي أم على الصعيد الاستراتيجي، ولهذا بدأت أهمية بيروت كمدينة ناشئة تظهر بوضوح. وفي القرن الثامن عشر الميلادي بدأت بيروت تحتل مكانة اقتصادية بارزة، وأصبحت أكثر مدن الساحل الشامي تجارةً وسكانًا، وذلك بفضل مينائها وعوامل اقتصادية أخرى". وقد حرص العثمانيون على تطوير المرفأ وتأسست شركات لهذا الغرض عام 1894، ما أثار حفيظة الفرنسيين والإنجليز، واعتمدت الدولة العثمانية عليه كمرتكز لنشاطاتها ولرسو بواخرها العسكرية. وفي العصر الحديث تم تطوير المرفأ ببناء صوامع القمح التي مولتها دولة الكويت عام 1968 بموجب اتفاقية قرض بين لبنان والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.

هذا التاريخ العريق لمرفأ بيروت وما شكله من أهمية إلى لبنان والدول المجاورة، بدأ يتضرر بفعل المحاصصات الطائفية التي سادت في العقود الأربعة الأخيرة، بشكل أثر على الواقع اللبناني بمجمله ومنه حالة مرفأ بيروت. ففي مطلع نيسان (ابريل) 2011، نشرت صحيفة الاخبار اللبنانية تقريرًا عن ترقيات للعاملين في مرفأ بيروت تبين أنها انطلقت من الوازع الطائفي المذهبي، وليس من الحرص على تطوير المرفأ، وقد شملت الترقيات العاملين الذين ينتمون لأحزاب كانت تسيطر على الحكومة مثل تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب الاشتراكي، وذلك بغض النظر عن أداء الذين تمت ترقيتهم، ما يؤكد على شبهات الفساد المتفشية في مفاصل الدولة اللبنانية، وفق ما أوردته الصحيفة المذكورة التي لفتت إلى أن حساسية الوضع الذي ربما قاد إلى نتائج تتصل بما حصل في المرفأ يوم الرابع من آب الجاري؛ فشحنة نترات الامونيوم التي يجرى التركيز على أنها سبب الدمار الكبير، تحمل في طياتها قصة غامضة في كيفية وصول الشحنة المتجهة أصلًا إلى موزمبيق لترسو في ميناء بيروت وتبقى وتصادر السفينة "روسوس" المسجلة باسم تاجر روسي، ثم تغرق وتبقى الشحنة في العنبر رقم 12 بالمرفأ منذ العام ،2014 حتى انفجارها الرهيب.

لقد قامت وكالة رويتر بإنجاز تحقيق استقصائي تتبعت فيه تفاصيل هذه الشحنة، وتبين أن ملكية السفينة ومورد الشحنة تنقلت بين شركات تؤسس وسرعان ما تنتهي لتتابع الأمر شركات أخرى، بمعنى كأن هناك سعي حثيث لتضييع المالك الحقيقي للشحنة ولمالك السفينة أيضًا، وهذا ما أثار الكثير من التساؤلات عن إمكانية أن يكون الانفجار قد حصل بسبب حادث عرضي، وربما يفسر هذا الوضع إعلان أربع دول هي امريكا، روسيا، تركيا ، وفرنسا، عن عزمها على إرسال فرق للمشاركة في التحقيق إلى جانب الدولة اللبنانية، وهذا يثير تساؤلات أكثر.

لا شك أن لبنان أمام استحقاقات كبرى يقف على رأسها إعادة بناء المرفأ بسرعة، وتشكيل حكومة خلفًا لحكومة حسان دياب التي استقالت على خلفية الانفجار، وترسيم الحدود البحرية مع الكيان، حيث تتعرض بيروت لضغوطات أمريكية كبيرة، حملها مؤخرًا مساعد وزير الخارجية الأمريكي ديفيد هيل. وفوق كل ذلك فإن البلاد على فوهة بركان انفجار اجتماعي بسبب انزياح فئات كثيرة إلى مستوى خط الفقر وما تحته؛ بسبب انهيار الليرة وتدهور الاقتصاد الوطني، فقد ازداد عدد الذين يعيشون في خط الفقر إلى 55 بالمئة من اللبنانيين العام الجاري مقابل 28 بالمئة في العام 2019، وزادت نسبة الفقر المدقع الى 23 بالمئة مقارنة ب8 بالمئة العام الماضي، وتقلصت نسبة الميسورين إلى 5 بالمئة من 15 بالمئة لنفس الفترة، وهذه الاستحقاقات لن تجد لها طريقًا للحل والإنجاز، إلا بتوافق وطني واسع يؤكد أولوية الخروج من عنق الزجاجة التي يقبع اللبنانيون فيه منذ سنوات طويلة، فهم لا تنقصهم العزيمة المعروفين بها، فقد بدأوا في إعادة العمل في مرفأ بيروت بعد أقل من أسبوعين على انفجاره واستقبلوا أكثر من 20 باخرة مؤكدين على أن هذا الوطن كطائر الفينيق؛ يولد مجددًا من تحت الرماد.