Menu
أوريدو

عن التضامن العربي

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

مع كل حدث يحيق ببلد عربي تتعالى الأصوات منادية بضرورة التضامن والوقوف مع الأخوة والأشقاء في هذا البلد، وتدين التخاذل عن دعمهم، وعلى امتداد التاريخ العربي المعاصر واجه بعض العرب الذين نظروا ضد فكرة الوحدة العربية ونادوا بالمصالح ال قطر ية، واجهوا الكثير من الرفض والاستنكار.

لفهم بعض الأحداث يجب العودة لجذورها، فالدول العربية بهذه المسميات الحالية ما لم تكن نتاج لإرادة شعبية، كما لم تكن مماثلة لصورة الشعب وهويته، فقد مثلت بالمقام الأساس عملية التجزئة والتقطيع الاستعماري للجسد العربي، والحقيقة التاريخية الأبرز في تاريخ هذه المنطقة، أن العرب رغم مرور حوالي ١٠٠ عام على هذه التجزئة لم يعتادوا في فكرهم السياسي والمجتمعي، وتخيلاتهم النظرية، أن يقبلوا فكرة الانفصال عن بقية المكونات العربية، أو حتى أفكار العلاقات التنسيقية والعمل العربي المشترك، فهذا الجسد المقطع لا زال يطلب التئام أشلائه.

تجاه الكارثة في السودان حاليًا، وتجاه العدوان الصهيوني على الشعب العربي في فلسطين، ما يحرك الشعور بالالتزام العربي، لم يكن مشروعًا سياسيًا، أو انحيازًا ضد العدوان فحسب، بل مكونات أكثر عمقًا ذات صلة بالهوية المشتركة، ولم يكن المشروع السياسي لقوى القومية العربية، إلا نتاجًا طبيعيًا لهذه الهوية المشتركة، ولمشاعر وأفكار حقيقية ومتأصلة لدى الإنسان العربي في كل موضع لتواجده بين المحيط والخليج.

ما عزَّز الشعور بضرورة هذا التضامن، واستعادة الوحدة، ذلك الفشل الكبير الذي منيت به المشاريع القطرية، وعجز الدول "القطر الصغير" عن حمل تطلعات شعوبها حتى بأبسط هذه التطلعات والمتعلقة بالتنمية والحياة الكريمة، وإذا كان هناك عوامل عدّة في صناعة هذا الفشل، إلّا أنّ ذلك لا يجب أن يغطي على كون عملية الفصل والتجزئة للامتداد العربي، جاءت كتقطيع لمجتمع حي ومتصل تعتمد مكوناته على بعضها البعض، وتتصل وحداته الإنتاجية وتتوزّع الأدوار بينها في تقسيم تطور تاريخي تبعًا للتوزيع الجغرافي وتعدد الموارد والاحتياجات، هذا التمثيل لا يتحدث عن أبعاد هوياتية، ولكن أقرب مثال لذلك هو حاجة العمّال في حوران السورية للعمل في ميناء يافا على ساحل فلسطين، ودور هذا الميناء في تصدير بضائع معظم المدن السورية.

الأمثلة لا تنتهي على هذا النحو أو ما يشبهه، وليس هذا النص في وارد اعادة التنظير للوحدة العربية -على أهمية ذلك- ولكن بالأساس التذكير ببديهيات يبدو أن الرجعية العربية والقوى الانعزالية المدعومة منها تصر على تجاوزها.

في لبنان اللاجئ الفلسطيني ليس نبتًا غريبًا أو طارئًا على المجتمع اللبناني، وكذلك العامل السوري، ولكن الاعتبار السياسي الذي يجند القوى الرجعية والانعزالية اليوم للتنظير، هو مدعاة لعملية حشد وتنظير وتجنيد أكبر، داعي القوى الرجعية والانعزالية، هو خدمة المستعمر، والدعاية للتنصل من فكرة المصير العربي المشترك، وممارسة التطبيع كأداة تقطيع للجسد العربي واستدخال لمبضع العدو في قلبه، وفي المقابل فإن القتال لأجل الحرية والاستقلال والحق في التنمية والازدهار والعيش الكريم، هو سبب أكثر من كافي لكل القوى التقدمية لاستعادة مقولاتها القومية بوضوح شديد لا يعرف لبس أو اهتزاز.