"لو كانت حالة الرعب التي سيطرت على المجتمع الاسرائيلي عام 48 لما قامت "إسرائيل"
صادف يوم السبت الثالث من تشرين أول/أكتوبر الذكرى الخامسة لاستشهاد البطل مهند الحلبي الذي يعتبر مفجر انتفاضة القدس -السكاكين ضد الاحتلال في القدس وأنحاء الضفة الغربية، ففي مثل هذا اليوم من عام 2015 ودع الشهيد مهند الحلبي عائلته وأسرته، متجهًا إلى مدينة القدس المحتلة ووصل إلى باب الأسباط بالبلدة القديمة، وما أن رأى مهند جنود الاحتلال الإسرائيلي المدججين بالسلاح يذلون الفلسطينيين ويهينون كبار السن حتى انتفض صارخًا "الله أكبر"، وتمكن من طعن جندي والاستيلاء على سلاحه، وفي تلك اللحظة فتح مهند النار على الجنود المتواجدين في المكان ليقتل منهم اثنين ويصيب 3 بجراح متفاوتة قبل أن يتمكن جنود الاحتلال من إصابة مهند بعشرات الطلقات النارية.
وقد أسست هذه العملية البطولية التي نفذها الشهيد مهند الحلبي لمرحلة جديدة وهي انتفاضة القدس والتي عرفت أيضًا بانتفاضة السكاكين، وانطلقت العمليات البطولية في كل مكان في الضفة والقدس المحتلتين، حيث تمكن منفذي العمليات البطولية من قتل عدد كبير من جنود ومستوطني الاحتلال الإسرائيلي، وقد فشل العدو الصهيوني في رهانه على تدجين جيل ما بعد اتفاق أوسلو، ودفعه إلى نسيان قضيته ووطنه ومقدساته، ويعتبر هذا الجيل...جيل مهند الحلبي وأبناء جبارين في سجل النضال الفلسطيني، عصي على الانكسار والنسيان، وقد فتحت هذه العملية البطولية للحلبي الباب أمام عشرات الشبان الثائرين لتنفيذ عمليات في القدس والضفة الغربية. ولذلك ليس من المبالغة أبدًا الحديث عن تداعيات الانتفاضة على "المجتمع" الإسرائيلي، وخاصة على الصعيد المعنوي-النفسي.
فبرغم التفوق العسكري الاسرائيلي الكاسح بالمعنى التقليدي، وبرغم كل الجرائم والانتهاكات الاحتلالية، بل بسببها إلى حد كبير، تفجرت حالة الغليان الفلسطيني المتراكم في هذه الهبة الانتفاضية الملحمية التي انطلقت من المدينة المقدسة لتنتشر سريعًا في أنحاء الوطن المحتل من بحره إلى نهره، وقد نجحت هذه الانتفاضة وفقًا للمؤشرات والمعطيات والشهادات المختلفة، وخاصة الاسرائيلية منها، في مراكمة جملة من الانجازات الإعلامية والمعنوية إلى حد كبير، ناهيكم عن تأثريتها على الاقتصاد الاسرائيلي، وصورة "اسرائيل" على المستوى الدولي،بينما تجذرت الانتفاضة في المجتمع الفلسطيني بوصفها فعل صمود وتحدٍ وبقاء في وجه البطش والقمع وبلدوزر الإرهاب والاستيطان، وتغلغلت تداعياتها السلبية في صميم نسيج مجتمع الاحتلال على مختلف الأصعدة.
فعلى قدر الضربات التي وجهتها الانتفاضة من خلال سلسلة عمليات الطعن والدهس المستمرة المفتوحة لجيش ومؤسسات الاحتلال، وعلى قدر الخسائر التي منيت بها دولة الاحتلال، على قدر ما أصابت النسيج السياسي المعنوي لتلك الدولة، الأمر الذي ينعكس بين آونة وأخرى في استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي.
وفي ذلك البعد، أظهر استطلاعان للرأي العام، نشراه موقع "واللا" الالكتروني وصحيفة "يديعوت أحرونوت الجمعة: - 01/01/2016 -، "أن أغلبية الإسرائيليين فقدت الشعور بالأمن في أعقاب الهبة الفلسطينية، وأن شعبية حزب الليكود بزعامة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، قد تراجعت بشكل ملموس". وبحسب استطلاع "واللا"، "فإن 61% من الإسرائيليين يشعرون بأن مستوى أمنهم تضرر أو تضرر جدًا منذ بدء الهبة الفلسطينية الحالية، بينما قال 29% إن مستوى أمنهم لم يتضرر كثيرًا، وفقط 9% اعتبروا أن مستوى أمنهم لم يتضرر أبدًا"، ولا شك ان تداعيات وتأثيرات الانتفاضة على العمق الإسرائيلي بمختلف عناوينة متزايدة متنوعة مع تنوعها واستمرارها، الأمر الذي انعكس في سلسلة متصلة من الشهادات والمعطيات المتنالية -باختصار شديد:
تداعيات سيكولوجية على "المجتمع" الإسرائيلي
وانتقالًا إلى جبهة الحرب النفسية المعنوية وهي الأخطر، فإنها تلعب دورًا كبيرًا في الانتصار أو الهزيمة في المواجهة، وفي الاحصائيات الإسرائيلية المتعلقة بالنتائج الأولية لهبة القدس، فقد أشارت إلى زيادة في طلب الإسرائيليين الحصول على سلاح بنسبة 5000%، وزيادة في مراجعة العيادات النفسية بنسبة 100%، نظرًا لأن عمليات الطعن والدهس، في القدس وأنحاء الضفة والداخل الفلسطيني، تطور لم يعرفه الإسرائيليون، كسلاح رئيسي فلسطيني، في المواجهات السابقة على هذ النحو، رغم أن القتلى من الجنود والمستوطنين والمدنيين الإسرائيليين، حتى الآن، يقلّ كثيرًا جدًا عن عددهم في الانتفاضتين، لكن الأثر النفسي أكبر، وأشار أخصائي فلسطيني في الطب النفسي، هو فضل عاشور من غزة، الى أنه يوجد في إسرائيل 3000 طبيب نفسي، بينما في البلاد العربية قاطبة 800 طبيب نفسي-- المركز الفلسطيني للإعلام-2015-10-20-“.
وفي التفاصيل فقد أظهر استطلاع للرأي أجري بين اليهود فقط ونشرته صحيفتا "معاريف" و"جيروزاليم بوست- 06/12/2015 -" أن نصف الإسرائيليين تخوفوا من المشاركة في احتفالات عامة في أعقاب تصاعد التوتر الأمني في البلاد إثر الهبة الفلسطينية"، وقال 81% إنهم غيروا تصرفهم في أعقاب العمليات التي ينفذها فلسطينيون، منذ مطلع تشرين الأول الماضي، بينما قال 46% إنهم "سيفكرون مرتين" قبل المشاركة في احتفالات عامة، وقال 37% إن الأحداث لن تؤثر على قرارهم في هذه الناحية، وأشار 21% إلى أنهم يعرفون شخصًا أصيب في العمليات التي نفذها فلسطينيون، وقال 77% أنهم يشعرون ب"انعدام الأمن"، بينهم 52% أجابوا أنهم "لا يشعرون بأمن كبير" و25% أجابوا أنهم "يشعرون بانعدام الأمن".
وأظهرت دراسة تحليلية إحصائية شاملة، أجرها مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني، لعدد العمليات والمحاولات المتقدمة لتنفيذ العمليات 240 عملية ضد الاحتلال الإسرائيلي، قتل فيها 29 قتيلاً إسرائيليًا، منها 20 عملية دهس، 88 عملية طعن، 48 محاولة، 84 عملية إطلاق نار.
وأشارت الدراسة إلى أن العمليات الفردية، شكلت صدمة من العيار الثقبل للمؤسسة الأمنية الإسرائيلي التي أقرت على لسان قائد هيئة الأركان، أن هناك عجز بلغ 100 % استخباري أمام العمليات الفردية، وعن التأثير على بنية المجتمع الصهيوني"قال المركز 80 % من المجتمع الإسرائيلي تأثر في موجة الأحداث بانتفاضة القدس، 100 % تأـثر المستوطنون من العمليات في الضفة الغربية، في إشارة إلى الشعور بفقدان الأمن الشخصي بشكل متفاوت-تقرير المركز الفلسطيني للإعلام- الأربعاء 20//1/2016".
خوف الحاخامات من العمليات
في خطوة غير مسبوقة نشرت صحيفة "مشبحا| 2015-10-30" التابعة لليهود المدينين "الحريديم" نصًّا بالعربية حول الوضع في الحرم القدسي الشريف، النص الذي حمل عنوان: "توقفوا عن قتلنا نحن لا نحج إلى جبل الهيكل"، جاء فيه: "لن تشاهدوا أبدًا حريديم يصعدون إلى الجبل"، في إشارة منهم إلى الحرم القدسي، وأشار مراقبون إلى أن نشر نص كهذا يعد أسلوبًا استثنائيًا ويدل على المستوى الذي بلغه الخوف الإسرائيلي من العمليات الفلسطينية.
ويتوجه هذا النص في الجزء الأول إلى الجمهور الفلسطيني، وإلى "المخربين"، ويقول لهم لا مصلحة لنا في الذهاب الى جبل الهيكل في هذا الوقت، بمعنى آخر هو ترجمة لما يضمره كاتبو المقال، أي يقولون: ماذا تريدون منا ربما يمكنكم استهداف أولئك الذين يذهبون إلى جبل الهيكل، لكن لا تستهدفوا الجمهور الحريدي.
والخشية الإسرائيلية من تزايد موجة العمليات دفعت حاخامات أيضًا إلى تحييد أنفسهم من خلال الإشارة إلى الفتاوى الدينية التي تتحدث عن حرمة دخول اليهود إلى الحرم القدسي تجنبًا للمس بطهارتهـم على حد تعبيرهم، وهذا ما فعله الحاخامان الرئيسيان وأكثر من مئة حاخام آخرين في إسرائيل؛ عبر بيان تحذيري أصدروه لهذه الغاية أبروموفيتش: هذا بيان صادر عن حاخامات كبار ومهمين ورؤساء مدارس دينية لكن المهم أيضاً أن الموقعين عليه هم من مسؤولي الحاخامات في الصهيونية الدينية .
وفي التداعيات السيكولوجية، كتب أوري سافير في "معاريف-2015-11-2": تدعو الحكومة المواطنين إلى التسلح، ويسير نفتاليبينيت في جبل المكبر مع مسدس ظاهر بفخار؛ ويتسلح آخرون بمرش الفلفل أو لا يخرجون من البيت؛ الدولة فارعة، الباصات في القدس فارغة، سائقو السيارات العمومية لا يفتحون النوافذ ويخافون السفر إلى يافا. الجموع تشارك في قتل "المخربين" أو في فتك شخص بريء،ليس أي من هذه الأفعال يقترب حتى من بارقة حل لموجة "الإرهاب" الحالية، هذا رد فعل هستيري تثير حماسته الحكومة، مع بعض المساعدة من وسائل الإعلام. بضع عشرات أو مئات السكاكين وحملة السكاكين لا يمكنهم أن يهددوا قوة عظمى عسكرية مثل إسرائيل. هدف "الاإهاب" هو خلق الهستيريا والخوف، وحتى الآن ينجح اولئك الشبان الفلسطينيون ينجحون في مهمتهم"، ويضيف سافير:"نحن نعيش اليوم في كابوس، ليس بسبب حملة السكاكين، بل لأن العنف الذي يجري هو تعبير عن واقع جديد لدولة ثنائية القومية. فالعنف يندلع بيننا وبين الفلسطينيين لأنه خلافا ل مصر والأردن، لا يوجد حدود، وفي مثل هذا الوضع ودون مسيرة سياسية جدية نحو حل الدولتين، فان الفلسطينيين بكل فصائلهم سيقاتلون في سبيل استقلالهم. في وضع بلا حدود، يكون التدهور الأكبر هو انضمام الكثيرين من "عرب إسرائيل" الى الصراع مثلما نشهد اليوم. ديموغرافيًا بتنا نعيش في دولة ثنائية القومية – اليوم بين البحر والنهر يوجد 52 في المئة يهود و 48 في المئة عرب؛ بعد نحو خمس سنوات سنكون أقلية في بلادنا".
وتحت عنوان:"موجةالإرهاب" لن تنتهي" كتب المحلل العسكري ايتان هابر في صحيفة يديعوت 13/12/2015: "السطر الأخير»، كما درج على القول والكتابة عندنا، هو ان الإرهاب الفلسطيني سيستمر، مع توقفات قصيرة وطويلة، مع سكاكين ومع نار من كمائن. لقد كان الإرهاب دومًا تقريبًا، ودومًا على ما يبدو، سيكون. فمن اختار السكن في «الفيلا في الغابة» يتعين عليه أن يأخذ في الحسبان امكانية أن تزحف بين الحين والآخر أفاعي سامة إلى داخلها، والنمر، بعد أن افترس الجدي، سينتهز الفرصة بأن باب الفيلا مفتوح لعدة ثوان فيتسلل إليها كي يفترس قطًا صغيرًا آخر. هذه هي الحياة في الشرق الأوسط العاصف خاصتنا، واستخلص هابر مؤكدًا: أن روتين الخوف وروتين إرهاب السكاكين، يمكنه أن يفقد دولة كاملة صوابها، وفي إرهاب من هذا النوع ليس هناك أجهزة استخبارات يمكنها ان توفر البضاعة". ويذهب هابر أبعد من ذلك قائلًا:"يكاد لا يكون لرجال جهاز الأمن شك في أنه بعد السكاكين، الحجارة القاتلة، الزجاجات الحارقة والنار من الكمين، سيأتي أيضا الانتحاريون مع المواد المتفجرة المخبأة تحت ملابسهم. لقد سبق لنا أن رأينا هذا في الانتفاضة الاولى. وفي الثانية ايضا"، وعن الردع الاسرائيلي قال: لا يوجد شيء كهذا.
ووفق أحدث الشهادات-الاعترافات الإسرائيلية، فإن نارًا ملتهبة كانت تمتد في الشوارع الإسرائيلية كما أن الهستيريا التي اجتاحت المجتمع الإسرائيلي كانت أخطر من عمليات الطعن والدهس نفسها، وذلك من أبرز الانتصارات السيكولوجية التي يحققها المنتفضون في فلسطين. فكتبت صحيفة "هآرتس" العبرية الأحد, 25 أكتوبر, 2015 -مقالًا بعنوان "نار ملتهبة في الشوارع" تناولت فيه حال الشارع الإسرائيلي وحالة "الهستيريا" التي يعيشها، خاصة بعد عمليات الطعن التي جرت آنذاك، وتطرق المقال إلى خطورة حالة "الهستيريا" في الشارع الإسرائيلي، وإلى كونها أصبحت تشكل خطرًا على أمن الاحتلال أكثر من حالات الطعن نفسها.
السكاكين تثير رعب مليون ونصف إسرائيلي
إلى كل ذلك، أفاد بحثٌ أكاديميٌ إسرائيليٌ بأن نسبة الهلع لدى الإسرائيليين في ارتفاع حادٍّ جدًا بسبب الأحداث الأمنيّة المتصاعدة في حينه، وتحديدًا ما أسماه مُعّدو البحث "هبّة السكاكين الفلسطينيّة، و بحسب البحث، الذي تمّ إجراؤه في كلية “تل حاي” الأكاديميّة، ونشر يوم 7 /12/ 2015، فإنّ نسبة الإسرائيليين الذين باتوا يُعانون من حالات الكآبة والهستيريا والهلع والفزع ارتفعت بشكلٍ حادٍ جدًا، وقال مُعّدو البحث، بروفيسور شاؤول كيمحي، بروفيسور يوحانان أيشيل وبروفيسور مولي لاهد، من قسم علوم النفس في الكليّة، "إنّ البحث فحص تأثير الأحداث الأمنيّة الأخيرة و تبينّ من المُعطيات وجود ارتفاع مُقلقٍ للغاية في نسبة شعور الإسرائيليين بالخطر حيّال “هبّة السكاكين” الحاليّة"، وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في مُلحقها الأسبوعي والتي أكّدت على انفرادها بنشر نتائج البحث، إنّه مقارنةً مع المُعطيات التي تمّ جمعها قبل أربعة أشهر، هناك فرق واضح في نسبة الخائفين من مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي، وبحسب المُعطيات، فإنّه في شهر تموز (يوليو) من العام الجاري "وصل عدد الإسرائيليين الذي عبّروا عن خوفهم من الأوضاع الأمنيّة وصل إلى مليون إسرائيلي يعيشون في الداخل المحتل، ولكنّ الرقم ارتفع بفعل الأحداث الأمنيّة الأخيرة إلى مليون ونصف المليون، أيْ أنّ أكثر من نصف مليون إسرائيليّ انضّموا إلى دائرة الخائفين والقلقين جدًا من الأوضاع الأمنيّة في الدولة العبريّة"، علاوة على ذلك، وجد البحث أنّ أكثر من 126 ألف إسرائيليّ باتوا يشعرون بدرجةٍ عاليةٍ من الخوف الشديد، وتوجّهوا إلى المصحّات النفسيّة مُشتكين عن شعورهم بالضغوط النفسانيّة، وفقدان القدرة على العمل، وتغييرات مفاجئّة في الشعور وآفات نفسانيّة أخرى".
وخلُص البروفيسور كيمحي إلى القول في حديثه لصحيفة "يديعوت أحرنوت" "أنّ ما أسماه “إرهاب السكاكين” يهدف إلى إنتاج شعورٍ لدى جميع الإسرائيليين، بأنّه من الصعب جدًا العيش في هذه الدولة في ظلّ هذه العمليات، والوضع الحالي".
وقالت صحيفة "معاريف" العبرية الأربعاء 02 /12/ 2015، إن حالة من الرعب تنتشر بين الإسرائيليين، خشية تطور أساليب الهجمات الفلسطينية المتصاعدة في القدس والضفة الغربية، وتحولها إلى مرحلة أكثر إيلامًا لإسرائيل. وأضافت الصحيفة في تقرير لها "أن الهجمات الفلسطينية ظلت حتى الآن محافظة على المقاومة الشعبية بشكلها التقليدي المعروف، لكن هناك مخاوف واسعة من أن تتحول تلك الهجمات إلى استخدام النيران والرصاص". وتابعت " الفلسطينيون نفذوا أربعة آلاف عملية بين طعن بالسكين، ودهس بالسيارة وإطلاق نار متفرق في مختلف مناطق الضفة الغربية والقدس، وقد يتحول إطلاق النار المتفرق إلى دائم ويكون هو الأساس, ما سيسفر عن خسائر كبيرة للغاية في صفوف الإسرائيليين".
وعلى نحو مكمل للخلفية المشار اليها، قالت القناة العاشرة العبرية- المركز الفلسطيني للإعلام-2015-12-12-إن المواجهات التي تشهدها الضفة الغربية والقدس تحولت إلى وضع روتيني يعيشه الكيان بشكل يومي، مشيرة إلى أن عمليات الطعن التي يقوم بها الشباب الفلسطيني أصبحت أكثر دقة وإيلامًا. وأوضحت القناة في تقرير لها أن هذه الموجة بدأت بالقدس وتمددت لتصل شمالاً وجنوبًا، قائلة: "بحيث أن نلاحظ أن أغلب العمليات تحدث في الخليل، وبعض العمليات وقعت أيضًا داخل الخط الأخضر، ومنذ الليلة التي قتل فيها الكسندرلبلوبيتس في القدس وقعت في سبتمبر 223 عملية، ووصلت العمليات خلال أكتوبر، إلى 620 عملية وقتل فيهم 11 شخصًا، وخلال الشهر الماضي حدث 326 عملية، لكن القتلى بلغ عددهم 10 أشخاص".
عمق "إسرائيل" هي البطن الضعيفة
وخلاصة القول في هذا السياق ما تناوله مُحلل الشؤون العسكريّة في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيليّة، أليكس فيشمان، من ان عمليات الطعن في الأراضي المحتلة، في أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثالثة التي لطالما تخوفّ منها فيشمان وحذّر، حيث قال في وقتٍ سابقٍ إنّ الظروف اللازمة لاندلاع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية قد نضجت، وكلّ ما تبقّى هو الشرارة التي ستُشعلها، وتابع قائلاً إنّ السكاكين التي طعنت الإسرائيليين منذ 4 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، نجحت في الكشف عن الحقيقة المؤلمة أمام الأجهزة الإسرائيلية وهي البطن الضعيفة لدولة إسرائيل، على حدّ قوله. ولفت إلى "أنّ الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة قابلة للإصابة أكثر ممّا اعتقدنا، فالحديث لا يدور فقط عن الخوف الذي تسببت به السكاكين للإسرائيليين بشكلٍ كاملٍ، وتأثير هذا على مجريات الحياة ومعنوياتهم وحسب، بل أيضًا الخوف الذي عكسه رؤساء الأجهزة الأمنية من انكشاف نقاط الضعف في الجاهزيّة الإسرائيلية للجبهة الداخلية-زهير اندراوس-يديعوت—9/1/2016.
لو كانت حالة الرعب الحالية عام 48 لما قامت "إسرائيل"
ولعل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، هرتسيهليفي خير من عبر عن عمق الحالة السيكولوجية للمجتمع الاسرائيلي في أعقاب العمليات المتعاقبة المتصلة بالسكين أو بالدهس أو بالقنص أو بالحجارة، فقال: "إن فيديوهات عمليات الطعن والمواجهات التي تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، خلقت حالة رعب لدى الإسرائيليين، لو وجد عام 1948 لما قامت إسرائيل –الإعلام العبري وعرب48 -: 01/11/2015".وجاءت أقوال رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية خلال محاضرة قدمها للعشرات من إدارة وداعمي 'همخللاهلمينهال' في تل أبيب، لكنه لم يتطرق بعمق لتقديرات الجهاز الاستخباراتية، لكنه صرح عدة تصريحات لا تقال عادة في العلن"، وذكر هليفي "إن أحد أهم العوامل في الهبة الحالية، التي يقارنها بالحروب، هي موضوع الوعي والمعرفة، وقال إن 'هذه الحرب ليست كباقي الحروب، لا شأن لمن قتل أكثر، هذا الجانب أم ذاك، أو إلى أين وصل التقدم على الأرض وأين غرست علمك، جميعنا غسلنا أدمغتنا من خلال رؤيتنا فيديوهات لعمليات الطعن مرة بعد أخرى، هذه المشاهدات سببت حالة هلع لدى الشعب الإسرائيلي لو وجدت عام 1948 ورأى الشعب هذه الفيديوهات لما قامت دولة إسرائيل".
في ضوء كل هذه التفاصيل والمعطيات يمكن أن نستخلص جوهر ما يجري، ولتصبح خطوط المشهد الصدامي ما بين الشعب الفلسطيني والاحتلال بجيشه ومستعمريه واضحة تمامًا، فطالما هناك احتلال وجرائم هناك انتفاضات فلسطينية وخسائر وتكاليف إسرائيلية مؤلمة لهم، بموازاة الخسائر والمعاناة الفلسطينية، وكما يبدو فإنه ليس هناك من أفق حقيقي في العلاقة ما بين الاحتلال والشعب الفلسطيني سوى أن يواصل الأخير صموده وتصديه وانتفاضاته في مواجهة سياسات الاحتلال الاقتلاعيةالاحلالية.

