تسارعت في الأيام الأخيرة الخطوات العملية في العلاقة بين الإمارات ودولة الكيان الصهيوني، هذه الخطوات التي تتم بإشراف مباشر من الرئيس الأمريكي ترامب وصهره كوشنير، حيث انتقلت من الخطوات السرية إلى العلنية، وأخذت أشكالًا مختلفة، فمن التطبيع الرياضي والسياحي والصحي، إلى التعاون التكنولوجي، وصولاً إلى التحالف الاستراتيجي وتشكيل جبهة معادية للقضية والحقوق الفلسطينية و إيران ومحور المقاومة، حيث تم استبدال العدو الصهيوني واعتباره صديقًا بايران، واعتبار الأخيرة عدوًا.
لقد استحوذت هذه الخطوات، والذهاب إلى توقيع ما يسمى اتفاقية سلام مع العدو على اهتمام كبير من رجال السياسة والكتاب والصحفيين ورجال الإعلام الذين اشبعوها بحثًا وتحليلًا، ولم يتركوا جانبًا منها؛ الا وقد تم تناوله، وتوزعت الآراء والمواقف بين مؤيد لهذه الخطوة ومعارض لها.
ولم يكتفِ المؤيدين لهذه الخطوة بتأييدها فقط، بل ذهبوا أبعد من ذلك من خلال تخوين الشعب الفلسطيني والقول أنه باع ارضه، وصولًا إلى عدم أحقيتهم لهذه الأرض واعتبارها تعود لليهود ودولة الكيان. إن هذه الخطوة جاءت لتفتح الطريق وتعبدها أمام التطبيع العربي، ولتشكل دولة الإمارات القاطرة التي تجر الدول العربية بهذا الاتجاه الذي عجز السادات وكامب ديفيد عن تحقيقه. لا أقول ذلك من موقع المبالغة في تقييم هذه الخطوة، وإنما من موقع رؤية ما سينجم عنها لاحقًا، وها هي البحرين تلحق بها بعد مرور أيام معدودة.
فبينما عزلت خطوة السادات، وتوقيعه اتفاقات كامب ديفيد، عزلت مصر عن العالم العربي، وتم إبعادها عن جامعة الدول العربية وتم قطع التمثيل الدبلوماسي معها وتم عزلها في المحافل الدولية، وها نحن نصل إلى مرحلة يتم فيها عزل منظمة التحرير والموقف الفلسطيني الرافض لعملية التطبيع، حيث تم إسقاط المشروع الفلسطيني الذي لم يصوت إلى جانبه سوى الصومال وحكومة هادي مقابل الاصطفاف الكبير إلى جانب الامارات وموقفها، حتى إن الدول العربية مثل تونس والجزائر والكويت والعراق، والتي أعلنت رفضها للتطبيع مرات عديدة في السابق اتخذت موقفًا محايدًا، وأصبحنا على أبواب طرد منظمة التحرير من الجامعة إذا استمرت التمسك بموقفها في إدانة خطوة الإمارات والمطالبة بالتراجع عنها، ولكي تلتحق المنظمة بسوريا، ويبقى السؤال المهم: كيف ولماذا وصلنا لهذا الحد؟ ومن المسؤول؟ وما العمل في سبيل مواجهة...؟
لقد انتقلت دولة الإمارات من التطبيع السري الذي بدأته قبل أعوام طويلة إلى التطبيع العلني، حيث حان الوقت المناسب لإعلان هذه الخطوة بما يخدم المصلحة الأمريكية والصهيونية.
الرئيس ترامب يخوض معركة رئاسية حامية فى مواجهة منافسه، وقد تراجعت احتمالات فوزه في هذه المعركة (الأمر ليس محسومًا)، رغم أن الكثير من التوقعات واستطلاعات الرأى العام تشير إلى ذلك وهو بحاجة إلى انتصار يسجله ليرفع من اسهمه الهابطة، وليس هناك أفضل من ظهوره كبطل سلام استطاع؛ إن يحقق ما عجز عنه الآخرين. أما نتنياهو الذي تلاحقه تهم الفساد والأزمات الداخلية المتتالية التي تعصف بالكيان، فكلاهما وجد أن هذه هي الفرصة المناسبة لتوقيع هذا الاتفاق كونه يخدم مصالحهما.
أما عن الإمارات، للأسف الشديد، فهي تقوم بأداء وظيفة معينة لمصلحة العدو، ولن تجلب لها هذه الخطوة سوى العداء الشعبي العربي والمزيد من الارتماء في أحضان العدو، وإذا كانت الإمارات تتوقع أن تجلب لها هذه الخطوة الحماية فهي واهمة؛ إن من يجلب الحماية هو تحقيق مصالح الشعب والدفاع عنها وتحقيق المصالحة مع الجار الأصيل وعدم استبدالها بالمصالحة مع العدو الدخيل، وعلى الإمارات أن تعلم أن أمريكا ودولة الكيان الصهيوني لن يستطيعا تأمين الحماية لها وهم غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم ودورهم يتراجع، وهكذا تخطيء الإمارات بسلوكها هذا الطريق الى جانب ذلك ستدفع ثمنًا غاليًا وأول من يدفعه عند حصول المواجهة في المنطقة.
إن ما تقوم به دولة الإمارات اليوم يعتبر تنفيذًا لصففة القرن، ويشكل استدارة كاملة عن المواقف الشريفة التي وقفها المرحوم الشيخ زايد دعمًا للقضية الفلسطينية، قولًا وعملًا، وكانت بوصلته دومًا تشير إلى فلسطين، فما قام به محمد بن زايد لا يمثل شعب الإمارات العظيم الذي وقف دومًا مدافعًا عن فلسطين، وها هي أصوات المثقفين الإماراتيين تعلو من خلال التصريحات والبيانات، وما رافقها من ردود أفعال تشجب هذه الخطوة وتدينها وهنا لا بد أن نسجل التحية للشعب الإماراتي وكافة الشعوب العربية التي وقفت ضد هذه الخطوة، ونخص هنا بالذكر الشعب البحراني الصديق وقواه الوطنية والقومية الحية، والتي تشكل رافد أساسي من روافد حركة مناهضة التطبيع والمقاطعة للكيان الغاصب.
إن من وقع هذا الاتفاق سيذهب وسيبقى الشعب العربي ومناضلوه يواصلون الطريق حتى تتحقق أهداف الأمة في الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية وتحرير كل فلسطين، فما وصلنا إليه اليوم هو نتيجة وليس سببًا؛ إن السبب الحقيقى يكمن في مجموعة عوامل أوصلت الأمور إلى هذا الحد:
العامل الأول: ضعف الموقف الفلسطيني وتراجعه بعد توقيع اتفاقية أوسلو وبعد الانقسام والتخلي عن الثوابت وغياب الوحدة الوطنية الحقيقية.
العامل الثاني: الخراب والتدمير الكبيران الذين أحدثهما ما يسمي بـ (الربيع العربي) في المنطقة، والذي طال سوريا والعراق واليمن و ليبيا وأصاب العديد من الدول الأخرى بمشاكل كبيرة، جعلها تنطوي على نفسها وتراجع دورها العربي والمثل البارز هو الجزائر.
وفي الوقت الذي نثمن موقف المنظمة والفصائل من هذا الاتفاق، نؤكد أن المطلوب اتخاذ خطوات عمليه تغادر فيها منظمة التحرير جامعة الدول العربية التي لم يعد لها من دور أو وظيفة سوى التآمر على كل من هو شريف ووطني في هذه الأمة وتنفيذ مخططات العدو. والاعلان الواضح والصريح بالانضمام إلى محور المقاومة والعودة إلى طريق الكفاح المسلح والتخلي عن الامتيازات والعيش الرغيد والعودة لصفوف الجماهير، وإشعال الأرض تحت اقدام المحتل وتحويل مشروعه إلى احتلال خاسر، وهذا يستدعي من القيادة الفلسطينية الاستجابة الفورية لكل النداءات والمطالبات بهذا، ووضع الخطط المناسبة لتحقيق ذلك. كما العمل على توثيق العلاقات مع الشعوب العربية وقواها الوطنية والتقدمية وكشف وتعرية الأنظمة العميلة وعدم التهاون في ذلك. لقد دخلنا في مرحلة جديدة هي الاخطر ولم تعد تنفع الأدوات والأساليب القديمه في المواجهة، فنحن بحاجة إلى تغيير حقيقي وجذري، حيث الوقت يمر بسرعة والشعب لن يرحم ولن ينتظر أسابيع وعمل اللجان والطريقة التي تعودنا عليها. المطلوب أولاً وأساسًا تشكيل قيادة طوارئ فلسطينية فورًا تكون في حالة انعقاد دائم وتكون بمستوى طموحات الشعب الفلسطيني.
أخيرًا، نقول لكم تخلوا عن امتيازاتكم واللي تعب يرتاح، ولنبدأ من جديد مستفيدين من كل ما هو ايجابي وتاركين كل ما هو سلبي في تجربتنا السابقة، دون ذلك سنبقى نتراجع ولن يكتب لثورتنا النجاح.

