Menu

التطبيع الاماراتي والخليجي.. "حلف بغداد" جديد (2) بيع الوهم في التوقيع على اتفاقات "ابراهام"

مراقب خليجي

نُشر هذا المقال في العدد 18 من مجلة الهدف الإلكترونية

مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2020 جرت في البيض الأبيض مراسم توقيع ما أطلق عليه اتفاقات "ابراهام"، "معاهدة السلام والعلاقات الدبلوماسية والتطبيع الكامل" بين دولة الاحتلال وكل من الإمارات (على شكل اتفاقية) والبحرين (على شكل إعلان). وقد تبين أن الاتفاقية مع الإمارات لا تذكر شيئا عن التعهد "الإسرائيلي" المزعوم بالتراجع عن مشروع الضم، ولا إشارة لحل الدولتين أو لدولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو القدس الشرقية وحدود 1967 أو أي ذكر لمبادرة السلام العربية. وقد التزمت الإمارات ودولة الاحتلال باتخاذ خطوات لمنع أي عمل عدائي من أراضيهما ضد الدولة الأخرى (أعمال المقاومة)، إضافة إلى توقيع اتفاقيات تعاون في عدد من المجالات منها المال والاستثمار والتجارة والاقتصاد والعلوم والاتصالات والطيران والسياحة والصحة والماء والطاقة وغيرها.

وقد نصت المادة السابعة من الاتفاقية على تعاون الإمارات والكيان الصهيوني مع الولايات المتحدة على إطلاق "أجندة استراتيجية للشرق الأوسط" تشمل العمل على "تطوير الأمن والاستقرار الإقليمي"، أما المادة التاسعة فهي تضع هذه الاتفاقية فوق أي اتفاقيات دولية تتعارض معها، وتحتم على الدولتين الغاء أو تعديل التشريعات والقرارات التي لا تتفق معها (لا يبدو أن مبادرة السلام العربية التي تشترط قيام دولة فلسطينية وحل مسألتي القدس واللاجئين ستسلم من هذا الشرط). كل ذلك يتم في دولة يتمتع مواطنوها اليهود بحق قبول أو رفض الاتفاقية من خلال الكنيست، في مقابل دولتين لا صوت يعلو فيهما فوق صوت الحاكم. وفي حين كانت نتائج الاتفاقيات مع مصر والأردن سلامًا باردًا، فإن المطلوب اليوم سلام من نوع جديد، "سلام دافئ" يقتحم بيوت المواطنين ويحتل قلبوهم.

تحالف استراتيجي لملء فراغ ستتركه أمريكا

تحدثنا في الحلقة السابقة عن حلف جديد يتشكل في المنطقة على شاكلة حلف بغداد المقبور. كتب توماس فريدمان في نيويورك تايمز مقالًا في 15 سبتمبر الجاري، قال فيه: أن الامارات والبحرين ترغبان في "مشاركة المعلومات الاستخباراتية" مع الكيان، وأن السعودية باركت هذا التعاون بالسماح بعبور طائرات العال من خلال الأراضي السعودية. ويضيف "أمريكا تخفض بشكل كبير وجودها العسكري في الشرق الأوسط، وهناك تحالفات جديدة تحاول ملء الفراغ؛ هناك محور إيران-حزب الله في لبنان وسوريا وأجزاء من العراق واليمن، وهناك التحالف التركي ال قطر ي. يقابل هؤلاء محور ضمني إسرائيلي-إماراتي-بحريني-سعودي، ومعهم يتشكل محور آخر مكون من مصر والأردن والعراق. وينقل فريدمان عن ديفيد ماكوسكي الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، التابع للوبي الصهيوني آيباك، قوله: إن الامارات تعتبر هذا الاتفاق "بوليصة تأمين" في حالة فوز جو بايدن، تحميها من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين الذين يأخذون عليها وقوفها ضد اتفاق أوباما-إيران النووي وتورطها في حرب اليمن.

أما بشأن مزاعم الإمارات أنها أوقفت مشروع ضم 30% من أراضي الضفة، فيقول فريدمان أن خطة كوشنر، التي ساهم نتانياهو وسفيره في واشنطن في صناعتها، كانت تقوم على ضم 30% من أراضي الضفة، مقابل الاعتراف بدولة فلسطينية في بقية الـ 70% المقطعة الأوصال؛ غير أن حلفاء نتانياهو من المستوطنين رفضوا التخلي عن شبر واحد من أراضي "وهبها" الله لليهود. وعندما حاول نتانياهو ضم الـ 30% دون القبول بدولة فلسطينية فيما تبقى منعه الأمريكان. ورغم أن الأمر أصبح منتهيًا، "تدخل" الإماراتيون ليعرضوا التطبيع مقابل تجميد مشروع أصبح مجمدًا بحكم الفيتو الأمريكي، أي أنهم عرضوا كل شيء مقابل لا شيء. منح هذا ورقة توت لحكام الإمارات للتغطية على خيانتهم القضية الفلسطينية، وأعطى نتانياهو نصرًا دبلوماسيًا وسياسيًا كبيرًا ليثبت صحة تشدد موقفه الذي يقوم على أساس السطو المسلح تحت يافطة "السلام مقابل السلام"، مما سمح له بمخرج مقبول أمام اليمين المتشدد. ما قاله فريدمان في مقاله حول الحلف العربي الصهيوني الجديد الذي أصبح يتشكل دون مواربة، ويدخل العدو في حلبة الصراع في منطقة الخليج العربي، يتردد مثله في الدوائر الخليجية.

الاتفاقات الجديدة مع العدو تؤسس لأطر تعاون واسعة تثبت أنها أكثر من مجرد اتفاقيات تطبيع وعلاقات دبلوماسية، وقد صدرت تصريحات متناقضة حول أسباب تهافت حكومة البحرين على التوقيع على اتفاقية مع العدو، إلا أن أقربها للحقيقة هو ما قاله وزير الداخلية البحريني؛ من خلال تصريح نشرته الصحف في 15 سبتمبر، جاء فيه: "إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل يأتي في إطار حماية مصالح مملكة البحرين العليا، والتي تعني حماية كيان الدولة.. اختارت إيران فرض الهيمنة بأشكال عدة وشكلت خطرًا مستمرًا على أمننا الداخلي.. ليس من الحكمة أن نرى الخطر وننتظر وصوله إلينا إذا كان بالإمكان تفاديه.. نحن بلد مصمم على المضي في تعزيز إمكانياته الذاتية وتبقى استراتيجيتنا أساسها وجود تحالفات قوية في مواجهة الأخطار المحتملة.. تضاءلت حظوظ مختلف الحلول التي تم طرحها كمبادرات سلام من أجل حل القضية الفلسطينية الإسرائيلية.. إن التحديات المصيرية اليوم وصلت إلى المنطقة ولا يمكن أن نتجاهلها أو نغض الطرف عنها.. والرؤية الاستراتيجية لمستقبل جديد في ظل متغيرات وتحديات جديدة تتوافق مع هذا الموقف السياسي الاستشرافي.. مما لا شك فيه، فإن التعاون حول هذا المشروع من قبل البحرين قد عزز من عمق الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية".

رؤية وزير الداخلية التي تعبر عن رأي بيت الحكم هي باختصار: لا أولوية للقضية الفلسطينية، الاستدارة باتجاه المحتل أسبابها مصالح عليا للدولة تتطلب مجابهة "الخطر" الإيراني من خلال تكوين تحالفات جديدة، وهذا يخدم العلاقة مع القوة المهيمنة في الخليج، الولايات المتحدة. وقد حاول وزير الخارجية البحريني تخفيف حدة تصريح وزير الداخلية الذي استفز الإيرانيين، فقال في اجتماع مع أعضاء مجلسي الشورى والنواب صباح 17 سبتمبر الجاري، إن: "إعلان تأييد السلام خطوة ليست موجهة ضد أحد أو دول.. وأن البحرين ملتزمة بحسن الجوار وتريد أن تكون علاقاتها مع الجميع قوية ومتطورة"؛ غير أن الصحف والكتاب المواليين التقطوا الفكرة من تصريح أو تلميح عدد من المسؤولين الإماراتيين والبحرينيين، فكتبوا مؤيدين للاستراتيجية الجديدة التي تقوم على تحالف مكشوف مع العدو ضد الجار الإيراني. مدير تحرير صحيفة أخبار الخليج البحرينية عبد المنعم إبراهيم سارع بتأييد وزير الداخلية، قائلًا: إن جوهر موضوع إقامة علاقات دبلوماسية بين البحرين وإسرائيل هو أننا أمام تحول جديد في المنطقة ناشئ من رغبة أمريكا في تقليص وجودها العسكري. بينما قال رئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام فهد الشليمي المقرب من الدوائر الرسمية في مقابلة مع قناة العربية، أن: "هناك مشروع تركي وآخر فارسي، فأين مشروعنا.. هناك انسحاب أمريكي في المنطقة، لذلك هناك حاجة لترتيبات أمنية جديدة". 

ورغم ذلك، فإن هناك شكوكًا كبيرة في قدرة الكيان الصهيوني على الحلول محل الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي أو الدفاع عن دولة تبعد عنها أكثر من 2000 كيلومتر، وهو الذي عانى من هزيمة مذلة في حرب ال 33 يومًا مع حزب الله في لبنان الذي تبعد مواقعه بضعة أمتار عن حدود فلسطين المحتلة، لذلك جاء عنوان مجلة ليبراسيون: "اتفاقات أبراهام.. دفنوا القضية الفلسطينية ولم يضمنوا الحماية من إيران". الحقيقة أن تواجدًا أمنيًا وعسكريًا "إسرائيلي" لن يكون بديلًا للتواجد الأمريكي، وأن الحل الوحيد يكمن في الاعتماد على الذات من جانب، والعمل على تحسين علاقات الجوار بعيدًا عن الأحلاف الدولية.

المواقف الشعبية الخليجية

كانت المواقف الشعبية في الخليج العربي على طرف النقيض من المواقف الرسمية، باستثناء الكويت التي تتمتع بمؤسسة برلمانية نشطة، فإن كل الدول الخليجية مرشحة للتطبيع خلال الأشهر والسنوات القليلة القادمة، في مقدمتها عُمان التي استقبل سلطانها الراحل رئيس وزراء العدو في 2018، وسبقه لقاء مع اسحق رابين في 1994.

أما على الصعيد الشعبي، فما زال جدار الممانعة صامدًا، وقد شهدت دول الخليج العربي أنشطة وندوات افتراضية تضامنية وتوعوية عديدة تتعلق بالقضية الفلسطينية، ومساهمة الشعوب العربية في نصرتها، قام بها ائتلاف خليجيون ضد التطبيع، والجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع، وشباب قطر ضد التطبيع، والرابطة الإماراتية لمناهضة التطبيع، وبي دي اس الكويت، وغيرهم. وكان أبرز الأنشطة حشد التوقيع على "ميثاق فلسطين" الذي شاركت فيه مؤسسات مناهضة التطبيع في الوطن العربي وجمع أكثر من مليوني توقيع حتى مساء الخميس 17 سبتمبر.

ورغم أن جاريد كوشنر حاول تحريض الكويتيين على الفلسطينيين بحجة انهم أيدوا صدام حسين أثناء غزوه الكويت؛ إلا أنه في الكويت صدرت بعض أقوى المواقف الشعبية والبرلمانية وشبه الرسمية؛ الموقف الكويتي الشعبي ليس استثناءً، لكن حالة الديمقراطية النسبية في الكويت استثناء في الخليج العربي الذي تختفي فيه الصحافة الحرة وتتحول المنصات الاجتماعية إلى بديل للتعبير عن الرأي في الحدود الممكنة.

ورغم التضييق على النشطاء في أغلب دول الخليج العربي وسهولة الزج بهم في السجون بسبب تغريدات تنتقد الحكومات، فقد شهدت وسائل التواصل الاجتماعي تظاهرة عارمة مضادة للتطبيع، إضافة إلى قيام أفراد ومؤسسات أهلية بالتوقيع على بيانات وعرائض تستنكر إقامة علاقات طبيعية مع المحتل الغاصب. في الإمارات العربية؛ أصدر 20 ناشطًا إماراتيًا بيانًا أعلنوا فيه رفضهم "اتفاقية السلام" مع الكيان الصهيوني، أكدوا فيه أن شعب الإمارات سيبقى سندًا وداعمًا للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

وقد نقلت وكالة رويترز خبرًا من البحرين يوم 17 سبتمبر الجاري، يقول: إن إقدام الحكومة على اتفاق التطبيع أطلق موجة احتجاجات شعبية جديدة، يمكن أن تعيد النشاط للمعارضة التي تم قمعها بمساعدة قوات سعودية وإماراتية، وأن مواقع التواصل الاجتماعي قد ضجت بعبارات مثل "التطبيع خيانة" و "أنا بحريني والنظام لا يمثلني". وخلال الأيام التي تلت إعلان البحرين التحاقها بركب التطبيع خرج البحرينيون للتظاهر والاحتجاج في عدد من المدن والقرى؛ رغم حظر التظاهرات والتجمعات، وقامت في إثرها قوات الأمن باعتقال عدد من النشطاء والمتظاهرين.

وتصدر وسم (هشتاق) #بحرينيون_ضد_التطبيع تويتر حالما أعلنت البحرين رغبتها اللحاق بالإمارات في التوقيع على اتفاق الخيانة، حيث أعلن نشطاء من مختلف الاتجاهات السياسية، المعارضة للحكومة والموالية لها، عن رفضهم التطبيع مع العدو. وقد أصدرت 23 جمعية سياسية ومدنية منضوية تحت المبادرة الوطنية لمناهضة التطبيع بيانًا في 18 أغسطس؛ استنكروا فيه الهرولة للتطبيع مع العدو واعتبروه انتكاسة أخلاقية، كما أصدر 235 عالم دين شيعي بيانًا يرفضون فيه التطبيع.