Menu

تميزات البنية والهوية الفلسطينية

وليد عبد الرحيم

نشر هذا المقال في العدد 18 من مجلة الهدف الرقمية

تبدو بنية الفلسطينيين مفككة اليوم، لا أعني بهذا البنية السياسية أو علاقات الفصائل والمنظمة وقوى المقاومة فحسب، بل المقصود الأول هو البنية الثقافية والاجتماعية، وهذان العاملان هما الأهم من كل ما ذُكر سابقاً.

في الواقع الفلسطيني، تلعب الجغرافيا دوراً مهما في تحقيق التوازن الوطني، فالفلسطينيون يتواجدون قسراً في مناطق ذات خصائص ومزايا وعناوين مختلفة، تؤثر مباشرة أو بشكل غير مباشر ويومي ومستقبلي على إيقاع الحياة عموماً، وعلى صيغة وأشكال وفحوى وإيقاع النضال ذاته، من هنا يبدو المشهد الوطني أكثر تماسكاً في لحظات التهديد العام- الكلي، لا في لحظات التهديد المحصور بالجزء الماثل في إقليم فلسطيني ما!

من الطريف المؤلم بمعناه التاريخي أن يكون أفضل الأوضاع الفلسطينية الداخلية والأكثر وضوحاً في تلك الفترات التي تندلع فيها معارك أو انتفاضات أو مجازر أو مختلف أشكال الاستهداف، وتنتكس الصورة في فترات الهدوء والسكينة، صحيح ما يقوله قائل في هذا الشأن بأن الاستهداف يوحد المستهدَف بحكم سطوع فكرة المصير الواحد ضرورةً وحتميةً، لكن ما يدهش حقاً، هو أن فترات الهدوء المستقطع تبدو كفترات استراحة جوانبية من الكل الوطني، لا فترة تقييم ودراسة أو تحضير لما هو قادم، ولهذا السبب يختفي الاستراتيجي مع لحظة الهدوء السياسي والميداني بشتى أشكاله، وللعلم فإن هذا الاستراتيجي خيار مطلوب شعبياً ورسمياً ونخبوياً.

يسعى الفلسطينيون بشكل عام نحو الاستقلال والإنجاز الوطني، هذا واضح، لكن بعضهم يرى الاستقلال حالة حل مشكلة جزءٍ، لا قضيةَ كل، ويوحي بالتجزئة، لكنه في العمق قد يعني خلق أرضية لعموم القضية وشعبها، حتى وإن كان مهزوماً.

إن ثقافة الهوية ومعنى الوطن بالنسبة الفلسطينيين لا يمكن تجزئتها، لكن التجربة تدل على تفهم وطني عام بقبول تحقيق أي إنجاز في أية بقعة جغرافية دون التأثير على المصلحة الوطنية والمصير الكلي، هنا يتمثل الجزء بوصفه انحيازاً للكل، تخفيضاً لمعاناة، أو تهيئة لاتساع هذا الإنجاز ربما ليستكمل أو يوسع دائرته بعد حين، لكن البعض يفهم ذلك باعتباره انفصالاً عن الكل.

تثبت تجربة ربع قرن من أوسلو- في واحد من أهم ما تثبته- أن أشكال المعاناة الفلسطينية تختلف شكلاً بين بقعة جغرافية وأخرى، لكنها تتحد في كل ما هو فوق هذه التفاصيل الصغيرة، بمعنى الحال الوطني العام، فانزياح الاحتلال عن قطاع غزة مثلاً يبقى مهما بلغ انجازاً جزئياً حتى بالنسبة لمن هم في حيزه الجغرافي، أو ضمن حالة البحبوحة الاقتصادية في الضفة أو الهدوء العام في مناطق 1948، كلها يمكن تقييمها بنفس المقياس.

ونظراً للكتلة الخطابية الشعاراتية التي رافقت أسس ونتائج ومفاعلات القضية، لم ينتبه الفلسطينيون إلى أن إيجاد عقد اجتماعي جديد بات ضرورة تاريخية ملحة عقب انهيار فلسطين كدولة وكيان قائم وظهور الكيان الصهيوني وهيمنته على الأرض، وعلى الرغم من صحة بقاء التماسك الهوياتي الفلسطيني بل ونضوجه، إلى أن ذلك ظل شمولي المشهد، ولم يراع الاختلافات البينية بحسب الجغرافيا مما أوحى بأن ظروف اللاجئين خارج فلسطين هي ذات ظروف من تبقى أو من بقي في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما جعل من توزيع المهمات الكفاحية بعد انطلاق الثورة مثلاً خارج مراعاة هذه الخصوصية، الأمر الذي جعل بعض القطاعات الجغرافية تدفع ثمناً أكبر أو أقل من أمنها الاجتماعي على الرغم من قناعة، بل واستماتة الفلسطينيين جموعاً للمحافظة على الهوية وحق العودة والتحرير والدولة - الحلم.

هنا تكمن خطورة الاتفاقات الموقعة على النسيج الاجتماعي، وهو بالنسبة للفلسطينيين يعد حصن المستقبل الأهم، فقد بدا الأمر – عقب أوسلو- كأنه تخل عن اللاجئين، أو تأجيل الحل بخصوص حق العودة الذي هو جوهر القضية الفلسطينية، ويتقدم أهمية على الاستقلال الجزئي ذاته. هذا الأمر أبعد من هم خارج المناطق التي تُطرح فيها حدود "دولة فلسطين" الناقصة المنقوصة عن المشاركة بالفعل الكفاحي أو السياسي، مما أدى بالتالي إلى تهميش دور اللاجئين الذين هم الكتلة الاجتماعية الأكبر بين الفلسطينيين، ودفعهم للاعتقاد بأن الأمر لا يشمل حقوقهم، وساعد على ذلك خطوات وتصريحات غير مسؤولة من قبل القيادة الرسمية الفلسطينية التي تتلاعب بالألفاظ تكتيكياً فيما يخص قضية مأساة اللاجئين المستمرة والمتفاقمة.

لقد طرح فريق التفاوض الفلسطيني وبخطورة غير مسؤولة قضية اللاجئين باعتبارها قضية متنازع فيها، وليست حقاً حتمياً للشعب الفلسطيني، وحتى إصرار الراحل ياسر عرفات جزئياً لم يفض؛ إلا عن موافقة تلاعبية صهيونية وأميريكية توافق مبدئياً وليس نهائياً على عودة 150.000 لاجئ، على دفعات وفترات متباعدة، أو عودتهم إلى المناطق المحتلة في العام 1967 وليس إلى قراهم وبيوتهم وأراضيهم التي هجروا منها في المناطق المحتلة عام 1948، ومع الاعتراف بأن هذه الأخيرة هي "إسرائيل "، فبالتالي هي من يقرر أولاً وأخيراً حق العودة من عدمه، وفي هذه الحال من الطبيعي أن يشعر كل لاجئ فلسطيني في العالم بكارثية الجهود القيادية الفلسطينية لحل الدولتين، باعتباره يُصاغ بناء على هدر حقهم في العودة.

أما المواطنون في المناطق المحتلة الأخرى – في غزة والضفة- فحتى من رضي منهم بالحل الجزئي، إن هي إلا أشهر حتى أدرك وهمية الحل بهذه الطريقة، فلا هو عاش الاستقلال الفعلي ولا حرية الاختيار والخيار الديمقراطي الذي دفع طويلاً الدم من أجله، مما وحد كل الفلسطينيين تقريباً في النهاية على مبدأ رفض أوسلو، فلا حو حقق الاستقلال الجزئي ولا حافظ على البنية الاجتماعية الهوياتية المشتركة، ولا حتى أنجز أية حالة إيجابية للجزء دون الكل.

هذا يدل على أن البنية الانتمائية الفلسطينية تختلف عن أية تجربة أو مرحلة في تاريخ أي من شعوب العالم، وهو ما يحيل السؤال إلى مفهوم وحدة المصير الذي تغنى به الفلسطينيون فسطحوه عبر الخطب والشعارات وفقد عمق فلسفته الحقيقية وخرج من مفرداته العميقة، كما شتت الإجابة الفلسطينية الشاملة على سؤال الهوية ذاته.

في هذه النقطة، يدرك الفلسطينيون تمايزهم الديمغرافي، باختلاف أوضاعهم المحلية، لكنهم يدركون بشكل أعمق أن هذا التمايز لا يعني فصل القطاعات عن بعضها بحكم اختلاف الظروف والتعريف أحياناً، بحسب نقطة التواجد جغرافيا، وهذا ما لا يريده كل من لا يريد الخير لقضيتهم، وفي مقدمتهم العدو الصهيوني.

لتوضيح هذه النقطة أكثر يجب الانتباه جيداً إلى الجهد الصهيوني منذ بداية الصراع وسيطرة كيان العصابات الصهيونية على جزء من فلسطين، فكان أول وأدق مسعى هو تحقيق إنجاز فصل المجتمع في المناطق المحتلة عام 1948، ولهذا تم توجيه الأنظمة العربية بمنع التواصل مع الداخل المحتل من خارج فلسطين، وفي الوقت ذاته الإساءة لمن يتواجدون في الداخل باعتبارهم "عملاء رضوا بالهوية الإسرائيلية"، وقد ظل ذلك سائداً إلى فترة قريبة، لكن وضوح وتلقائية تماسك الهوية الفلسطينية أفشل ببساطة كل ذلك وبتلقائية وسلاسة!

في ظل ذلك كله؛ ابتكر الفلسطينيون ثقافة فلسفة عملية أسطورية، مفادها وأصلها القفز فوق الجغرافيا باعتبارها عائقاً أمام وحدة الهوية، مع تفهم كل ظرف لكل تجمع جغرافي، وصنعوا من التفكيك ذاته حالة وحدوية تشبه – إن أردنا التعبير ببساطة- مقولة تقاسم الأدوار.

اليوم تقف هذه المسألة على مفترق خطير، فقد تمت محاولة شبيهة بمحاولة فصل مناطق ال 48 الفاشلة، وهي قصة دعم انفصال قطاع غزة عن كل فلسطين بحجة خضوعه لظرف خاص ومختلف، لكن ذلك بدوره لم ينجح، والفريد أنه فشل ليس بسبب جهود مثقفين وقوى وأحزاب، بل بفعل تماسك شعبي فطري تلقائي، تبدو فيه ملامح قوة التاريخ ومعنى الهوية لا تفاصيل اليومي بكل معاناته.

كما فشلت محاولات فصل الخارج عن الداخل – في كل فلسطين وبالنسبة لكل فلسطيني- وعلى الرغم من الضغط الهائل على اللاجئين الفلسطينيين في كل مكان، ومحاولات تغييب وجودهم ككتلة اجتماعية مرتبطة بالهوية الأصلية، وتهجير نصفهم من لبنان ثم من سوريا، إلا أن ذلك بدوره لم ينجح في فصلهم عن الكل، وهم الآن يعيدون في أوروبا صياغة معنى لوجودهم لا ينفصل بدوره عن الواقع الفلسطيني العام، أما من تبقى في المخيمات وغيرها في دول الجوار فهو يعبر عن تمسكه باستماتة بالهوية على الرغم من كل أنواع السخط والاحباط والمعاناة.

أخيراً، يبدو أن في سيكولوجيا الإنسان الفلسطيني سراً، لا يدركه حتى الفلسطينيون أنفسهم.