Menu

انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية هل ستسقط وحدتها؟

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

الانتخابات الأمريكية تشهد صراعًا لم تشهده أية انتخابات سابقة؛ من حيث المصطلحات التي تعبر عن مدى حدة الصراع بين مركزي رأس المال اللذان يعكسان رؤيتان، من حيث الشكل تتعارضان، ولكن في الجوهر تتناحران على شكل العلاقات الرأسمالية بين مراكز رأس المال القادمة. بدأ ترامب عهده بقلب الطاولة على الجميع؛ إن كانوا حلفاء أو تابعين وخرج من كافة الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تتعارض مع السيادة المطلقة لمصالح الرأسمالية القومية الأمريكية.

ترامب ومجموعته الرأسمالية، تريد أن تستثمر في القوة الأمريكية لفرض وقائع داخلية وخارجية تعمق سيطرتها الأحادية السياسية والاقتصادية والقانونية، ولا تتردد في التهديد باستخدام لغة القوة لفرض سياساتها على العالم. ترامب ومجموعته الرأسمالية، ترى أن قرار المركز الأمريكي لرأس المال مهددًا؛ بسبب سياسات مركز رأس المال العولمي الذي أسست له إدارة كلينتون وعمقته إدارة أوباما، هذا المركز الذي يرى أن سياسة التمدد الناعمة من خلال إحداث تغييرات في اصطفاف القوى الداخلية للدول التابعة؛ لإغلاق الباب أمام أية تغييرات اجتماعية خارجة عن السيطرة من ناحية، ومن ناحية أخرى استخدام هذه السياسة الناعمة في الضغط الدائم على البلدان الصاعدة ومحاصرتها بين الضغط القاعدي المجتمعي وسياسة العقوبات الاقتصادية، بهدف ترويضها كشرط لإدخالها في إطار منظومة رأس المال العولمي، وتستخدم في ذلك أدوات محلية مدعومة من قبل مؤسسات رأس المال من معاهد أو مراكز دراسات أو منظمات دولية تفرض وجودها ونشاطها على الحكومات من خلال المساعدات المشروطة.

التصريحات الحادة للمرشح الديمقراطي جون بايدن التي وصف فيها الرئيس ترامب بأنه يمثل مرحلة الظلام في الولايات المتحدة؛ قابلها تصريحات لترامب تحمل بعدًا أيديولوجيًا يصف فيها بايدن ومجموعته الرأسمالية، بأنهم أداة بأيدي اليساريين والشيوعيين داخل الحزب الديمقراطي، وإذا ما أضفنا لها تصريحه الخطير الذي يضع الولايات المتحدة بين خيارين؛ إما أنا (ترامب) أو الفوضى؛ الخطير لجهة إذا ما رفض ترامب الاعتراف بخسارته، هذا الرفض الذي سيكون له تداعيات عميقة على المجتمع الأمريكي، وسيضع الولايات المتحدة أمام خيار سقوط وحدتها وفتح الباب أمام صراع بين ما صرح به حول سيادة القانون الذي يعطيه الحق في استخدام الهيئات الفدرالية الأمنية والعسكرية والمالية لفرض سياساته، ومصطلح الفوضى الذي يصف فيه الاحتجاجات على سياسة القتل الميداني التي تنفذها قوات الأمن الأمريكية.

لقد نجح ترامب إلى حد ما في استراتيجيته بإظهار أن إدارته هي مع نفاذ القانون، في حين منافسه جون بايدن داعمًا للفوضى وضد أجهزة نفاذ القانون، هذه الاستراتيجية التي يدعمها برفضه استخدام وباء كورونا كسببًا في اعتماد صندوق البريد، كوسيلة رئيسية للانتخاب، ويضع مسبقًا اعتراضًا يمس نزاهة الانتخابات المقبلة، إذا ما سقط بها.

مؤتمر الحزب الجمهوري كان مؤتمرًا لترامب وعائلته وأعوانه؛ وظفت فيه كل إمكانيات الدولة الأمريكية؛ من وزارة خارجية وبنتاغون وبيت أبيض في الحملة الأمريكية، وأبرزها كان إلقاء وزير الخارجية كلمته في مؤتمر الحزب الجمهوري من موقعه كموظف دولة أثناء زيارة خارجية رسمية اختارها أن تكون من القدس التي تشكل رمزية خاصة لجمهور المسيحية الصهيونية، إلى جانب الجالية الصهيونية اليهودية الفاعلة في الانتخابات الأمريكية، بالإضافة إلى استخدام ترامب البيت الأبيض كمكان لإلقاء كلمته الانتخابية. هذه الممارسات شكلت سابقة في تاريخ الديمقراطية الأمريكية التي كانت تحاول دائمًا وتوظيف مواقع ومؤسسات الدولة في الانتخابات.

في المقابل، فإن المرشح الديمقراطي المنهك جون بايدن الذي يسعى إلى شيطنة ترامب وإظهاره كنقطة سوداء في التاريخ الأمريكي تلقى جرعة دعم سياسي خارجي من حلفائه الأوروبيين في مجلس الأمن؛ بإظهار ترامب معزولًا أثناء التصويت على تمديد العقوبات ضد إيران، مما حدا بكوشنير التحرك سريعًا لإظهار اتفاق ابراهم، بين الإمارات وإسرائيل لتقديمه كجرعة انتصار للدبلوماسية الأمريكية، ولتعزيز ذلك سارع كوشنير في جولته الخليجية للضغط من أجل حضور واسع من ممثلي مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة ل مصر والأردن والمغرب لحفل التوقيع الرسمي للاتفاق في البيت الأبيض.

الانتخابات الأمريكية أظهرت الطابع الأكثر رجعية وعدوانية لمركز رأس المال الترامبي الذي يمتد بين واشنطن وتل أبيب وأبو ظبي وملحقاتهم، هذا التحالف الذي يقوم على أساس تداخل مصالح رأس المال الأكثر رجعية وعدائية للحقوق الإنسانية التي تتجلى عدوانيتهم في فلسطين و اليمن وسوريا.

ترامب الذي يصف نفسه بأنه أفضل رئيس مر على البيت الأبيض، وبأنه من أعاد الاعتبار لقوة أمريكا التي أضعفها أوباما.

ترامب يتملكه هوس التآمر عليه وسرقة إنجازاته ورئاسته، ولهذا لن يتوانى عن الذهاب بعيدًا في صراعه، حتى لو تطلب الأمر التضحية بالانتقال السلمي للسلطة. الأسئلة المهمة هنا: ما هو شكل الولايات المتحدة إذا ما خسر ترامب الانتخابات؟ هل ستسقط وحدتها وتصبح الولايات غير المتحدة؟ هل المساومات الكبرى ستحصل كما حصل في انتخابات 2000 عندما قررت المحكمة العليا فوز بوش الابن مقابل وحدة الولايات المتحدة؟

ترامب وضع الولايات المتحدة بين خيارين؛ أنا أو الفوضى، هل سينجح في ابتزاز الناخب الأمريكي؟ هل هذه الانتخابات ستكرر سقوط المرشح الحائز على الأكثرية الشعبية ونجاح الحاصل على الأكثرية الالكترونية؟

هذه الأسئلة سيجاب عليها في نوفمبر القادم الذي سيكون شهرًا مفصليًا في التاريخ الأمريكي وتأثيراته الدولية.