Menu

الحريات العامة والدولة الوطنية

د. لبيب قمحاوي

نشر في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

في الوقت الذي شكلت فيه جائحة الكورونا بداية حقبة من الجمود ثم الانهيار الاقتصادي والانطواء الاجتماعي وفقدان العديد لبوصلة الاتجاه السليم والقدرة على استشراف ما هو قادم، فإنها جاءت بالنسبة للدولة الوطنية على العكس من كل ذلك، إذ شكلت بداية حقبة جديدة من عنفوان الدولة واستفحال نفوذها وفرض سطوتها وهيمنتها على شعوبها بعد أن َفتحَت جائحة الكورونا الباب أمامها لإثبات قدرتها وأهميتها، وبالتالي سيطرتها ونفوذها على المجتمع، كونها نجحت في أن تكون الملاذ الحقيقي لشعوبها، والأقدر على إعطاء شعبها الأولوية في الحماية والرعاية بشكل أكثر كفاءة من الكيانات الفدرالية الأكبر والأقوى والأكثر ثراء، والتي أثبتت فشلها أو ترددها مقارنة بالدولة الوطنية.

الأردن لم يكن استثناء من كل ذلك، بل على العكس، فقد أثبتت الدولة الأردنية قدرتها على أن تكون وعاءً حاضناً للشعب ضد جائحة الكورونا، واستفادت كثيراً من خلفيتها الأمنية في فرض سيطرتها على مختلف مرافق الدولة والحياة لصالح المجموع العام والقدرة على حماية المواطنين من خطر انتشار الوباء. ويبدو أن هذا الوضع قد فتح شهية الدولة لإعادة الاستحواذ على  مقدرات الوطن  والمواطنين ومصادرة حقوقهم وحرياتهم الأساسية التي كفلها الدستور. 

وفي خضم استفحال الجائحة والإغلاق الشامل الذي رافقها، قامت الدولة بتفعيل قانون الدفاع وإطلاق يدها وتعزيز قدرتها على اتخاذ القرارات بمعزل عن ما ينص عليه القانون والدستور. وقد ترافق ذلك مع تولد الشعور لدى العديد من الأردنيين، بأن تلك الاستعانة لن تقف عند حدود التصدي لجائحة الكورونا، ولن تنتهي مع انتهاء تلك الجائحة، بل سيتم استعمالها لإعادة استيلاء الحكم على الحياة السياسية في البلد وعلى تكبيل كافة الحريات التي كفلها الدستور دون وضع أي حد زمني لوقف العمل بقانون الدفاع أو تقييد استعماله بالقضايا المتعلقة بالجائحة فقط.

الدولة الوطنية ليست بالضرورة خصماً للشعب؛ إلا إذا كانت تفتقر إلى حكم القانون وسيادته وإلى الديموقراطية الحقيقية التي تسمح بالتداول السلمي للسلطة، وفي غياب كل ذلك سواء جزئياً أو كلياً، يصبح مدخل تعزيز سلطة الدولة وزيادة صلاحياتها مدخلاً إلى الفساد والبطش أو الاستبداد في الوقت نفسه، وهنا يكمن الخطر الذي جعل معظم الأردنيين مقتنعين أنه بالرغم من  ضرورة تفعيل قانون الدفاع من أجل السيطرة على انتشار وباء الكورونا؛ إلا أنهم وفي الوقت نفس قلقين من إمكانية استمرار الدولة بالعمل بقانون الدفاع للسيطرة على الحريات والحياة السياسية وبما يناسب رغباتها، وكل ذلك تحت شعار محاربة الوباء.

ويبدو أن التخوف كان في محله، فالدعوة إلى إجراء انتخابات نيابية في ظل قانون الدفاع، وأسلوب التعامل مع نقابة المعلمين، هي من الأمور التي خلقت قناعة لدى الأردنيين، بأن مخاوفهم لها ما يبررها.

لا يمكن أن تجري انتخابات ديموقراطية في ظل قانون دفاع، هذا أمر بديهي، ولكن تجاهل ذلك من قِبَلْ الحكم في الأردن يوحي بوجود نوايا للسيطرة المسبقة على نتائج الانتخابات وتطويعها بما يتناسب ورغبات الحكم وليس الناخبين، هذا بالإضافة إلى وجود سوابق لتدخل بعض أجهزة الدولة في العملية الانتخابية لصالح مرشحين بعينهم، وفي ظل قانون انتخاب لا يحظى بقبول شعبي عام، نظراً لكونه يتعارض مع المواطنة الناجزة والعدالة في التمثيل.

إن استعمال ذيول الجائحة لغايات سياسية هي أمر لا يتمكن أحد من فعله في العادة سوى الدولة الوطنية، وهذا يعكس نفسه في مسارات عديدة، قد تتجاوز السياسة إلى علاقة الحكم بمؤسسات المجتمع المدني بشكل عام، بالإضافة إلى المواطنين كأفراد.

إن ما جرى لنقابة المعلمين وأعضاء مجلس النقابة يعطي صورة واضحة عن مثل ذلك التوجه؛ فاعتقال أعضاء من مجلس نقابة المعلمين، وتوجيه تهم الفساد لهم وتعيين لجنة إدارة لتلك النقابة قبل صدور أي حكم قضائي، هي أمور لا يمكن القبول بها في أي دولة تحترم حكم القانون والحريات الأساسية التي كفلها الدستور.

وبغض النظر عن الأسباب التي قد أعلنتها الدولة، والأسباب التي لم تعلنها، وبقيت في ضمير المستتر، فإن الإجراءات التي استبقت أي أحكام قضائية تعطي مؤشراً واضحاً على النوايا الحقيقية للحكم في تعاطيه مع نقابة المعلمين ومطالبها النقابية، وعن الأسلوب العرفي التي اتبعه الحكم في تعاطيه مع تلك المسألة ومؤشراً واضحاً على سلوك الحكم في الحقبة المقبلة.

لا أحد يعلم حتى الآن إلى متى سيستمر العمل بقانون الدفاع في الأردن، وإن كان المنطق يشير إلى وجوب ارتباط بقاء العمل بقانون الدفاع بوضع الجائحة، ولكن المؤشرات حتى الآن لا تبشر بالخير.