Menu

نهار آخر.. عبد الرحمن النعيمي.. الرحيل المبكر

رضي الموسوي

يرى النعيمي ان الوحدة الوطنية هي صمام أمان السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي إذ لا يمكن لمجتمع يعاني من التجزئة والانقسام والشروخات أن يحقق أهدافًا كبرى مثل إطلاق الحريات العامة والديمقراطية الحقيقية  

(1)

اللهم لا اعتراض، لكنه أَلَم الفقد المُبكِر الذي سبقته غيبوبة دامت أكثر من أربع سنوات، ما بين أبريل/نيسان 2007 حتى وفاته في الأول من سبتمبر2011. وبين هذين التاريخين، وما بعدهما، جرت مياه كثيرة تحت الجسر وجرّت معها تساؤلات أكثر عن موقف عبد الرحمن النعيمي، وهو في غيبوبته وبعد وفاته، من القضايا المحلية والخليجية والعربية والإقليمية، وهو الذي كان مطّلعا وضليعا في أغلبها، له فيها وعنها مواقف ووجهات نظر وازنة لا يهملها المتلقِّي حتى وإن اختلف مع النعيمي في تقييمها.

كان عبد الرحمن النعيمي عنصراً قياديا في إقليم الخليج بحركة القوميين العرب وفي الحركة الثورية لتحرير الخليج العربي والجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل والجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي ثم الجبهة الشعبية في البحرين ، وبعد الانفراج الأمني والسياسي في البحرين مطلع الألفية الثالثة، كانت محطته في جمعية العمل الوطني الديمقراطي “وعد” التي أسسها بمعية رفاقه وترأسها لدورتين انتخابيتين، ورفض التجديد له رغم كل الضغوط التي تعرّض لها من رفاقه وأصدقائه. كان يردد لمن يطلب منه البقاء في منصبه: ماذا تركنا للأنظمة العربية إن تمسّكنا بكراسي القيادة في أحزاب المعارضة؟!

هكذا ببساطة كان يتعاطى مع مسألة القيادة في التنظيم. كان هو الأجدر، بلا شك، في تبوء رئاسة أول تنظيم سياسي مصرّح به في البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي، “وعد”، وهذا بالفعل الذي حصل في أول مجلس إدارة، عندما دعا الأعضاء القياديين الآخرين لترشيح أنفسهم، إلا انهم أجمعوا عليه.

(2)

كان الأمل يحدو عبد الرحمن النعيمي بأن تتحول جمعية وعد إلى تنظيم جماهيري جامع لكل الوطنيين والديمقراطيين والتقدميين والقوميين، ليشكلوا رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية البحرينية، إلا أن المياه لم تجر كما أرادتها سفن النعيمي ورفاقه الذين آمنوا بهذا الطريق، فحالت الصعوبات دون الوصول لطموحات وأهداف مشروعة كانت ستُحدِث فرقًا لو أنها تحققت. لكن كثيرًا من الطموحات والآمال لا تتحقق في زماننا، وربما تُنجَز في مراحل لاحقة على أيدي جيل جديد من المناضلين المؤمنين بالتغيير والتطور كسِمة حاسمة في الحياة.

السلوك الشخصي للنعيمي ممزوج بمناقبية عالية صقلتها تجارب عقود النضال في المنفى: بيروت والإمارات وظفار و اليمن ودمشق ثم البحرين..هذا السلوك ميّز شخصيته المتواضعة، الناكرة للذات، ما رفع من شأنه بين رفاقه البحرينيين والعمانيين والخليجيين وكذلك العرب وخصوصا الفلسطينيين منهم، وحاز على ثقة الجميع ثقة تقترب من المطلق..هكذا كنت أتعامل معه في سنوات المنفى، وأعتقد أن أغلب من عاش معه في تلك العواصم تعاطى معه بهذه الثقة العالية. عندما عاد من المنفى في 28 فبراير 2001، مع رفيق دربه عبدالنبي العكري، وحجم الاستقبال الجماهيري الكبير الذي غصّت به قاعات مطار البحرين الدولي..كانت بداية خطواته في الوطن، لم يضيّع منها دقيقة واحدة. فقد كان منذ المساء الأول لوصوله، وهو يعيد ترتيب أوراقه وأولوياته في وقت كانت بلادنا تمرّ بمرحلة جديدة.

(3)

قضية الوحدة الداخلية، مركزية في نضال عبد الرحمن النعيمي، وقد تشرّب بها منذ كان في حلقات حركة القوميين العرب ببيروت، وقد تمسّك بها داخل التنظيم الذي تبوّأ القيادة فيه فواجَه الكثير من المواقف الصعبة، ومنها مغادرة رفاق الدرب الحياة التنظيمية وتقديم استقالاتهم من الجبهة الشعبية. كنت شاهدًا على بعض هذه المواقف القاسية التي تعرّض لها أبو أمل في ثمانينات القرن الماضي، لكنه كان كالطَّود والجبل الشامخ، واجه النكسات والانسحابات بألم شديد.. وبصبر وصمود قلَّ نظيره. كان حريصًا على وحدة التنظيم حتى وإن تعرض للإساءة الشخصية..وقد حصل هذا في بعض المفاصل التاريخية من حياة التنظيم بالعاصمة السورية دمشق.

أما قضية وحدة الوطنيين والديمقراطين، وخصوصا بين الجبهتين الشعبية والتحرير، فقد كانت تشكِّل هاجسًا كبيرًا في حياة النعيمي، وقد كتب في ذلك الكثير من المقالات في نشرة “5 مارس” لسان حال الجبهة الشعبية في البحرين، فضلًا عن المبادرات التي صاغها باسم الجبهة والبيانات التي صدرت عنها. كما أن وحدة المعارضة والتنسيق فيما بينها كانت تشكِّل أيضًا هاجسًا، حيث برزت بعد الثورة الإيرانية تيارات سياسية في صفوف الإسلام السياسي الشيعي، وكان لها وجود في منطقة السيدة زينب بضواحي مدينة دمشق، وكان النعيمي حريصًا على التواصل مع أفراد ومجموعات هذه التيارات الإسلامية، ومنها الجبهة الإسلامية في الثمانينات، ثم حركة أحرار البحرين في التسعينات.

هذا الهاجس حمله النعيمي معه إلى البحرين عندما عاد من المنفى وبدأ التحرك لتشكيل التنظيم الجامع، كما فتح أبواب العلاقات والتنسيق مع الإسلام السياسي بشقَّيه السنّي والشيعي، والتقى مع ممثلي هذه التيارات وحرص على المبادرة بزيارتهم إما في منازلهم (زيارته للشيخ عبد الأمير الجمري بعد عودة النعيمي، ثم زيارته مع وفد من جمعية وعد للشيخ عيسى قاسم في مسجد الإمام الصادق بالدراز بعد عودة الشيخ من الخارج)، وكذلك زيارة النعيمي لمقارهم (زيارته لجمعية الإصلاح)، ولقاءاته المتعددة مع الشيخ عبداللطيف المحمود في السنوات الأولى للإصلاح.

يكمل النعيمي مشروعه بحرصه على الوحدة الوطنية، فقد أكد في الكثير من خطاباته على أن الوحدة الوطنية هي صمام أمان السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، باعتبارها القاعدة الأساسية لأي نجاح يمكن تحقيقه في النضال الوطني، إذ لا يمكن لمجتمع يعاني من التجزئة والانقسام والشروخات أن يحقق أهدافًا كبرى مثل إطلاق الحريات العامة وفي مقدمتها حرية الصحافة والإعلام، والديمقراطية الحقيقية النابعة من دستور عَقدي عصري يترجم مقولة “الشعب مصدر السلطات جميعًا”، والعدالة الاجتماعية والمساواة..أي تحقيق الدولة المدنية، التي ترتكز على الشِرعة الدولية لحقوق الإنسان، ممثلة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والثقافية؛ لذلك كانت مقولته “إن الدستور ليس شأنًا سنيًا أو شيعيًا، بل هو قضية وطنية”، نابعة من فهم النعيمي لضرورة الشروع في تشييد دولة المواطنة.  

(4)

فقدت البحرين ودول الخليج وفلسطين والدول العربية عبد الرحمن النعيمي منذ لحظة دخوله حالة الغيبوبة في المغرب (أبريل2007)، إثر انفجار في البنكرياس، وكان عمره لا يتجاوز 62 عامًا، أي في قمة العطاء الناضج وفي وقت كنا فيه بحاجة إلى خبراته النضالية الغزيرة. فقد شهد عام 2007 بعض الهزّات الداخلية وبداية عودة الحالة الأمنية التي كانت سائدة قبل 2001، لتتصاعد بعدها الأحداث، في الوقت الذي كان النعيمي في غيبوبته، وقد تم نقله من مستشفيات المغرب بالإسعاف الطائر الذي تكفلت به جمعية وعد، إلى المستشفى التخصصي بالعاصمة السعودية الرياض بتدخل ومساعدة الديوان الملكي البحريني، ثم إلى البحرين، ليستقر في منزله بمنطقة قلالي حتى وفاته في 2011، وكان رحيلًا مبكرًا. فلم يكمل النعيمي مشروعه الشخصي في كتابة المراحل النضالية التي عاشها وساهم فيها وخلق بعضها وكان مقررا في بعضها الآخر، رغم أن هناك بعض الإصدارات المهمة التي أنجزها، ثم أنجزت “وعد” الجزء الأكبر من كتاباته وأصدرتها في أربعة كتب هي سلسلة “الأعمال الكاملة”، ما بين 2010 حتى 2016، ولا يزال هناك الكثير من كتابات النعيمي التي لم تجمع بعد. لكن رحلة النعيمي لا تكتمل إلا بالحديث عن رفيقة دربه، مريم بنت عيسى النعيمي، أم أمل، التي شاركت عبد الرحمن رحلة النضال بسنواتها المرة والصعبة حتى في مرضه العصي.

أما فلسطين فقد كانت بوصلة النعيمي، التي تدله على الطريق القويم الذي تحتاجه للتحرير.

رحل عبد الرحمن النعيمي مبكرًا، لحظة الأحداث الكبرى التي مرت على بلادنا مثل حراك 2011 والربيع العربي ومسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني..وفشل أغلب الدول العربية في التنمية الإنسانية، وتفشّي البطالة وزيادة الفقر وانتشار المرض..وإصابة الدولة القُطرية في مقتل، ليدخل الكيان من ثغرات هذا الفشل ويؤسس لمرحلة جديدة من التطبيع المجّاني.

لقد عاد النعيمي من منفاه ليُسهِم في عملية التنمية السياسية التي هي أساس الإصلاح الشامل، لكنه لم يلحق على عملية التجريف السياسي التي تمت بحل جمعيات سياسية معارضة رئيسية ومنها جمعية وعد، وحرمان أعضائها من ممارسة حقهم الدستوري الأصيل.بعد تسع سنوات على رحيله، نتساءل: ماذا كان سيفعل لوكان بيننا في هذه المآسي؟