Menu

الأزمة في لبنان مستمرة

جمال واكيم

نُشر هذا المقال في العدد 18 من مجلة الهدف الرقمية

يواجه لبنان أزمة كبيرة منذ نحو عام نتيجة تراكم الدين العام الذي رتبته الطبقة المالية المضاربة المتمثلة بالمصارف على الدولة نتيجة تحالفها مع الطبقة السياسية، ونتيجة اختصارها الاقتصاد اللبناني بقطاع الخدمات والمضاربات المالية، وقد استغلت الولايات المتحدة هذا الأمر لفرض عقوبات على لبنان كانت تعرف أنها ستؤدي إلى تفجر الأوضاع الاقتصادية في هذا البلد، في محاولة منها للضغط على رئيس الجمهورية وعلى حزب الله لعزلهما ووضع لبنان تحت المظلة الأميركية للتعويض عن خسارة الولايات المتحدة للميدان السوري، وهي كانت تريد تحويل لبنان إلى خاصرة نازفة لسورية، كما حولت العراق لخاصرة نازفة لإيران. وتقوم الاستراتيجية الأميركية على استنزاف خصوم واشنطن قبيل الانتخابات الرئاسية للحصول على تنازلات، تمهيدًا للدخول في تسويات كبرى في أوائل العام 2021.

هذا دفع إلى تفاقم الأمور في لبنان وصولاً إلى استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري واندفاع الثنائي عون – حزب الله إلى تشكيل حكومة برئاسة حسان دياب؛ إلا أن هذه الحكومة لم تستطع مواجهة أي من الأزمات الاقتصادية أو السياسية في البلاد. وما فاقم الأمر زيادة، هو أزمة كورونا التي دفعت إلى ركود عالمي زاد الطين بلة بالنسبة للاقتصاد اللبناني. هنا تدخل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للتواصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريق "الحمائم" في الخارجية الأميركية لإقناعهم بعدم زيادة الضغط على لبنان، وتشكيل حكومة خبراء تلبي التطلعات الأميركية لجهة تحييد لبنان عن الصراع مع إسرائيل، ومنع حزب الله من تقديم العون للفصائل الفلسطينية المقاومة. وبسبب الوضع البائس في لبنان، فإن الرئيس عون؛ الحليف الرئيسي لحزب الله رضخ للمبادرة الفرنسية، كما استجاب لها حزب الله، وارتضيا بتسمية المرشح الفرنسي مصطفى أديب رئيسًا للحكومة؛ إلا أن هذا الأخير رضخ لضغوط رؤساء الحكومة السابقين وعلى رأسهم فؤاد السنيورة الذين يقومون بتنسيق مواقفهم مع فريق الصقور في الخارجية الأميركية برئاسة وزير الخارجية مايك بومبيو؛ فحملوا أديب الشروط الأميركية القائلة: بمنع تمثيل حزب الله بالحكومة والرضوخ لكافة الإملاءات الأميركية.

ونتيجة الخوف من فرض عقوبات أميركية وغربية عليه، فإن رئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل؛ بدأ بالابتعاد عن حزب الله، وبدأت تخرج أصوات من داخل التيار الوطني الحر تهاجم حزب الله وحليفته حركة أمل، هذا يفسر السجال الذي حدث بين الوطني الحر وأمل حول وزارة المالية.

بالنسبة لوزارة المالية هنالك شقان؛ الشق الأول يرتبط بطبيعة التركيبة اللبنانية التي تتشارك فيها الطوائف بمختلف السلطات؛ السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. بالنسبة إلى السلطة التنفيذية، فإن المسيحيين يتمثلون برئيس الجمهورية، والسُنّة يتمثلون برئيس الوزراء، فيما يبقى الشيعة خارج هذا التمثيل في حال فقدوا سلطتهم أو سيطرتهم على وزارة المالية، لأنها هي التي تعطيهم القدرة على التأثير في السلطة التنفيذية، لذلك فإن اتفاق الطائف لحظ رصد هذه الوزارة للطائفة الشيعية.

أما الشق الثاني فيرتبط بالتذرع بالميثاقية لرفض ما يعتبره الثنائي الشيعي مناورة من قِبَل الولايات المتحدة وفرنسا بالتضافر والتعاون مع معظم الأطراف اللبنانية لإخراج حزب الله من الحكومة وتفكيك الكتلة الشيعية، تمهيداً لفرض المقررات التي يريدها الغرب لجهة نزع الشرعية عن المقاومة في لبنان أو ترسيم الحدود البحرية وفرض الرقابة على الحدود البحرية والبرية، وهو مطلب أميركي منذ العدوان الإسرائيلي على هذا البلد في العام 2006.

في ما يتعلق بالآراء التي تقول بأن الهدف من التمسك بتسمية الوزراء مباشرة هو عرقلة لتشكيل الحكومة، فإن هذا هو التفسير الذي يتقدم به الفريق المناوئ لحزب الله؛ فأي حكومة في لبنان هي حكومة سياسية حتى لو تمثل بها من يُسمّون بالمستقلين، إذ لا يوجد في لبنان وفي أي بلد مستقلون، لأن أساس أو طبيعة أي حكومة هي سياسية، وهنالك شكوك لدى الثنائي الشيعي/ حزب الله وحركة أمل/ أن هنالك مناورة تقوم بها الولايات المتحدة وفرنسا، وقد انضوت معظم الأطراف اللبنانية فيها؛ من أجل إخراج حركة أمل وحزب الله من الحكومة، وإدخال عناصر لا تُمثل هذا المكون الشيعي الذي تُمثل أغلبية (80 بالمئة من الطائفة الشيعية)، وهذا ما يفسر إصرار الطرفين على تسمية الوزراء، علماً بأن الأطراف الأخرى هي التي ستُسمي وزراءها من دون الإعلان عن ذلك.

في ما يتعلق بالأطراف الأخرى، يجب أن نُميز بين الفريق الذي يضم تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، والذين ينساقون في رِكاب السياسات الأميركية والفرنسية والسعودية، وهي تهدف إلى عزل وتهميش حزب الله بالدرجة الأولى، والمكون الشيعي تمهيداً لإقرار صيغة أو انتزاع لبنان بالكامل من أي علاقة مع سوريا وإيران ومع الصين وروسيا، ووضعه بالكامل تحت المظلة الأميركية، كتعويض لها عن خسارة مكانتها في الميدان السوري وإلى حدٍ ما العراقي.

أما في ما يتعلق بالتيار الوطني الحر، فيبدو أن زعيم التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل، قد رضخ للضغوط أو التهديدات الفرنسية بإمكانية فرض عقوبات عليه، لذلك يبدو أنه رضخ للمطالب الفرنسية، وهذا ما يفسر التباين بينه وبين حزب الله وحركة أمل ورفض الثنائي الشيعي لمبادرة التيار الوطني الحر التي يعتبرها أنها تأتي كجزء من المناورة الفرنسية التي تُحاك ضد الطرفين، أي حركة أمل وحزب الله.

في ما يتعلق برئيس الحكومة المكلف الذي يُقدم على أنه مُحايد وتكنوقراط، هو عملياً ليس كذلك، أولاً هو كان مُقرباً من رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، وحتى الآن تمت تسميته من قِبَل فرنسا، أي الرئيس الفرنسي، وبرضى أميركا وبالتنسيق مع الألمان، أي أنه يقع تحت مظلة النفوذ الغربي، بالإضافة إلى أن المشاورات التي يُجريها تبدو متأثرة بدرجة كبيرة برؤساء الوزراء السابقين، على رأسهم رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة، وهو بذلك ليس محايداً، والفريق الذي يُقدم على أنه فريق اختصاصي؛ فريق الخبراء، هم من الذين سترشحهم القوى الغربية على أنهم فريق تكنوقراط، ولنا في لبنان وغيره من الدول تجربة مع من قُدموا على أنهم تكنوقراط عملوا في منظمات دولية وخبراء وما إلى ذلك، فتبين لاحقاً أنهم مُسيسون وينساقون لتنفيذ سياسات محددة، لذلك هناك شكوكًا في القدرة على تشكيل حكومة من اختصاصيين محايدين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأزمة في لبنان هي أزمة بنيوية، عدا عن أن لبنان يخضع لتجاذبات عنيفة الآن؛ غربية تريد استخدامه كقاعدة لتوجيه سياسات معادية للمحور الأوراسي أي روسيا والصين وإيران، وهذا يُهدد بتفجير البلد، وهنالك أيضاً أزمة بنيوية في بنية الاقتصاد والبنية السياسية في البلاد التي تحتاج إلى إعادة هيكلة وتركيب، وهذا يرقى إلى الدعوة إلى مؤتمر تأسيسي تُدعى إليه النُخب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وما إلى ذلك من مختلف الشرائح للإعداد لمؤتمر تأسيسي وخطوات تشمل إعادة الهيكلة السياسية والاقتصادية للبلاد، وهذا عمل عميق يتجاوز مهمة حكومة تكنوقراط؛ لذا فإن المبادرة الفرنسية حتى الآن لا يمكن أن تنجح، حتى لو أقامت جسوراً مع حزب الله، لأن الأساس بالأزمة الحالية هو التصعيد الذي تقوم به الولايات المتحدة في المنطقة والعالم ضد من تعتقدهم خصومها، وذلك تمهيداً للحلول التي ستأتي بعد الانتخابات الأميركية.