إن "التعايش الوطني"، كما وصفه بدقه الرفيق الشهيد أبو علي مصطفى الذي كرسه اليمين الفلسطيني طوال عقود في منظمة التحرير وسماه زورًا وبهتانًا "بالوحدة الوطنية"، جاء اتفاق أوسلو وقصم ظهره وقضى عليه، مما يجعل من محاولة ترميمه والنفخ لإعادة احيائه هدر للجهد وللوقت، لأن ذلك الشكل من أشكال "الوحدة" استنفذ مبرر وجوده السياسي، وخدم اليمين في مرحله من تاريخ شعبنا؛ تكللت بالاستسلام أمام العدو في أوسلو، وبما أن هذه المرحلة اكملت دورتها، يجب إغلاقها والانتقال إلى مرحلة جديدة أعلى منها، بقيادة وطنية ثورية صادقة وأمينة.
اتسمت المرحلة التي توجت باتفاقيات أوسلو، بإدراك القيادة البرجوازية اليمينية الفلسطينية لطبيعة مصالحها الطبقية، ولضرورة السيطرة على المؤسسات والأجهزة التي تضمن تحقيقها، في الوقت الذي وقفت فيه قاصره وعاجزة وجبانه في الدفاع عن المصالح الوطنية العليا، وتخلت عن ما كانت تدعي أنها تعرفه وتدركه عن طبيعة الحركة الصهيونية وكيانها الاستعماري التوسعي، وتوصلت معه إلى "مصالحة تاريخية" أنهت من خلالها دورها في النضال الوطني وخاصة، إنجاز مهمة التحرير الكامل لفلسطين، من الاستعمار الصهيوني، واستقرت في موقعها الجديد، ضمن الكتلة التاريخية المعادي لشعبنا، مما وضعها في تناقض تناحري بين ما تدعيه، وبين ما هي عليه في الواقع، وخلقت أزمة شامله؛ بنيوية وقيادية، في الحركة الوطنية الفلسطينية. إن الوحدة الوطنية الفلسطينية لا يعتمد تحقيقها فقط، على عوامل وعلاقات داخلية خالصة، أي الموقف من الذات، بل أيضًا على مدى تماسك وترابط الموقف الفلسطيني من الاخر؛ النقيض للذات الفلسطينية، أي الصهيونية وكيانها، ليصبح الغوص والانكباب على دراسة الهدف من نشأتها واحتضان الإمبريالي لها، وفهم واستيعاب استراتيجيتها الاستعمارية وما يجريه قادتها، بالتعاون مع الدوائر الإمبريالية المتنفذة، من تطوير وتعديلات تكتيكيه على خططهم وأدواتهم لتعزيز مكامن القوة التي تضمن استمرار تفوق كيانهم الاستيطاني التوسعي، ستساعدنا نحن أيضًا على فهم وتحديد عناصر الضعف الاستراتيجية لهذا الكيان الذي لم يوجد لتلبية ضرورة اجتماعية تحررية لشعب مزعوم (اليهودية)، كما تدعي الحركة الصهيونية التي نشأة في أحشاء النظام الرأسمالي لتلبية ضروراته الاستراتيجية، عليه تصبح متابعتنا لكل ما يصدر؛ سياسيًا وأيديولوجيًا، عن هذه الحركة وكل ما يتخذه كيانها من قرارات، خاصة أن اتفاق أوسلو لم يخن التاريخ والرواية الفلسطينية، بل ضرب في الصميم الإرادتين القومية والدولية؛ شرط تجذير وتعميق وعي كافة المناضلين من أجل القضية الفلسطينية، وتعزيز قناعاتهم أن هذا المشروع الصهيوني الاستيطاني هو السبب المركزي والأساسي للنكبة والمأساة التاريخية للشعب الفلسطيني، أي بكلمات أخرى، لن نتحرر من هذه النكبة، إلا بتحقيق العودة، ولن نعود إلى ما كنا عليه، إلا بإزالة هذا الكيان كمؤسسات وأيديولوجيا من فلسطين والوطن العربي. لذا يصبح فهم البسيط والمركب في الفكر الصهيوني والبرنامج الاستراتيجي للحركة الصهيونية وأدوات تحقيقه الإقليمية والدولية التي تبذل جهود استثنائية للإبقاء على ازدهار وتمدد المشروع الصهيوني وقاعدته المادية (إسرائيل)، شرطًا لفهم واستيعاب طبيعة وجوهر البسيط والمركب في القضية الفلسطينية، ولتحقيق إنجازات تساهم في توسيع آفاق وساحات النضال الفسطيني وحركة تحرره الوطني، ونضال الشعوب العربية وحركة تحررها القومي، ولكي نتمكن من عرقلة نمو وتطور هذه القاعدة المادية للصهيونية (إسرائيل)، نحتاج إلى قيادة وطنية ثورية جريئة ذو عقل ديناميكي استراتيجي، توفق وتدمج بين النضال السياسي - الاقتصادي، بتطوير وتوسيع حملة المقاطعة لتصبح شاملة وعالمية، وتجذير المقاومة بكل أشكالها وخاصة المسلحة (العسكرية) التي يجب تصعيدها وتطبيقها بما يتلاءم والظروف الجديدة، لضرب وزعزعت بنية هذا الكيان المعدة لتوفير الشروط المادية للتوسع الاستيطاني الاستعماري والازدهار الاقتصادى، وإذا ما تحقق هذا الهدف الاستراتيجي ننهي ونقضي على "مجتمع" الامتيازات والرفاهية للمستوطنين في فلسطين، وسنحد من مقدرته على استجلاب مستوطنين جدد وتوفير مستوى معيشي عالي ومغري لهم، يحفزهم على الهجرة وترك مجتمعاتهم الأصلية، مما ينقل هذا الكيان ومجمل مشروعه إلى طور الأزمة التاريخية على طريق تعفنه وانحلاله، لذا ما يحدث الان من تطوير نوعي للعلاقات بين العدو الصهيوني ومعظم الأنظمة العربية، وخاصة النفطية هو ليس مجرد "انحراف عن المبادرة العربية"، كما وصف الرئيس العجوز محمود عباس الاتفاق الإماراتي الصهيوني، أو مجرد خيانة لهذا الزعيم أو ذاك، إنه تعبير عن تحالف طبقي بين الرأس مال النفطي المالي الريعي العربي غير المنتج، ورأس المال الإمبريالي الصهيوني الصناعي - التجاري، يلعب فيه رأس المال العربي، رغم كبر حجمه، دور تكميلي تابع، يأخذ على عاتقه دمج المصالح الطبقية للبرجوازية الفلسطينية في البنية الجديدة التي ترتسم ملامحها عربيُا - صهيونيًا لمطقتنا، والابقاء على التبعية السياسية للنظم العربية، وتعميق تخلف وافقار شعوبها وقطع الطريق على أي فعل نضالي ثوري جماهيري ضد هذه الأنظمة، بهدف تعزيز وتعمق الهيمنة والسيطرة الاستعمارية على مصادر الثروات العربية ووضعها في خدمة "مجتمعاتهم المتمدنة والمتحضرة"، كي تستمر كحاضنه للاستعمار وأيديولوجيته، وكأنها مجتمعات خارج التاريخ الذي يتوقف وينتهي، كما يعتقدون، عند تنفيذهم لمشاريعهم، الشيء الذي يتنافى وحركة التاريخ وينتهك القوانين الموضوعية لتطور المجتمعات وقيام الثورات. إن نقله نوعيه بهذا المستوى في العلاقات بين الأطراف المكونة لمعسكر الأعداء، يجب وبالضرورة أن تواجه بخطوة توازيها في النوعية والأهمية من قبل القوى التي ترفض وتقاوم الوجود الإمبريالي الصهيوني في الوطن العربي والمنطقة، وخاصة في الساحة الفلسطينية، نظرًا لأهميتها المعنوية والسياسية والنضالية، والتي يجب أن تلعب دور المقدمة الصدامية والرافعة لحالة الانهيار والاحباط التي يحاولون فرضها على كل الأمه العربية، وخاصة أن ما جرى من تحرك ورد فعل فلسطيني وما صدر من قرارات عن "أعلى هيئة سياسية" والمتمثلة بالأمناء العامين لا يستجيب لمتطلبات المرحلة، ولا يلبي الطموح الشعبي، بل سيترتب على هذه الخطوة/المناورة اليمينية نتائج عكسية تمامًا؛ إن لم تتدارك القوى الوطنية والثورية الأمور مبكرًا وتقدم على خطوات عملية ترتقي لمستوى المرحلة.
لقد جاءت الخطوة "الذكية" والمدروسة جيدًا لقيادة اليمين الفلسطيني "بلفلفة" اجتماع سمي ب "اجتماع الأمناء العامين" ليحقق هدفين مترابطين ويخدم أحدهما الآخر؛ الهدف الأول، منع أي اصطفاف لقوى رئيسية، وخاصة الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي وحماس التي وقفت تاريخيًا ضد مبدأ المفاوضات والتسوية السياسية، وضد الاعتراف بكيان العدو، وترجمت ذلك في رفضها لاتفاقيات أوسلو وما تبعه من اتفاقيات وبروتوكولات، هذا الاصطفاف لو حدث لأحدث هزه وطنية - إقليمية ودولية، تفرض على كافة المعنيين، وخاصة على العجوز القابع في المقاطعة، التفكير العميق بالخطوات اللاحقة. أما الهدف الثاني، أن يقدم محمود عباس وقيادة "فتح" أنفسهم، على أنهم " القيادة الفعلية" للشعب الفلسطيني والقادرين في المنحنيات المفصلية على "ضبط" كافة الاتجاهات، وخاصة "المشاغبة والمتمردة"، مما يعزز من "مكانتهم" بين زملائهم العرب في معسكر التسوية والاستسلام، على أمل تحسين شروط إقامتهم الدائمة في هذا المعسكر؛ خيارهم الاستراتيجي الوحيد منذ عقود، وتلويث كافة أقطاب الحركة الوطنية بفايروس الاستسلام، وما من شك أن قيادة اليمين اقتربت كثيرًا من تحقيق هذين الهدفين، وربحت جولة أخرى تمكنها من فرض رؤيتها وتصوراتها في مسألة "ترتيب البيت الفلسطيني وتحقيق الشراكة كما ترتئيها" واجراء الانتخابات التشريعية بمرجعية أوسلو، وبالتراتب الذي هي تريده لضبط الايقاع بين خطوه وأخرى والتعامل مع أي مستجد خارج الحسابات، ونجحت بتواطئ براغماتي من حركة حماس التي هي أيضًا لها أهدافها وحساباتها الخاصة التكتيكية، في تحقيق التوافق الثنائي بين الحركتين "بتجميد مفاعيل الانقسام " مع الإبقاء على عوامل إحيائه والعودة إليه قائمة، للجوء له عند الحاجه، وخاصة إذا تطلبت ذلك مرحلة ما بعد اجراء الانتخابات التشريعية التي لن تُجرى إن لم يضمن "تحالف" أوسلو، هذه المرة، فوزه بأغلبية المقاعد، بل سيعمل كل ما يستطيع لتحقيق ذلك. أما فيما يتعلق بالمجلس التشريعي؛ إما أن يكون أوسلوي أو لا يكون، ودعوات البعض لإجراء انتخابات تشريعية " بمرجعيه وطنية" بعد إلغاء اتفاقيات أوسلو والاعتراف "بإسرائيل"، عدا عن إنه وهم في الوقت الحالي على الأقل، يعبر أيضًا عن قصر نظر أصحاب هذه الدعوة، وعن عدم إدراكهم لحجم تداعيات قرار من هذا النوع على وجود السلطة نفسها، نتيجة ردة الفعل الصهيونية، على خطوه بهذا الحجم، لذا من شبه المؤكد أن السلطة لن تقدم فعليًا على إلغاء اتفاقيات أوسلو أو المس بها، وبالنتيجة لن تقدم على المس بالمرجعية الأوسلوية التي قام على أساسها التشريعي نفسه، وليس فقط الانتخابات التشريعية، وعلى هذا الأساس يفرض الواقع ويملي على أصحاب هذه الدعوة أن يقرروا عدم المشاركة؛ أن كانوا حقيقة جديين في توجهاتهم الثورية المعادية لأوسلو ونهجه، كي يستعيدوا مصداقيتهم ومكانتهم في صفوف الشعب والحركة الوطنية.
يتضح بكل جلاء كم هو المشهد معقد والأمور مركبة بشكل كبير، وأن الخطورة لا تكمن فقط في ازدياد شراسة وعدوانية المخطط الإمبريالي الصهيوني ومراكمته لأدوات تنفيذية عربية أخرى، بل أيضًا في استمرار وجود الغطاء الأوسلوي "الرسمي" الفلسطيني، لكل من يرغب في السير في ذات النهج الذي جاء بالسادات وعرفات وملك الأردن إلى أحضان العدو الصهيوني وبدون شروط. الخطورة الثانية، تكمن في موافقة المعارضين "لأوسلو وللاعتراف بإسرائيل" على استراتيجية اليمين البرجوازي التي أكد عليها البيان الختامي بتحديده لهدف النضال الاستراتيجي الفلسطيني في "إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة منذ عام 67"، أي تم خرق وضرب الهدف الاستراتيجي في برامج القوى الموقعة على البيان بنفيه استراتيجية التحرير لكل فلسطين من النهر إلى البحر. والخطورة الثالثة تكمن في قبول قوى يسارية مهمة ومركزية، بهذا البيان ، فبالإضافة لما قيل أعلاه، انكشف عجزها الكفاحي وفشلها في استمرار التمسك بشعار إسقاط اتفاقيات أوسلو والتنسيق الأمني، والذي تم استبداله بشعار سلطة أوسلو الذي يقول: أن هدف النضال في هذه المرحلة يتمثل ب "العمل على إفشال الضم"، ونسيت على ما يبدو أن الاستمرار في نهج واتفاقيات أوسلو يعني استمرار الاحتلال والاستيطان والضم والإلحاق والفشل والهزائم على الجبهة الفلسطينية، وأن نهج أوسلو يحفز نهج التسويات الخيانية ويشجع التطبيع والانصياع لمشيئة العدو من قبل الحكام العرب الرجعيين وأنظمتهم التابعة.
إن شعار "إلغاء الضم" لعب دورًا حاسمًا في تأطير واصطفاف كافة التنظيمات خلف قيادة لا يهمها؛ إلا مصالحها الطبقية وامتيازاتها التي تحصل عليها من خلال المساومة والعلاقات الناعمة والدافئة مع العدو، وبما أن النضال من أجل التحرير يحتم التناقض التناحري مع العدو، والذي تم إلغائه من قبل هذه القيادة، ويتطلب الصدام العنيف الذي يؤدي إلى خسائر وتضحيات هي غير مستعده لتقديمها، يصبح من العبث الاتحاد معها والاصطفاف خلفها، بل لا بد من القول أن الضرورة النضالية توجب استثنائها واستثناء الشريحة العليا من البرجوازية الفلسطينية التي تنتمي لها، والمسؤولة تاريخيًا، ليس فقط عن فشل الحركة الوطنية والثورة الفلسطينية الحديثة من تحقيق أهدافها، بل وهدر وتبذير كافة الإنجازات التي دفع شعبنا أثمان غالية جدًا من أجل تحقيقها، بما أن "منظمة التحرير" تخلت عن برنامجها السياسي وميثاقها القومي الذين تشكلت على أساسهما في العام 1964، واعترفت بشرعية الكيان (العدو) الصهيوني على الأرض التي عملت على تحريرها، لم تعد قادرة؛ بسبب التزامات قيادتها البرجوازية اليمينية، ومالكها الوحيد، باتفاقيات وعلاقات مع العدو، على احتضان كل التيارات الوطنية والإسلامية المناضلة التي لا تعترف بشرعية الكيان، لأن في ذلك تناقض مع وظيفتها السياسية الحالية، يصبح من الملح والضروري أن يبادر حزب أو مجموعة أحزاب للدعوة لتشكيل ائتلاف طبقي جديد للنضال الوطني الفلسطيني، يتحد في جبهة مقاومة وطنية فلسطينية، تحدد معسكر الأعداء بوضوح، وتطلق طاقات الجماهير وتعطي الأولوية القيادية للطليعة الواعية والمتقدمة من المناضلات والمناضلين الكادحين من بنات وأبناء شعبنا الفلسطيني التي لديها الاستعداد للنضال تحت هذه القيادة وبرنامجها الثوري.

