تقديم
في سياق الردة والأزمات الخطيرة التي تتخبط فيها شعوب المنطقة العربية، منذ وقوع ما سمي بثورات "الربيع العربي" سنة 2011، دخلت الأزمة الليبية في الشهور الأخيرة منعطفًا خطيرًا، قد يؤدي إلى تمزيق وحدة شعب وأراضي ليبيا الشقيقة. فتعدد وتوازن القوى المتصارعة على السلطة، وتدخل أطراف إقليمية ودولية مساندة لكل منها، لا يبشر باقتراب خروج ليبيا من النفق المظلم الذي دخلته بعد فشل المرحلة الانتقالية بين 2012 و2013.
إن أسباب الأزمة الحالية أو ما يسميه المراقبون بالحرب الأهلية الثانية، وإن كانت تعود إلى الأوضاع المعقدة التي نشأت بعد إسقاط نظام العقيد معمر القذافي في أكتوبر2011، فان جذورها العميقة تكمن في البنية القبلية للمجتمع الليبي، وهشاشة مؤسسات الدولة الليبية قبل هذا التاريخ. ولفهم أبعاد وخلفيات الحرب الأهلية الحالية، لا بد إذن من الوقوف على المعطيات التاريخية والمجتمعية من جهة، واستحضار تأثيرات مخططات وحسابات القوى الخارجية المتدخلة بشكل مباشر، أو غير مباشر في هذه الحرب من جهة أخرى، ويبقى الهدف بلورة رؤية شمولية واضحة للتعاطي الصحيح مع التناقضات الداخلية في تفاعلها المستمر مع التدخلات الخارجية.
1) قيود التاريخ والجغرافيا:
ليبيا، اسم عريق وضارب في القدم، تمثل صلة جغرافية بين المشرق العربي والمنطقة المغاربية، لذلك كانت دائمًا خاضعة للتحولات الكبرى؛ سواء كانت قادمة من الشرق أو كان مصدرها الغرب، منذ عهد الفراعنة حتى اليوم. لكن المجتمع الليبي ظل مجتمع قبائل، بعضها من أصول أمازيغية وأغلبها عربي استوطنت ليبيا بعد الفتح العربي الإسلامي.
بعد إعلان استقلال ليبيا عن الاستعمار الإيطالي عرفت تأسيس المملكة الليبية في 24 دجنبر 1951 التي قادها الملك السنوسي، وبرزت أهميتها الاقتصادية والإستراتيجية بسبب اكتشاف البترول سنة 1958 والذي سيبدأ إنتاجه سنة 1961. وازدادت هذه الأهمية بعد أن تأكد أن ليبيا هي تاسع بلد في العالم يتوفر على أكبر احتياط من البترول والغاز. وكما يتذكر الجميع، فقد استولى تنظيم الضباط الأحرار بقيادة العقيد معمر القذافي على السلطة في فاتح شتنبر 1969، وتم إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية العربية الليبية.
لقد جاءت الثورة الليبية في سياق ردود الفعل على نكسة 1967، كما حدث في العراق(1968) و سوريا (1970)، لكن الثورة الليبية تميزت بتوجهها الوحدوي الناصري، وحظيت بتعاطف كبير من القوى التقدمية في المنطقة العربية والعالم، بسبب إقدامها على اتخاذ مجموعة من القرارات الهامة مثل إجلاء القواعد العسكرية الأجنبية، وتأميم البترول، وتقديم الدعم للحركات الثورية، وقد حققت مكتسبات هامة على مستوى البنية التحتية والخدمات الاجتماعية والقضاء على الفقر والأمية... لكن ضعف التكوين النظري، وقلة الخبرة السياسية، وحماس الشباب، كل هذا وغيره سيقود قيادة الثورة الفتية إلى السقوط في أخطاء قاتلة، خاصة بعد بروز الخلافات الداخلية بين أعضاء القيادة، مما دفع العقيد معمر القذافي إلى بلورة خطة استراتيجية للانفراد بالسلطة من خلال ما سمي بالثورة الشعبية وإعلان سلطة الشعب سنة 1977.
وهكذا سيؤدي تعطيل الشروط الضرورية لأي حياة سياسية عادية، وبناء دولة قوية وديمقراطية إلى الدخول في تجربة فريدة ومسدودة الآفاق، بسبب تجاهل ثقل حقائق التاريخ والجغرافيا، وإقامة استبداد سياسي بشعارات ثورية، ولذلك لم تتأخر النتائج الحتمية والمنطقية لتلك المنهجية في الظهور. فرغم الثروة الهائلة التي أصبحت تتوفر عليها ليبيا، لم يتم التوظيف العقلاني لتلك الثروة في إعادة هيكلة المجتمع القبلي الليبي على أسس علمية وصلبة بالاستثمار في بناء المواطن الواعي من خلال التعليم الجيد، والثقافة الديمقراطية، والبحث العلمي والإعلام التربوي، كما عملت الدول التي جعلت من بلدانها بلدان صاعدة في أقل من ثلاثة عقود من الزمن وبإمكانيات أقل بكثير، بفضل التعليم والتصنيع ونقل التكنولوجيا وتحقيق الأمن الغذائي.
هكذا بقي المجتمع الليبي محكومًا بالقبلية المتخلفة، والعقلية المحافظة، فبعد أربعة عقود من ثورة الفاتح لم تستوعب القيادة الليبية للأسف، أنه لا يمكن تغيير علاقات إنتاج راسخة بقرارات سياسية فوقية، ودون تغيير عميق وبعيد المدى لنمط الإنتاج التقليدي الما قبل رأسمالي الذي كان سائدًا في ليبيا والبلدان العربية، واختزلت ميزان القوى في الصراع مع الإمبريالية والرجعية في امتلاك المال وشراء السلاح.
ورغم حدوث تحولات عاصفة، بانهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي، ومحاربة العراق وحصاره في بداية تسعينيات القرن الماضي، لم تقم القيادة بمراجعة حقيقية لمنهجيتها في الحكم والتدبير السياسي لتناقضات المجتمع الليبي. فقد كانت في حاجة إلى المصالحة مع فعاليات المجتمع، وكان بإمكانها إقامة ديمقراطية تشاركية بتعددية سياسية معقلنة ومؤطرة بدل ترك التناقضات تتعمق، والجروح تتعفن، والمعارضات تتعدد، وتتصاعد. وبطبيعة الحال، أدت التراكمات السلبية كما تعلمنا قوانين الجدل إلى تحول نوعي سلبي تمثل في ثورة 17 فبراير المضادة. تلك الثورة التي تحولت إلى حرب أهلية طاحنة، حسمها التدخل القوي للحلف الأطلسي.
2) الحرب الأهلية الثانية: خضوع الأطراف الداخلية للتدخلات الخارجية
لم يكن الشعب الليبي مؤهلًا ولا مهيأً للتدبير العقلاني الناجح للمرحلة الانتقالية التي بدأت مباشرة بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي بذلك الشكل المأساوي التي تتعبه العالم بأسره. ومنذ البداية انكشفت التحالفات الهشة التي كان يجمعها العداء للنظام السابق، دون الاتفاق على أي أفق وطني مستقل، بعد عام واحد تقريبًا تمكن المؤتمر الوطني العام من الفوز في الانتخابات العامة التي جرت سنة 2012. وقد اعتبرت تلك الانتخابات التي أشرفت عليها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بدعم من بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا ومنظمات غير حكومية مثل المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية، حرة وعادلة من قبل أغلب الليبيين، حسب ما راج في وسائل الإعلام. والمفارقة أنها مع ذلك، لم تؤدِ كما كان متوقعًا إلى تكوين حكومة منسجمة ببرنامج واضح وواقعي، والسبب الأساسي كان يتمثل في انقسام المؤتمر الوطني العام إلى مجموعتين سياسيتين متنافستين: تحالف القوى الوطنية المكونة من ليبراليين ووسطيين، وحزب العدالة والبناء الذي كان يجمع التيارات الإسلامية. فشل المجموعتين في الوصول إلى توافق حول القضايا الكبرى، خاصة في الاتفاق على صياغة دستور يؤسس للانتقال الديمقراطي، وهذا سيؤدي إلى تدهور خطير للوضع الأمني بالبلاد، بل تعرض المؤتمر الوطني العام نفسه للهجوم عدة مرات من قبل المليشيات، وأكثر من ذلك تم اختطاف رئيس الوزراء زيدان في تشرين الأول/أكتوبر 2013، مما كشف شكلية وهشاشة مؤسسات الدولة.
لقد عرف المؤتمر الوطني العام انقسامًا كبيرًا بعد تمرير التيارات الإسلامية لقرار مراجعة جميع القوانين المعمول بها لضمان توافقها مع الشريعة الإسلامية، وستزداد الهوة اتساعًا بين المتصارعين بعد فرض قانون العزل السياسي على أنصار النظام السابق، وقانون الفصل بين الجنسين، والحجاب في الجامعات الليبية، إضافة لرفض إجراء انتخابات جديدة رغم انتهاء المدة القانونية للمؤتمر في يناير 2014. وكان أهم وأخطر رد فعل على ذلك شن المشير خليفة حفتر هجومًا عسكريًا على الأحزاب والجماعات الإسلامية المسلحة أطلق عليه اسم "عملية الكرامة". ورغم إجراء انتخابات مجلس النواب في 25يونيو/حزيران 2014، فإن الأحزاب الإسلامية التي شاركت فيها، رفضت الاعتراف بنتائجها بسبب هزيمتها، مدعية أن المجلس أصبح خاضعا لأنصار القذافي.
في محاولة من الأمم المتحدة لوضع حد للانقسام، أشرفت بعثتها على مفاوضات ماراثونية بالصخيرات بالمغرب، توجت بتوقيع اتفاق على مقتضيات تدبير المرحلة الانتقالية، و كانت البداية بتشكيل حكومة وفاق وطني. وهكذا، وبسبب تخوف التيارات الإسلامية من انعكاسات التحول الذي عرفته مصر، بإزاحة الإخوان المسلمين من السلطة، دخلت ليبيا في دوامة هرب أهلية طاحنة، ومتعددة الأطراف، بدعم من قوى إقليمية ودولية. والمفارقة أن المجتمع الدولي يعترف بشرعية مجلس النواب من جهة، وبحكومة الوفاق من جهة ثانية، أي بالطرفين المتصارعين في نفس الوقت. إن أسباب هذا الواقع المعقد، تكمن في وجود عدد كبير من المليشيات يصل عددها حسب التقديرات إلى 300 ميلشيا تابعة لتيارات سياسية أو قبلية، أو مؤسسات محلية، أمنية و إدارية، أو حتى لأشخاص، بينما تأثير الأحزاب السياسية التي يصل عددها إلى سبعين حزبًا، يبقى ضعيفًا؛ بسبب غياب التربية السياسية والثقافة الديمقراطية، ويمكن تصنيف أهم القوى المتصارعة إلى المجموعات التالية:
ـ المؤتمر الوطني العام، وقواته عبارة عن تجمع لمليشيات مختلفة معظمها إسلامية.
ـ فجر ليبيا، وهو تحالف غير مستقر، شكل في منتصف سنة 2014 ردًا على انقلاب خليفة حفتر، وعندما وصل فايز السراج إلى رئاسة حكومة الوفاق الوطني، تفكك هذا التحالف.
ـ درع ليبيا وهي قوات تدعم الأحزاب الإسلامية وتنقسم إلى ثلاثة فروع، الدرع الغربي وهو محدود التأثير، والدرع الشرقي ينشط في المنطقة الشرقية، والدرع المركزي وهو الأهم و يتكون من وحدات مصراتة، وغرفة عمليات ثوار ليبيا.
ـ مجلس شورى ثوار بنغازي، ويتكون من مجموعات أنصار الشريعة، ولواء شهداء 17 فبراير، وكتيبة السحاتي وذراع ليبيا، ويرتبط هذا المجلس بتنظيم الدولة الإسلامية.
ـ مجلس شورى مجاهدي درنة، وهو تحالف تشكل سنة 2014 من ميلشيات موالية للقاعدة.
ـ سرايا دفاع بنغازي، وهو تحالف تكون في يونيو 2016 للدفاع عن بنغازي من وحدات الجيش الوطني الليبي.
ـ المليشيات الأمازيغية، وهي مجموعات تتمركز بشكل أساسي في مدينة زوارة الساحلية، والجبل الغربي قاتلت إلى جانب فجر ليبيا في مواجهة قوات حفتر؛ لأن دافعها الأساسي عداؤها للقومية العربية، بسبب ما عانته الأقلية الأمازيغية من إقصاء وتهميش خلال حكم القدافي، وأصبحت من بعد محايدة في الصراع، رغم اعترافها بشرعية حكومة الوفاق الوطني.
هذه التحالفات الكبرى هي تجميع وتوحيد لعشرات المليشيات التي يعود تشكلها إلى فوضى السلاح المنتشرة في ليبيا، والتي يستحيل مع استمرار وجودها استتباب الأمن والاستقرار في البلاد.
في السنة الأخيرة تمركز الصراع بين جبهتين، جبهة حكومة الوفاق التي انتهت مدة صلاحيتها منذ ثلاث سنوات، ولجأت لطلب الدعم من تركيا للدفاع عن سيطرتها على العاصمة طرابلس، وبالفعل تحقق لها ذلك بفضل الدعم التركي القوي. وجبهة الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، الذي حاول السيطرة على العاصمة من خلال هجوم كبير، لكنه فشل. وأمام استعادة قوات حكومة الوفاق لزمام المبادرة، وتحضيرها للهجوم على مدينة سرت، طلب مجلس النواب الليبي تدخل مصر، وأيد المجلس الأعلى للقبائل الليبية هذا الطلب بزيارته ل مصر ولقائه بالسيسي. وقد استجابت مصر للطلب من خلال عرض عسكري ضخم على مقربة من الحدود الليبية، تميز بخطاب الرئيس السيسي التحذيري. بعد ذلك أعلنت مصر عن مبادرة لوقف التصعيد، والشروع في المفاوضات بين الأطراف الليبية للتوصل إلى اتفاق سياسي جديد، واستمرت مصر في عقد اجتماعات الدول العربية المحيطة بليبيا، خاصة مع تونس والجزائر، والتشديد على رفض التدخلات الخارجية في ليبيا، واستحالة الحسم العسكري للصراع على السلطة، وبالتالي ضرورة الاتفاق السياسي. وفي نفس السياق قام مؤخرًا رئيس مجلس النواب الليبي، ورئيس مجلس الدولة بزيارة الدول المغاربية ومصر، وطرح مبادرة تشكيلة حكومة توافق جديدة بمدينة سرت، وهذا معناه القبول بالحل الوسط بين القوى المتصارعة، وتقديم تنازلات متبادلة، وإيجاد حل لمشكلة الميليشيات المسلحة، لكن يبدو أن الجماعات الإسلامية المتشددة والمتحكمة في حكومة الوفاق ترفض هذا المخرج.
3) من أجل ليبيا موحدة، ديمقراطية وتقدمية
إن مضاعفات الحرب الأهلية على الساكنة والمجتمع الليبيين كافية وحدها لجعل كل غيور على بلاده، بل وكل ذي عقل يتبرأ ويدين ما يجري مهما كانت الدواعي والمبررات، وبالأحرى إذا كان صراعًا مكشوفًا على السلطة والثروة. ولا توجد حتى الآن تقديرات دقيقة لهذه المضاعفات؛ فبالإضافة لأكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وعشرات الآلاف من الجرحى، هناك التراجع الكبير للنشاط الاقتصادي، وتراجع عائدات النفط بنسبة 90%، وما يقرب من ثلث سكان البلاد لجأ لكل من تونس ومصر هربا من الموت. وحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان فقد هاجر 270 ألف ليبي إلى أوروبا، ونزح حوالي 350 ألف مواطن إلى المناطق الداخلية، ويعاني حوالي مليون ونصف المليون من سوء وقلة التغذية. هذه الأوضاع الكارثية التي يعاني منها الشعب الليبي، والمتزامنة للأسف مع أوضاع لا تقل عنها مأساوية في فلسطين وفي سوريا، و اليمن ولبنان تفرض على جميع فصائل حركة التحرر الوطني في هذه البلدان، وفي باقي البلدان العربية، القراءة الموضوعية والعلمية لما جرى ويجري من تطورات مؤلمة، لم تكن متوقعة عند أكبر المتشائمين فحسب، بل تجاوزت حدود تقبل وتحمل الأغلبية الساحقة من المواطنين والمواطنات، وبالتالي أصبح كل خطاب انتصاري متجاوز، بل ومعرقل لامتلاك الوعي الصحيح للتعاطي مع الأحداث الطارئة، والتحولات السريعة بعقلانية وتفاؤل.
إن معطيات الواقع الليبي في تعقيداته، وفي تأثره بالضغوط والتدخلات الخارجية، إقليمية ودولية لا تسمح إلا بطرح مشروع وطني واقعي، هو مشروع الانتقال الديمقراطي، وهذا يتطلب التوافق السياسي والمجتمعي، بمعنى وضع أسس وقواعد حياة سياسية سليمة، تسمح لمكونات المجتمع بالمشاركة السياسية، والاستفادة من الثروة الوطنية دون إقصاء لهذا الطرف أو ذاك، لهذه الفئة أو تلك، في إطار السيادة الوطنية والاستقرار المجتمعي، والتداول السلمي على السلطة، وإقامة دولة المؤسسات المتحررة من قيود القبلية والضغوط الخارجية.
إن جدلية التحرر الوطني، والتنمية المستدامة والمستقلة، والوحدة العربية في صيغة جديدة ومتقدمة، ينبغي أن تظل بوصلة كل الوطنيين والتقدميين الليبيين، حيث لا نهضة حقيقية بدون فضاء جغرافي وسياسي وثقافي، وتكامل اقتصادي كما أكدت ذلك تجارب المجموعات الجهوية الصاعدة في عالم اليوم. فهل ترتقي القوى السياسية المتصارعة في ليبيا إلى مستوى ما يطرحه العصر من تحديات، مستحضرة ضياع العقود الماضية في تبديد الثروة الوطنية جريًا وراء سراب، وأوهام قاتلة؟
● جميع المعطيات الاحصائية مستمدة من موقع ويكبيديا

