دخل الكيان السياسي اللبناني بعد حادثة المرفأ، في مرحلة جديدة وغير مسبوقة في تاريخه السياسي، فالحادث المأساوي الذي وقع والذي تسبب في هذا العدد الكبير من الضحايا والجرحى والخسائر المادية الجسيمة، رسم معالم تلك المرحلة، حيث فتح هذا الحادث الباب على انكشاف هذا البلد على الصعيد الداخلي والخارجي.
واتخذ الحدث ذريعة في التدخل الدولي والإقليمي، لإعادة صياغة شكل ومسار الكيان السياسي اللبناني، بالتعاون مع بعض القوى المحلية والتي عملت وتعمل طوال الوقت لصالح أجندات دولية وإقليمية، تضع في أولوياتها القصوى إنهاء حالة المقاومة في هذا البلد. فتم استغلال هذا الحدث للإجهاز على مصادر القوة الشعبية والسياسية التي تمثل الحاضنة الشرعية للمقاومة، وذلك عبر سلسلة من الإجراءات والممارسات التي طالت لبنان الدولة والمجتمع، والتي تمثلت بالحصار الاقتصادي والمالي المضروب على هذا البلد منذ سنوات، والذي تسبب في انهيار قيمة الليرة اللبنانية وارتفاع التضخم بنسب عليا، بالإضافة إلى انهيار المؤسسات الاقتصادية الصغرى والوسطى، مضافًا إليه تعطل القطاعات السياحية كافة بفعل جائحة كورونا.
كل تلك العوامل أدت إلى انكشاف الوضع الاقتصادي ووصوله إلى حافة الانهيار، خاصة بعد أن أقدم النظام المالي العالمي بالتعاون مع شقيقه المحلي، على اللعب في التوازنات الاقتصادية، والتي كانت محمية بفعل السياسات المالية التي غطتها المصارف اللبنانية طوال ثلاثة عقود، هذا التلاعب أدى إلى حالة تشبه الإفلاس للمصارف والتي بدورها حجبت عن زبائنها مدخراتهم المالية بحجج مختلفة، فلا هي أفلست ولا هي تعمل بالشكل الطبيعي؛ الأمر الذي يقود إلى الاستنتاج أن هذا الفعل هو مجرد حلقة من حلقات الحصار المحكم على قوى المقاومة وما تمثل من رصيد شعبي في الشارع وما تمثله أيضا من قوة فعالة داخل المجتمع اللبناني.
وهنا لا يمكن فهم الاستغلال السياسي لحادثة المرفأ دون المرور في فهم الحلقات الأخرى التي سبقته وربطها جميعًا بذات السلسلة التي بدأت تطوق عنق لبنان، وفتحت شهية الغرب والقوى الاستعمارية للعودة من جديد إلى الشواطئ اللبنانية ونزولًا إلى بر هذا البلد المنكوب، تحت شعار التدخل الإنسان.
وفي هذا السياق بدأت المساعي الدولية تتكشف ويتكشف معها طروحاتها السياسية والتي تدور حول أحكام الوصاية الدولية، وعلى الرغم من وجود تباين في وجهات النظر الدولية في هذا المضمار إلا إنها تجمع على مبدأ الوصاية وفرض الأمر الواقع على لبنان عبر إجباره على الخضوع لكل شروط القوى الدولية، أملًا في إنهاء أزمته الاقتصادية الطاحنة والمستفحلة وكذلك أزمته السياسية، مقابل تلك الشروط المجحفة التي تضمن الحفاظ على الصيغة الطائفية التي حكمت لبنان منذ نشأته.
وأمام فاعلية الهجمة من الخارج ومن الداخل ما تزال القوى الأخرى المتمثلة في المقاومة وحلفائها تعيش صدمة تلك الهجمة، ولم تبلور بعد تصورًا محددًا وواضحًا لامتصاص تلك الهجمة، فهي تعيش على حالة الاستنفار والجاهزية، حتى تتبلور شروط القوى الدولية والتي ما تزال حتى هذه اللحظة في حالة الهجوم ولم تكشف عن كامل مخططها.
إن قراءة حادثة المرفأ دون المرور في السياق العام الذي حكم لبنان منذ خمسة عشر عامًا، وبالتحديد بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، تعد قراءة قاصرة ولا تصل إلى نتيجة صحيحة، فالبلد وقع في حالة اختلال عميق بعد سقوط وانهيار المعادلة الإقليمية السعودية السورية، والتي كانت الترجمة العملية لاتفاق الطائف والذي أخرج لبنان من الحرب الأهلية وأعاد النظام السياسي اللبناني إلى سكة بناء الدولة وحل جميع المليشيات العسكرية التي حكمت البلد طوال الحرب الأهلية. ومن الواضح أن كل ما يجري طوال السنوات الماضية، وبالتحديد بعد حرب تموز التي كان يراد بها إنهاء حالة المقاومة ماديًا ومعنويًا في ذلك الوقت، كان امتدادًا لتلك الحرب التي فشلت في تحقيق أهدافها، فهل تنجح اليوم في ما فشلت فيه سابقًا؟ وهل قوى المقاومة قادرة على الإفلات من السكين التي وصلت إلى الرقبة؟
ربما من المبكر تحديد النتيجة اليوم، لكن المؤشرات التي تلوح في الأفق، تشير إلى أن القوى الدولية والإقليمية المعادية للمقاومة وحلفائها، قد حققت بعض الانتصارات التكتيكية، ولكنها لم تبلغ حد إعلان الانتصار الكلي، لأسباب عديدة، أهمها أن القوى المحلية الداعمة لها، غير مستعدة، بل تفتقد إلى القدرة والجرأة أيضًا، على تنفيذ المخطط الغربي المرسوم للبنان وللمنطقة عمومًا، لأنها أصلًا غير مؤهلة على خوض حرب داخلية ضد المقاومة، وحلفاء هذه القوى الغربيين يعرفون تمامًا مدى فسادها وضعفها، والسبب الآخر أن القوى الدولية وعلى الرغم من قدومها إلى الشواطئ اللبنانية في استعراض للقوة قد يخفي وراءه ما هو أبعد من الاستعراض، فهي لم تقرر بعد الدخول إلى البر اللبناني، وربما تنتظر نضج بعض المؤشرات الداخلية لتبرير نزولها إلى البر.
بكل الأحوال المشهد مركب ومعقد، لدرجة أن لبنان والصراع فيه وعليه بدا يختصر كل صراعات المنطقة التي أصبحت صراعات مفتوحة وممتدة وتطال بلدان عديدة وعناوين مختلفة، كالنفط والغاز والنفوذ، والصراع مع دولة الاحتلال، لهذا فإن المقاومة اللبنانية لا تقف وحدها في هذا الصراع، بل تمتلك عناصر من القوة خارج المجال اللبناني، فهي جزءًا لا يتجزأ، بل وأساسي من محور ممتد من بيروت إلى طهران، وبالتالي فإن المعركة إن حدثت ستطال عموم المنطقة، لهذا فإن التروي من كلا الجانبين هو عنوان المرحلة، وبالتالي فإن الصراع في لبنان لا بد أن يقرأ ضمن هذا المناخ العام الذي يريد انتزاع لبنان وتحويله إلى قاعدة للمحتل الغربي والإسرائيلي ليكون عنوان إخضاع المنطقة ككل.
قد جرب الغرب قبل ذلك، في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، والثمانينيات أيضًا، لكن تجربته قد باءت بالفشل، والثالثة في هذه المرة قد لا تكون ثابتة، وربما تنتهي أحلامه وأوهامه وتتلاشى وللأبد، فما يحضر له لا يرتقي سوى للخراب والدمار فهو لا يمتلك أي تصور يقوم على النهوض بلبنان، سيما أنه هو الذي عمق أزمة هذا البلد، وربما افتعل جزءًا منها، وبالتالي فإنه عاجز عن أن يكون عنصرًا ايجابيًا وضامنًا للصيغ اللبنانية المتعددة، بل مجرد مستثمر وقح لكل حالات الفساد في هذا البلد، مستغلًا لكل ثغرة قد ينفذ منها، كرمى عيون دولة الاحتلا .
وسواء كان حادث المرفأ مدبرًا أو عرضيًا، إلا إنه في النهاية يكشف عن أطماع الغرب ودولة الاحتلال وتحفزه الدائم لالتهام المنطقة، ويكشف أيضًا الداخل اللبناني ومدى الارتباط العضوي لبعض القوى الطائفية اللبنانية مع مشغليها في الخارج، وتقديم ولائهم لهؤلاء المشغلين على حساب انتماءهم لبلدهم إن كان لديهم انتماء، وقد تسقط الحكومة وتحضر أخرى، لكن الجميع يعلم أن القرار الفعلي خارج التركيبة السياسية ومنظومة الدولة وأجهزتها التنفيذية، فالقرار لمن يده على الزناد، والذي لا يخطئ صديقه من عدوه .

