Menu

البيان الختامي للقاء مصر والأردن مع الوفد الأوروبي : محاولة لإعادة عقارب الساعة الصهيو أميركية إلى الوراء

عليان عليان

خاص بوابة الهدف

الاجتماع الذي عقد في عمان في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، بمشاركة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الخارجية المصري سامح شكري، ووزيري خارجية كل من فرنسا وألمانيا "جان إيف لودريان" و "هايكو ماس"، بالإضافة إلى مبعوثة الاتحاد الأوروبي لعملية السلام في الشرق الأوسط "سوزانا تريستال" - هو الاجتماع الثالث من نوعه، إذ عُقد الأول في ميونخ في شهر شباط/ فبراير 2020 والثاني في تموز/ يوليو 2020 عبر آلية الاتصال المرئي - لا يعدو كونه محاولة غير مجدية على الإطلاق، لإعادة الأمور التفاوضية بين منظمة التحرير والعدو الصهيوني إلى المربع الأول، وإعادة عقارب الساعة الصهيو أميركية إلى الوراء.

ولو دققنا في الكلمات، التي ألقيت في المؤتمر الصحفي المشترك من قبل كل من وزير الخارجية المصري، ووزير الخارجية الأردني، ووزيري خارجية كل من فرنسا وألمانيا في الرابع  والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) الجاري، لاكتشفنا أنها لم تكن متطابقة كليةً في مضامينها، رغم البيان الختامي التوفيقي الذي صدر عن هذه الأطراف.

فالوزير المصري رأيناه يثمن اتفاقيتي كل من الإمارات و البحرين مع العدو الصهيوني؛ مزوراً الحقائق، حين يقول أن هاتين الاتفاقيتين تخدمان عملية (السلام الشامل) وفق قواعد الشرعية الدولية، وهذا الطرح التدليسي من قبله جرى عكسه في البيان الختامي، متجاهلاً حقيقة أن الاتفاقين شكلا ضربة في خاصرة القضية الفلسطينية، وتراجعاً عن "مبدأ الأرض مقابل السلام"- على سوءته- والذي جرى إقراره في قمة بيروت عام 2002، ولم يفسر لنا معاليه، كيف أن هذا الاتفاقين الأخيرين الموقعين مع العدو الصهيوني سيؤديان إلى سلام شامل في المنطقة قائم على قواعد الشرعية الدولية؟!

أما وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي - الذي ترفض حكومته صفقة القرن - فرغم أنه لم يجاري نظيره المصري فيما ذهب إليه من تثمين للاتفاقيتين، من خلال قوله: "كل اتفاقيات السلام الموقعة بين الدول العربية وإسرائيل سيعتمد أثرها على كيفية تعامل إسرائيل معها"، لكنه جافى الحقيقة عندما قال: "الإمارات والبحرين والدول العربية والاتحاد الأوروبي، والكل يؤكدون على أن حل الدولتين هو الطريق لتحقيق هذا السلام"، وهو بهذا الحديث يتجاهل حقيقة أن البحرين والإمارات داستا عملياً على ما يسمى "مبدأ  الأرض مقابل السلام"، وعلى مبادرة السلام العربية- على سوءتها- التي فتحت باب التطبيع على مصراعيه.

أما وزيري خارجية كل من فرنسا وألمانيا، فرغم ترحيبهما باتفاقي الإمارات والبحرين التطبيعي، إلا أنهما أكدا على ما ذهب إليه الوزير الصفدي، بأن الاستقرار يمر عن طريق حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وإقامة دولتين قابلتين للحياة تعيشان جنباً إلى جنب بأمن وسلام في حدود معترف بها على أساس خطوط 1967، وتكون القدس عاصمة للدولتين.

قراءة أولية في البيان الختامي للاجتماع:

التدقيق في مفردات البيان الختامي تقودنا إلى تسجيل ما يلي:

أولاً: أن البيان الختامي لم يأتِ من قريب أو بعيد، على ذكر صفقة القرن وتداعياتها، وعلى ذكر الإجراءات التي تمت في ضوئها، مثل نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس واعتراف الإدارة الأمريكية بأن القدس بشطريها عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، ووقف الدعم الأمريكي "للأونروا"، وإيعازها لدول الخليج بوقف منحتها السنوية لها. ولم يأتِ على ذكر الاشتراطات التعجيزية والمذلة لقيام دولة فلسطين بعد أربع سنوات من تاريخ الإعلان عن الصفقة. ولم يأتِ على ذكر الأبعاد الإقليمية الأخرى للصفقة، مثل اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان...الخ.

ثانياً: البيان الختامي عكس عملياً موقف وزير خارجية مصر في تثمينه وتغطيته لاتفاق  الإمارات مع الكيان الصهيوني، عندما أقر ضمناً أن الاتفاق "جمد عملية الضم" وهذا غير صحيح إطلاقاً، في ضوء تصريحات نتنياهو المتكررة بنفي ذلك، والتي أكد فيها أنه يعمل على فرض السيادة الإسرائيلية على عموم الضفة الغربية، وليس فقط على منطقة الغور وشمال البحر الميت، إذ تضمن  البيان  في بنده رقم (4) التغطية السياسية الكاذبة والزائفة لحكومة الإمارات التي أعلنت بأن اتفاقها  التطبيعي مع (إسرائيل) تضمن تجميد قرار الضم... انظر نص البند الرابع: "بالإشارة للبيان المشترك الصادر عن اجتماعنا بتاريخ 7-7-2020، نأخذ علماً بتجميد أراضي فلسطينية، في أعقاب الإعلان عن قرار تطبيع العلاقات بين دولة الإمارات العربية وإسرائيل".

ثالثاً: البيان يعيد الاعتبار للمفردات السياسية السابقة على صفقة القرن على نحو: دعم جميع الجهود المستهدفة تحقيق سلام عادل ودائم وشامل يلبي الحقوق المشروعة للأطراف كافة، على أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة والمرجعيات المتفق عليها، بما فيها مبادرة السلام العربية / حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على أساس حل الدولتين / التأكيد على الدور الجوهري لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وضرورة استمرار وتوفير الدعم المالي والسياسي الذي تحتاجه للمضي في تنفيذ ولايتها وفق القرارات الأممية وتقديم خدماتها الحيوية للاجئين / التأكيد على أن بناء المستوطنات وتوسعتها ومصادرة الممتلكات الفلسطينية خرق للقانون الدولي يقوض حل الدولتين، ودعوة طرفي الصراع إلى تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2334 بالكامل وبجميع بنوده.

رابعاً: البيان يعيد الاعتبار ضمناً لاتفاقات أوسلو، من خلال دعوته لاستئناف مفاوضات جادة بين طرفي الصراع وفعالة وبشكل مباشر على أساس القانون الدولي والمرجعيات المتفق عليها  وعبر "الرباعية الدولية" التي هي من أبرز ميكانزمات أوسلو اللاحقة، خاصةً بعد طرح خطة خارطة الطريق عام 2003.

خامساً: البيان أعاد الاعتبار نظرياً بشأن ولاية الأردن على الأماكن المقدسة؛ من خلال   النص: "على أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة في القدس، والدور الهام للأردن والوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة".

 انعدام الفرص أمام نجاح مخرجات هذا الاجتماع:

وفي التقدير الموضوعي أن الفرصة تكاد تكون معدومة أمام نجاح مخرجات هذا الاجتماع في ضوء ما يلي:

1- أن الإدارة الأمريكية، وفي السياق التاريخي الممتد منذ مؤتمر جنيف 1974 وحتى اللحظة الراهنة، ترفض إعطاء أي دور للاتحاد الأوروبي، في حل الصراع العربي الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية.

2- أن حل الدولتين بات وراء ظهر كل من الولايات المتحدة والعدو الصهيوني؛ من خلال صفقة القرن والإجراءات التطبيقية لها.

3- أن النظام المصري المشارك في هذا المؤتمر، لم يعلن عن رفضه لصفقة القرن، وهو أول من ثمن وبارك الاتفاقين الموقعين، بين كل من الإمارات والبحرين مع العدو الصهيوني، رغم نقضهما "لمبدأ الأرض والسلام" الوارد في مبادرة السلام العربية المقرة، في قمة بيروت عام 2002، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يوفق النظام المصري بين الشيء ونقيضه، إلا إذا اعتبرنا مشاركة النظام المصري في المؤتمر، نوعاً من التمويه في لعبة علاقات عامة سياسية؟

4- أن الجامعة العربية، هي عملياً بالضد ما جاء في البيان بشأن حل الدولتين والشرعية الدولية والقانون الدولي..الخ،وباتت بحكم ارتهانها لدول النفط وللإدارة الأمريكية، معنية بالتطبيع مع العدو الصهيوني، ولم تعد تشترط عملياً تنفيذ ما يسمى "مبدأ الأرض مقابل السلام"، وباتت تبارك لجوء بعض الدول العربية إلى إقامة أوثق العلاقات مع العدو الصهيوني، دون اشتراط انسحابها من الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 1967.

أخطار التشبث بمفردات التسوية مجدداً:

إن مثل هذا البيان ينطوي على أخطار على القضية الفلسطينية – بقصد أو بدون قصد- من الزوايا التالية:

أولاً: رغم أنه لا توجد فرص لتنفيذ ما ورد فيه - في ضوء العقبات سالفة الذكر – إلا أنه يشيع آمالاً وأوهاماً لدي قيادة السلطة والمنظمة، بضرورة العودة للمربع الأول، لا سيما أن هذه القيادة رغم صفقة القرن، ورغم الاندلاق التطبيعي العربي، ورغم تخلي الجامعة العربية عنها وعن القضية الفلسطينية، لا زالت تصر على نهج التسوية، وليس أدل على ذلك خطاب الرئيس الفلسطيني الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يردد فيه ذات مفردات البيان الختامي للمؤتمر الأوروبي المصري الأردني.

ثانياً: أن سحب قيادة المنظمة والسلطة، للتعاطي بجدية مبالغ فيها مع هكذا مفردات سياسية سيؤثر بالسلب على التفاهم الفلسطيني بحدوده الدنيا الذي تم في مؤتمر الأمناء العامون مؤخراً الذي عقد في كل من بيروت ورام الله عبر آلية "الفيديو كونفرنس"، والذي نجم عنه تشكيل لجان لإنجاز المصالحة وترتيب البيت الفلسطيني، وإنجاز قيادة موحدة للمقاومة الشعبية.

ثالثاً: كما أن تعاطي قيادة المنظمة ،مع مخرجات هذا الاجتماع، يؤدي إلى تنفيس حالة الغضب والاحتقان الشعبي الفلسطيني والعربي، ضد الاندلاق التطبيعي المذل مع العدو الصهيوني.

انتهى