Menu

هل يُصبح الخليج وكيلًا في الحرب الباردة الجديدة بين أميركا والصين؟

إذا استمرت التوترات بين الولايات المتحدة والصين في التصاعد فقد يتم جذب الخليج كوكيل في حرب باردة

ترجمة محمد أبو ضلفة - بوابة الهدف

التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين لها تداعيات بعيدة المدى عبر النظام الدولي، مما يُثير العديد من المشاكل ليس فقط للقوى الغربية، ولكن أيضًا للدول الأصغر التي تقع في مناطق النفوذ، وهذا يشمل دول الخليج، التي تتعرض لضغطٍ كبير وسط التنافسية بين هذه القوى العظمى.

طالما كانت دول مجلس التعاون الخليجي، وهي المملكة العربية السعودية والكويت وعُمان و قطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، متجذرة تاريخيًا في مجال نفوذ الولايات المتحدة.

رغم ذلك، تقيم هذه الدول مجموعة علاقات وثيقة بشكل متزايد مع الصين، وتستفيد بعناية وحذر من مواقعها الجيوستراتيجية والقوى المالية والموارد الهيدروكربونية، ومن خلال "اللعب بعناية" بين قوة عظمى ضد الأخرى، فإنها تزدهر كدول "وسط"، على الأقل في الوقت الحالي.

ديناميكيات القوة المتغيرة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عززت الولايات المتحدة نظامًا دوليًا ليبراليًا قائمًا على سيادة القانون في السوق الحرة، وقد أفاد هذا الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة، وخاصة الولايات المتحدة. إلا أن تأثير هذا النظام الليبرالي، ومعه قبضة الولايات المتحدة على ديناميكيات القوة الدولية، بدأ يتضاءل.

وعرضت الصين بديلًا لـ "أرثوذكسية"" السوق الغربية الحرة، وتعلمت كيف تتكيف بكفاءة مع الرأسمالية التي تقودها الدولة مع الاقتصاد العالمي، وعرفت كيف تتحدى بشكل فعّال تفوق الولايات المتحدة في الصناعات الاستراتيجية من خلال الاستثمار المكثّف في التكنولوجيا والابتكار.

كما أن هناك قلق متزايد في واشنطن من أنه إذا فقدت الولايات المتحدة مكانتها كزعيم عالمي في التكنولوجيا، فإن هيمنتها العالمية سوف تتلاشى، ويتفاقم هذا الوضع بسبب انعزالية الرئيس دونالد ترامب وموقف المواجهة تجاه الصين، وتزايد القوة العسكرية الصينية في منطقة غرب المحيط الهادئ.

مع ذلك، فإن كلتا القوتين تتجنبان مواجهة بعضهما البعض عسكريًا، على الرغم من الصدام الغريب، حيث أن اقتصاداتهما مترابطة بشكل كبير، والصين ضالعة بشدة في سلاسل التوريد العالمية. حتى الآن، أدى ذلك إلى نوع جديد من الحرب الباردة، حيث يتصادم المتنافسان في ساحات مختلفة تتمثل بالحروب التجارية، وكوفيد – 19، وهونغ كونغ وغيرها.

لكن مثل الحرب الباردة الأصلية، هناك مظاهر أخرى أقل انتشارًا لهذا الصراع في مناطق أخرى من العالم.

تأثير متزايد

يأتي صعود الصين في الخليج مع تضاؤل نفوذ الولايات المتحدة، وبالنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي الكبير في الخليج، فإن هذا الصعود لم يزيد عن حجمه الحالي، ومن المرجح أن يظل نفوذ الولايات المتحدة في المجال الأمني كما هو، وذلك بفضل عقود من شراء المعدات العسكرية والمعدات ذات التوجه الغربي، كما ستظل المراكز المالية الغربية وجهة رئيسية للاستثمارات الخليجية.

ومع ذلك، فإن نفوذ الصين ينمو بلا هوادة عبر ممالك الخليج، على أسس أكيدة بشكل متزايد، ويعتمد الخليج على الصين لشراء جزء كبير من صادراتها الهيدروكربونية، تمامًا كما تعتمد الصناعة الصينية على هذه الواردات، وبناءً على هذه النقطة المشتركة، يزداد الاستثمار الصيني عبر الأنظمة الملكية.

ويُعد الخليج مركزًا مهمًا في مبادرة "حزام واحد طريق واحد" الصينية، وهو أمر يعزز المنافسة بين دول الخليج في سعيها للاستثمارات الصينية. وتنوعت الاستثمارات الخليجية في السنوات الأخيرة باتجاه الشرق، بعيدًا عن مناطقها التقليدية المتمثلة في أسواق رأس المال الغربية والاستثمارات العقارية.

(المترجم: حزام واحد، طريق واحد أو ما يُعرف بمبادرة الحزام والطريق، هي مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير في القرن التاسع عشر من أجل ربط الصين بالعالم، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية).

في المجال الأمني​​، تلعب الصين أدوارًا متخصصة مهمة، إذ تمنع اللوائح الدولية الدول الغربية من بيع معدات مثل الطائرات بدون طيار (على الرغم من أن الولايات المتحدة تحاول تخفيف هذه القيود) لذلك تحصل عليها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من الصين، وتنشرها في صراعات، مثل تلك الموجودة في اليمن و ليبيا .

وفي حين أنه من المرجح أن يزداد هذا النوع من تجارة الأسلحة، فإن أي احتمال بأن يلعب الجيش الصيني دورًا أوسع في المنطقة يعتبر غير محتمل على نطاق واسع، إذ تفتقر القوات الصينية إلى الحجم اللازم لإشراك نفسها في المنطقة بطريقة كبيرة، وتشير العقيدة الصينية إلى إحجام عن الانجرار إلى الصعوبات الإقليمية، لأسباب ليس أقلها أن الصين لن تنحاز إلى أي طرف في النزاعات الإقليمية، بما في ذلك بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، التي هي مورد هيدروكربوني مهم آخر للصين.

التحديات والفرص

يمكن أن يؤدي الوقوع بين عملاقين إلى خيارات صعبة، ومع ذلك، فإن التحول التاريخي الحالي، مع تقلباته الجيوسياسية، يوفر تحديات وفرصًا، في هذه المرحلة يبدو موقف أعضاء مجلس التعاون الخليجي أكثر ملاءمة من موقف الدول الأخرى.

لم يتم الفصل بين القوة الاقتصادية والسياسية في الخليج بشكل جيد كما هو الحال في أوروبا، ويساعد هذا في تخفيف التوترات من النوع الذي غذى الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.

وبينما تمثل أوروبا أصلًا جيوستراتيجي لا يقدر بثمن يسمح للولايات المتحدة برفاهية شريك لا يحتاج للدعم دائمًا، مقابل أن الخليج دائمًا ما كان يحتاج إلى الحماية الأمريكية.

دول الخليج حلفاء مكلفون، مما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة الاحتفاظ بأكثر من وجود أمني ضروري مع الاستمرار في توفير الأسلحة.

كما أن أعضاء مجلس التعاون الخليجي أقل حرمانًا من إقامة روابط أوثق مع الصين على أساس سجلها في مجال حقوق الإنسان وأعمالها في هونغ كونغ، حتى أن دول الخليج وقعت على خطاب للأمم المتحدة يؤيد سجل الصين في شينجيانغ، رافضًا المزاعم بأنها تضطهد سكانها المسلمين من الأويغور، مع ذلك قد تتأثر دول الخليج بالتوترات المتزايدة في بحر الصين الجنوبي، نظرًا لإمكانية تأثيرها على التدفق الدولي للنفط.

في حين أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين له بعض أوجه التشابه مع الحرب الباردة، فإن التوزيع العالمي للقوة لم يعد ثنائي القطب، كما كان خلال الحرب الباردة الأصلية، بدلاً من ذلك نحن في نظام ما بعد الولايات المتحدة الذي يتطور في اتجاه مجزأ وغير مؤكد.

بالنسبة لأعضاء مجلس التعاون الخليجي، يمكن أن يحدث هذا في أي من الاتجاهين، يمكنهم الاستمرار في جني الفوائد الأمنية للوجود الأمريكي المستمر في المنطقة، مع التمتع بالتعاون الاقتصادي الصيني.

لكن إذا استمرت التوترات بين الولايات المتحدة والصين في التصاعد حول العالم، فقد يتم جذب الخليج كوكيل في هذه الحرب الباردة الجديدة.

هذه المادة مترجمة عن بحث مشترك للباحث والأكاديمي في كلية كينجز لندن، زينو ليوني، والأستاذ المساعد في نفس الكلية، ديفيد ب.روبرتس.