Menu
أوريدو

"دورٌ يبحث عن بطل"

كميل أبو حنيش

خاص بوابة الهدف

ليس من المُفاجئ أن يُدرك الفلسطيني حجم المخاطر الكبرى التي تعصف بقضيته الوطنية ووجوده على هذه الأرض، في ضوء التطورات السياسية المتسارعة، وممارسات الاحتلال في الميدان، والمشاريع التصفوية، والتي كان آخرها مشروع صفقة القرن، وبعد انكشاف الغطاء عن العلاقات السرية بين العدو الصهيوني وبعض الأنظمة العربية التي أعلنت عن تواطؤها مع المشروع الصهيوني ووقفت في صفه، ضد شعبنا ونضاله وحقوقه المشروعة، فنحن لا يعوزنا القدرة على فهم ما يجري، كما لا يعوزنا القدرة على مواجهة وإفشال ما يبيِّته لنا الأعداء، وإجهاض أية مؤامرة تستهدف مستقبل المشروع الوطني التحرري.

إننا كفلسطينيين نخوض معركة تحرر وطني لم يشهد لها التاريخ مثيلًا؛ من حيث ظروفها وملابساتها وطبيعة العدو الذي نواجهه، فنحن نواجه احتلالًا من أعتى أشكال الاستعمار، مدجَّجًا بأسلحة فتاكة، وبأيديولوجية شوفينية عنصرية تُشكّل خليطًا بين المعتقدات الدينية والقومية المتطرفة إلى جانب الفكر الاستعماري البائد.

وهذا الكيان مدعوم من أعتى دول العالم، غير أن الأخطر في معادلة الصراع، يتمثَّل في انقلاب الأخوة وتحوّلهم إلى أعداء ومتحالفين مع العدو، ويتبنّون بصورةٍ عمياء المواقف الصهيونية، حيث تنم هذه المواقف عن وقاحة واستلاب للوعي، بل وانحطاط أخلاقي وسياسي؛ عبَّرت عنه سياسة الهرولة والانبطاح من جانب بعض الأنظمة العربية المتهالكة، ورغم هذه الصورة المأساوية المستمرة منذ أكثر من قرن، أدرك الفلسطيني أن وجوده مهدد بالخطر وقرَّر أن يقاوم ويتحدى وأثبت أنه ليس حَمَلًا جاهزًا للذبح ولا سلعةً قابلة للمقايضة ورسّخ وجوده كمعادلة صعبة أمام مشاريع الإبادة والإقصاء من الوجود والتاريخ والجغرافيا.

لقد عجز العدو عن إبادتنا واقتلاعنا بالكامل من أرضنا، ولأنَّ الفلسطيني، في أقسى ظروفه واجه هذه المحنة التاريخية، استطاع أن يردع العدو ويضع حدًا لتمدده وتمكن من استقطاب أنظار العالم، وانبعث من تحت الركام في كل مرحلة ومحطة من الصراع.

ليس بمقدورنا إنكار الهزائم والانكسارات التي مرت بها الأمة العربية والثورة الفلسطينية، ولا يمكننا حجب تعثُّر حركتنا الثورية في مواجهة الاستعمار الصهيوني، وهذا ليس مخجلًا، ويكفينا شرف المواجهة والثورة في كل محطة؛ دفاعًا عن الوجود والحقوق، ولنا أن نفخر بأجدادنا وآباءنا الذين فجَّروا الثورة تلو الثورة والانتفاضة تلو الأخرى بإرادةٍ صلبة، وبطولات تُسجَّل في صفحات التاريخ المشرفة.

واليوم ونحن لا نزال في ميدان المواجهة والاشتباك، فإننا نشهد أخطر مرحلة في معركتنا التحررية في ضوء الهجمة الصهيونية الشرسة على أرضنا وشعبنا وحقوقنا التاريخية وانحياز الولايات المتحدة والعديد من الدول والأنظمة اليمينية في العالم، وتحالف عدد من الأنظمة العربية العميلة مع العدو، وفي ظل حالة الضعف والتردي العربي وانشغال كل دولة بأزماتها الداخلية، والأهم من كل ذلك؛ حالة الضعف والترهُّل التي وصلت لها الحالة الفلسطينية في السنوات الأخيرة، تركت كل هذه العوامل الاحتلال يصول ويجول وشكَّلت ربحًا صافيًا له، من دون أن يرفع الثمن.

فالمرحلة السياسية وصلت إلى ذروة استعصائها، ولكن لا يجوز لنا أن نيأس، وإنما يجب أن يُشكِّل ذلك حافزًا لمراجعة حساباتنا والعودة إلى مربع الوحدة والمقاومة.

نحن الآن بحاجةٍ إلى بطلٍ يلعب دور القائد في معركتنا الطويلة والقاسية، وهذا البطل ليس شرطًا أن يكون رجلًا كصلاح الدين، وليس شرطًا أن يكون حركة أو حزبًا بعينه، لأنَّ فلسطين أكبر من كل الحركات والأحزاب والأشخاص، إنها تحتاج إلى كافة المخلصين رجالًا ونساءً من شعبنا وأمتنا وشرفاء العالم.

إن هذه المرحلة تتطلب من الجميع المسؤولية والإخلاص، فما جرى قبل أسابيع في بيروت في اجتماع الأمناء العامُّون للفصائل خطوة في الاتجاه الصحيح، وينبغي أن تؤسس لمرحلة جديدة في العمل الوطني السياسي والكفاحي، ويتعيَّن علينا أن نباشر في ترجمة مقررات هذا الاجتماع، وتشكيل اللجان المطلوبة، وينبغي أن تتجسد الوحدة الوطنية على الأرض وفي الميدان، وفي الشارع والمدرسة والجامعة والبلدية والاتحادات والمؤسسات الأهلية، كما ويتطلب أيضًا إطلاق ثورة داخلية تقضي على الفساد والفاسدين الذين يؤدون دورًا يتقاطع مع مصالح الاحتلال وإطالة أمده ويسيئون لشعبنا ونضاله؛ ثورة ثقافية ومجتمعية تشمل التعليم والثقافة والأدب والفنون والعلاقات المجتمعية والسياسية والعودة إلى ثقافة الانتفاضة الأولى كنموذج عز نظيره في النضال والتضامن والتلاحم ومكافحة النزعات الاستهلاكية الاستعراضية ومكافحة مظاهر العشائرية والنعرات المناطقية والزبائنية والمحسوبية، وضرورة تعميق الديمقراطية ومكافحة العنف والجريمة، وما خلَّفه الانقسام من آثار ألقت بظلالها الثقيلة على شعبنا طيلة السنوات الماضية، وأصابت كل بقعة في فلسطين، في الضفة والقطاع ومناطق 48 والسجون والشتات، وتأثرت الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية وقادت إلى إحباطات نفسية؛ فالمصالحة يجب أن تشمل الجميع؛ القوى والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والحركات الطلابية والشبابية والسجون.

يجب أن تؤسس المصالحة لمرحلة جديدة من النهوض الوطني، وتعزيز صمود شعبنا في مواجهة الاحتلال والاتفاق على استراتيجية وطنية موحدة وناضجة ومسؤولة تتصدى لمهامها وأعباءها الثقيلة، والاتفاق على برنامج سياسي وكفاحي يستند على تراث شعبنا وحقه في المقاومة، فنحن لا نبدأ من الصفر ولنا تجربةً طويلة ممتدة لأكثر من مئة وعشرون عامًا من المواجهة مع المشروع الصهيوني.

إن البطل الذي سيقود المرحلة موجود منذ زمن طويل؛ إنه الشعب وقواه الحية وجماهيره المكافحة التي تُسدِّد فاتورة التضحية في كل مرحلة؛ بطلٌ جماعي، وليس أفرادًا شعارانين، ولا قادة خطابيين، فمتى آمنت الجماهير بفكرة التحرر والثورة سيصبح فعلها هادرًا ومدوِّيًا.

فإذا اجتمع الفلسطيني تحت سقفٍ واحد وإطار قيادي موحد وخطاب سياسي وكفاحي موحد، فإن هذا التحوُّل سيثمر في أسرع مما نتصور، وسيخسر العدو المعركة قبل أن تبدأ، ولن يجرؤ أحدٌ من المتهافتين أن يتذرع بانقسامنا، ولن يبرِّر خيانته بتشرذمنا، وسيكون بوسعنا استعادة زمام المبادرة السياسية والنضالية، ونعيد اصطفاف جماهير أمتنا العربية وأحرار العالم من خلفنا؛ وسيخسر الاحتلال مكاسبه التي حققها في السنوات الأخيرة على حسابنا.

لن ينصفنا أحدٌ ما لم ننصف أنفسنا، ولن ينحاز لقضيتنا أحدٌ ما لم نكن نحن أولًا منحازون لها بالأقوال والأفعال والمواقف، عندها سيقصُر عمر الاحتلال وسنبدأ فعليًا في ترجمة المشروع الوطني التحرري على الأرض.

البطل فينا جميعًا، فقط اتركوا له  أن يلعب الدور الذي رتبه له التاريخ.