ترجمة مازن المغربي
نما استخدام الإنترنت في سورية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة . ويستخدم كل فرد تقريباً الهاتف الجوال، ولدى من يمتلك القدرة كومبيوتر أو حاسب لوحي. ويتم استخدام الواتسأب وغيرها من الخدمات بدلاً من الاتصال هاتفياً. نحن نعرف أن كل البيانات تٌخزن إنما ليس محلياً بل بشكل مركزي لدى مزودي خدمة الإنترنت الكبار في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن هل تهمهم ببياناتنا على الإطلاق؟ ما الذي يريدونه منا؟" ليس لدينا ما نخفيه"، هذا ما أسمعه كثيراً حين أكلم الناس عن استخدام الإنترنت. وأسأل نفسي إن كنا نرحب بفتح أبواب بيوتنا وخزائننا، ونسمح لأي شخص بتفتيشها، و لاأقصد بهذا الأصدقاء أو الجيران بل رجال الأجهزة الأمنية، و معاهد أبحاث السوق، وغيرهم ممن لا يكنون لنا الود بالتأكيد بل يسعون وراء مصالحهم.
سيتفق الجميع على أننا لن نسمح بلك، أو على الأقل لن ننظر إليه بعين الرضا ونحن نتعامل مع الإنترنت بقلوب مفتوحة. ويرجع هذا إلى أن المحافظة على نطاق خصوصيتنا هو تقليد، في حين أن ما يحدث في الإنترنت جديد تماماً، ونحن لا نحوذ معرفة حول ما الذي تم فعله ببياناتنا أو ما يمكن أن يٌفعل بها.
كتبت شوشانا تزوبوف في كتابها " عصر رأسمالية المراقبة": " لا يمكن التعرف على أمر ليس له مثيل من حيث الجوهر، وطرحت مثلاً على ذلك الغزو الاسباني لأمريكا الوسطى. فحين نزل الاسبان في أمريكا الوسطى، واجه شعب الأزتيك شيئاً جديداً تماماً ومجهولاً بحيث عجز عن الحكم عليه بل أنهم أخطأوا إلى حد اعتبار المتسللين آلهة. ونتج عن ذلك ممارستهم الودودة بسذاجة لا مثيل لها تجاه المتسللين. وهذا ما يحدث معنا اليوم،فمن جديد جاءت آلهة زائفة بهدف القضاء علينا.
إن تقنيات الاتصال تنتشر اليوم بشكل أوسع من شبكة الكهرباء العامة. ويمتلك ثلاثة من المليارات السبع إمكانية الوصول إلى الإنترنت. وينتج عن هذا فيضاً من البيانات هائل الحجم يصب لدى الشركات الأمريكية الكبرى مثل غوغل، وفيس بوك،ومايكروسوفت، وآبل وغيرها. ومن واقع أن ذلك يترافق بتطوير حواسب هائلة القدرة والذكاء الاصطناعي صار بالإمكان التعامل مع هذا الفيض الهائل بمساعدة خوارزميات، تزداد دقة بشكل مستمر، وتحويلها إلى بضاعة قابلة للبيع. وحظيت هذه البضاعة في المقام الأول باهتمام متعهدي التسويق، الذين يمكنهم التحكم بإعلاناتهم بمساعدة هذه البيانات. إن البيانات المشخصنة تفتح المجال أمام عملية ترويج مشخصنة. ومن جهة أخرى يمكن تجديد عرض البضاعة على الإنترنت وتحديد سعر البضاعة بما يتوافق بدقة مع االعرض وتغييره عدة مرات يومياً تبعاً لحجم الطلب ولأسعار المنافسين. وقد لاحظ متعهدو التسويق أنهم يمكن أن يربحوا من البيانات التي يجمعونها من الإنترنت أموالاً تفوق تلك التي يجنونها من خدماتهم، ولهذا
صاروا يقدمون خدماتهم مثل البريد الإلكتروني، والرسائل، ومحرك البحث غوغل وغيرها مجاناً بحيث يتمكنون من استقطاب مستخدمين جدد وبالتالي جمع المزيد من البيانات بشكل متصاعد.
لقد تم إغراءنا بالعروض المجانية بحيث علقنا في شبكة رأسمالية المراقبة. قد لا يكون تحقيق الأرباح ذو أهمية في سورية إنما يمكن استخدام وسائل المراقبة بطرق متنوعة.
دعونا نتذكر خطة بندر-فيلتمان. تم تمويل هذا المخطط بملياري $، وتم العمل عليه تحت إشراف رئيس جهاز الاستخبارات السعودي بندر بن سلطان و سفير الولايات المتحدة الأسبق في لبنان جيفري فلتمان وشمل ذلك زعزعة استقرار سورية ضمن إطار الربيع العربي. فمن خلال عملية تقييم بيانات الإنترنت مثل الاتصالات عبر الإنترنت، ومجموعات الدردشة، واهتمامات المستخدمين تم تحديد خمسة فئات من المجتمع السوري وتطوير استراتيجيات لتحديد كيفية مخاطبة هذه المجموعات والتأثير عليها عبر رسائل الإنترنت بهدف زعزعة استقرار المجتمع السوري.
توزعت الفئات وفق التالي: 1. شبكة القابلين للتحريض، مكونة من شباب ومن أشخاص جيدي التأهيل في أغلب الأحيان من غير الراضين عن وضعهم المعاشي. تم قصف هؤلاء الأشخاص الذين حددتهم الخوارزميات بعبارات مثل " من أجل الديمقراطية والحرية"، "ضد الفساد" وغيرها على أمل حشدهم للانتفاض.
2. فئة الشباب التي يمكن مخاطبتها بعبارات مثل " في النهاية يجب علينا البدء بالتحرك"بهدف تحريضها على العنف. 3. شباب تحت الثانية والعشرين من العمر من مختلف المكونات الدينية والعرقية بهدف تحريضهم ضد بعضهم البعض عبر نشر أخبار كاذبة.4 مجموعة " الصحافيين" والشباب من المنظمات غير الحكومية الدولية اللذين يتم استغلال استعدادهم لكتابة تقارير عن سوريا عبر الإنترنت. 5. مجموعة المال من الأثرياء السوريين ورجال الأعمال الذين سيتم التضييق عليهم وابتزازهم بحيث يتم إخضاعهم لخدمة المصالح السعودية – الأمريكية.
لكن هذا ليس سوى البداية حيث أن مراقبة البيانات والتعامل الخوارزمي مع هذه البيانات يتيح المجال للمزيد.
اكتشف آميت باتلز، احد مؤسسي غوغل أنه لا يتم حقيقة استخدام إلا جزء بسيط من البيانات، في حين أن القسم الأكبر من البيانات، التي كانت تٌعد حتى ذلك الوقت نفايات، تقدم المزيد من المعلومات حول المستخدمين في حال تم تقييمها بالشكل المناسب. وبدأ بتحليل نفايات المنتج واكتشف أنه من خلال بيانات مثل عدد الساعات التي يقضيها المستخدم على الشبكة، وأوقات الاستخدام اليومي، وأي لغة يستخدم، وهل يكتب جملاً كاملة أم يستخدم اختصارات الإنترنت وصور التعبير عن ردة الفعل، وكيف يستعمل محرك البحث غوغل، وما هي الألعاب التي يلعبها، وما هي الموسيقى التي يستمع إليها، وما هي الصور التي ينشرها، ونموذج تواصله مع الآخرين، وما إلى ذلك، وعليه يتم تحديد بروفايل سري لكل مستخدم، يتضمن مستوى ذكائه وتأهيله، ووضعه المعيشي وكذلك خصوصياته النفسية ونقاط حساسياته وما هو الوضع الأفضل للتأثير عليه. إن الفيس بوك، على وجه الخصوص، يقدم العديد من إمكانيات تحليل شخصية المستخدم حيث أن كل إعجاب أو عدم إعجاب يمثل نقطة بيانات تٌكمل الصورة. إن نقاط الإعجاب على الفيس بوك تكفي وحدها لتوفير بيانات مثل الإنتماء الإثني، ووجهات النظر الدينية والسياسية، والسمات الشخصية الخاصة، والسعادة، والذكاء، والخلفية العائلية، والعمر والجنس. ففي مركز كامبريدج للقياس النفسي باشر فريق من الباحثين في عام 2007 بناء بنك للبيانات. وفي عام 2016 صار لدى بنك البيانات هذا ستين مليون بروفايل شخصي وأربع مليارات بروفايل من الفيس بوك. تدعي شركات الإنترنت الكبرى بنفاق حرصها على ادعاء حماية النطاق الشخصي للمستخدم، فهي لا تعطي البيانات إلى طرف آخر وتكتفي بإعطاء نتيجة التحليل المستنبط من البيانات. ولم يعد الأمر منذ زمن طويل يقتصر على تحسين الخدمة في حد ذاتها، بل الاستفادة من هذا التحسن بهدف تحليل شخصية المستخدم، وقراءة أفكاره، والتنبؤ بسلوكه، وجعله قابلاً للتلاعب به.
إن تحليل البيانات بمعونة الخوارزميات لا يعدو أن يكن سوى الطريقة ومن يتحكم بالطريقة ويحوذ على البيانات بوصفها مادة أولية يصبح قادراً على تحديد مجال تشغيلها ولمصلحة من يمكن الاستفادة منها. ولهذا لا مجال للدهشة لمعرفة سرعة استخدام هذه الطريقة على المستوى السياسي. فخلال حملة أوباما الانتخابية عام 2008 تم تطبيق هذه الطريقة. ففي المقر العام لأوباما في مدينة شيكاغو تم خلال +عليها من قبل الحزبين الكبيرين. وكان هناك أشخاص يعملون من الميدان ويسجلون نتائج تأثير الأحداث على السلوك المتوقع على مستوى البلاد والاطلاع على رأي كل ناخب1.
" عرفنا بشكل مسبق لمن سيصوت الناس حتى قبل أن يحسموا خيارهم" هذا ما صرح به أحد مستشاري أوباما السياسيين وأوردته ساشا إسينبرغ في كتاب " مخبر النصر". فخلال حملة اوباما عام 2012 كان بإمكان قيادة الحملة الانتخابية معرفة اسم، وعنوان، وعرق. وجنس ودخل كل ناخب متردد في البلاد وإقناعه بالتصويت لأوباما.
وكان من إنجازات تلك الحملة صوغ " نقاط الإقناع"التي أظهرت كم كان من السهل إقناع الناخب المتردد بانتخاب المرشح الديمقراطي2.
وقد قامت شركة كامبريدج آناليتيكا بتحسين هذه الطرق التي لعبت دوراً في حملة ترامب وكذلك في عملية البريكسيت. حيث ادعى ألكسندر نيكس من شركة كامبريد آناليتيكا أن لدى الشركة أكثر من أربعة إلى خمسة آلاف نقطة بيان حول كل شخص بالغ في الولايات المتحدة.
أما في الصين فمن المفترض أن يكون حجم فيض البيانات التي تم جمعها عشرة أضعاف مثيله في الولايات المتحدة.
لكن على الرغم من ضخامة حجم البيانات لكن الدولة لا تضعها تحت تصرف الشركات الخاصة. ويكون التقييم علنياً جزئياً على الأقل و يتخذ شكل نقاط سلوك التي يمكن أن تفتح للمواطن أبواب أمام الفرص أو تغلقها في وجهه.
وهكذا يخدم جمع البيانات الدولة في توجيه المواطن باتجاه السلوك المرجو بحيث يحظى بالمديح والمكاسب وتٌفتح أمامه فرص أكثر. لم يعد بالإمكان التخلص من جمع البيانات بشكل لا نهائي و تقييمها من خلال الذكاء الصناعي والسؤال الوحيد هو من يمتلك هذه البيانات ولمصلحة من يتم استخامها.
نحن نقدم بياناتنا إلى غوغل، وفيس بوك، ومايكروسوفت وغيرها، لكن هذا لا يتم بإرادة حرة تماماً. فمن خلال هذه الصفقة نجد أننا في وضعية إذعان لأننا نعتمد على الخدمات المجانية. من منا يقبل بالتخلي عن التزود بالمعلومات من الإنترنت؟ ويبدو أن الواتس آب والفيس بوك ضروريان لمشاركتنا في الحياة الاجتماعية. لكننا نوافق بهذا على ترك تجاربنا في الحياة وشخصياتنا تحت تصرف هواة جمع البيانات. وقد كتبت شوشانا تزوبوف حول هذا:" في ظل نظام رأسمالية المراقبة لا يقوم الفرد بتسليم تجربته الفردية لأن لديه القدرة على الاختيار، ولا لأنه ملزم بذلك، بل، وببساطة، نتيجة عدم المعرفة وتحت وطأة ديكتاتورية نقص الخيارات."
ومن خلال تحليل هذه البيانات، يمكن استخلاص استنتاجات تجعل من السهل إغواءنا والتلاعب بنا وجعلنا عرضة للخطر.
وغالباً لا نلاحظ كيف يتم توجيهنا بعناية عبر الإنترنت. نقوم نحن بالبحث عن شيء ما وعلى الفور تٌفتح نافذة أخرى " من الممكن أن يهمك هذا"وهكذا يتم توجيهنا ببطء وقيادتنا إلى الموقع المحدد لنا.
يزعم دعاة الإنترنت أنهم يضعون المعرفة في متناول الجميع لكن العكس هو الصحيح. إن معرفة المجتمع البشري التي هي بالتحديد المعرفة التي تحدد السلطة مجمعة بين أيدي رأسماليي المراقبة في حين نحن مستبعدون عن هذه المعرفة ولا نعدو أن نكون سوى مقدمي المواد الخام.
إن تاريخ البشرية يظهر تركيزاً مستمراً للمعرفة والسلطة بين أيد يتراجع عددها باستمرار. فقبل اختراع الخط، كانت المعرفة في متناول الجميع وكان يتم نقلها عبر الرموز والأساطير. وبعد ذلك امتلك قسم قليل من الناس القدرة على الكتابة وعملوا في خدمة الحكام وفي تعزيز السلطة. وأدى كل تطور تكنولوجي لاحق إلى توسيع الفجوة المعرفية وإلى تركيز السلطة بين أيدي حلقة تضيق بشكل مستمر.
واليوم نجد أن رأسماليي المراقبة يقبضون بأيديهم على بياناتنا التي هي مفتاح السيطرة علينا. وهم يعملون على هذا بتعاون وثيق مع الحكومات. لقد تم ضخ المليارات من أموال مجموعات الضغط في كل من واشنطن و بروكسل بهدف فعل كل ما هو ممكن لمنع سن قوانين لحماية مستخدم ألإنترنت. ويتم منح السياسيين فرص عمل مجزية مالياً في حين ينتقل كبار رجال الأعمال إلى عالم السياسة.
وتقوم شركات المراقبة الرأسمالية بمساعدة الأحزاب والسياسيين في ربح الانتخابات ليقوم السياسيون بالمقابل بمنع سن قوانين تفرض قيود على جمع البيانات. كما يغدق رأسماليو المراقبة بسخاء الأموال على الجامعات وعلى أساتذتها ممن لا يعارضون مكائدهم على الإنترنت. وبطبيعة الحال فإن أجهزة الاستخبارات اهتمت بدورها بتقنية مراقبة البيانات. وغالباً ما كانت وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة، ووكالة الاستخبارات المركزية، والشرطة الفيدرالية من أول المهتمين بتطوير التقنيات في وادي السيليكون.
إن عملية جمع البيانات تتم خارج إطار القانون حيث قام رأسماليو المراقبة بشكل عدائي بمصادرة البيانات التي تجوب الشبكة وقاموا بتحليلها والمتاجرة بها في السوق. أما نحن، مقدمو هذه البيانات، فقد تم تجاوزنا وفرض علينا حالة صدمة. ولما حاول بعض الناشطين مباشرة العمل ضد هذا، تم توقيفهم في بعض الأحيان، أو فٌرض عليهم صمت الموت في أحيان أخرى وتم التحفظ عليهم لفترة طويلة بحيث تجاوزهم تطوير التقنيات. ولهذا نجد أن المدافعين عن البيانات متأخرون منذ ذلك الحين عن اللحاق بتطور الأمور. ويرى آندي غروف، المدير السابق في شركة إنتل، أن التطور في مجال التقنيات الراقية يمضي بسرعة تفوق بثلاثة أضعاف تطور الأمر في ميدان الأعمال العادية التي تتفوق على سرعة إجراءات الدولة بثلاث مرات الأمر الذي يعني اختلال في سرعة تطور الأمور بمقدار تسعة أضعاف الأمر الذي يفسح المجال لتطوير ما هو جديد ونكون نحن خلال هذا مرتاحين للتسهيلات الجديدة بحيث نعجز عن الرغبة في إضاعتها.
ويعتمد رأسماليو المراقبة على سرعة عمل غير عادية حيث يتم باستمرار تطوير أدوات جديدة لجمع بيانات أكثر دقة وأكثر إفصاحاً عن شخصية المستخدم.
تلقت شركة ريليز الناشئة مبلغ 3.6 مليار يورو من المفوضية الأوروبية لتمويل مشروع بدأ عام 2015يتيح إمكانية قراءة انفعالات المشاهد باستخدام كاميرات الحواسيب والهواتف المحمولة. ويمكن لهذا البرنامج رصد أصغر حركة لعضلات الوجه والتعرف عليها بشكل أفضل من البشر وتقرير الوضع النفسي للمشاهد. " إنهم يقيسون مؤشرات السلوك التي كانت حتى الآن دقيقة وعابرة بحيث يصعب قياسها بالعين أو بالأذن البشرية".3وبهذا يتم حيازة المزيد من البيانات. ربما يجب علينا تغطية كاميرات الحاسب والهاتف المحمول، لكن بما أننا سنحتاجها لالتقاط صور السيلفي أو لإجراء اتصال عن طريق الفيديو لذا ربما سنعتاد الأمر.
ففي ميدان الذكاء الصناعي تعتمد الجودة على الكمية وهذا يعني أنه كلما غذيت نظام الخوارزميات بالمزيد من نقاط البيانات كلما صارت النتائج أكثر دقة وأكثر تفصيلاً. وهنا تتعارض مصلحة مراقبي الرأسمالية حتماً مع مصالح الشعب في الخصوصية وتأكيد الذات والديمقراطية. إن كل قانون يضيق على المساحة الممنوحة لجمع البيانات هو بمثابة سم بالنسبة لرأسمالية المراقبة. وينطبق هذا على مستوى المواطنين الأفراد بقدر انطباقه على مستوى الدول. و يتم فرض حالة التبعية على الفرد وعلى الدول. إن التوزيع غير المتناظر للمعرفة الذي تعززه رأسمالية المراقبة بشكل لا نهائي، هو غير ديمقراطي بشكل عميق الأغوار ويقود إلى الشمولية. وقد كتبت شوشانا تزوبوف في كتابها" عصر رأسمالية المراقبة :" إما أن يظل نموذج السوق هذا في حالة صراع أبدي مع السيرورة الديمقراطية أو أن يقود إلى طرق جديدة لتخريب الديمقراطية وجعلها متوافقة مع أهدافه في حال استمر في متابعة منطقه الداخلي."
ونحن ندفع مقابل مراكمة المعرفة بشكل أشد بين يدي قلة من الناس، المزيد من تقييد حريتنا.
ويحاول مهوسو الكومبيوتر بشكل مستمر حماية بياناتهم من الاستغلال باستخدام برامج جديدة. لكنهم من جهة محشورون وظهورهم إلى الجدار وهم من جهة أخرى مضطرون باستمرار على مجاراة التطور. لكن في النهاية هي محاولات فردية كمن يحاول منع انهيار جليدي باستخدام شريط لاصق.
إن عملية جمع البيانات لا تتعلق بالفرد بل بمجموع قطيع المستخدمين. أي أن الأمر لا يتعلق بمعرفة ما يفكر فيه الفرد، بل بتحليل مزاج المجتمع ومختلف تجمعاته وفئاته وتوجيهه وفق المسار المحدد.
تم تجريب نظام رأسمالية المراقبة في مجال التسويق. وكان الهدف توليد رغبات، وحث االمشترين على الشراء بشكل متصاعد. لكن الأمر يتعلق في واقع الأمر بما هو أكثر بكثير، حيث أن الهدف هو التحكم بسلوك قطيع المستخدمين بحيث يستمر نمو الاقتصاد ورفع نسبة الأرباح إلى الحدود القصوى.
أما في مجال السياسة فيتعلق الأمر باستخدام الإنترنت لتحليل المجتمع واستخدامها لهجمات التلاعب بالمتخدمين في خضم الصراعات.
لقد لعبت الإنترنت خلال أحد عشر عام من الحرب دوراً كبيراً في سوريا.
وقد استثمرت الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل خاص الكثير من المال لزعزعة استقرار سوريا. وكان الهدف استدراج المثقفين الشباب بشكل خاص بعبارات مثل " الحرية" و"الديمقراطية." لقد تم المبالغة بكل حدث سلبي خلال الحرب وتم اختلاق أحداث في الكثير من المرات. كما امتلأت الإنترنت بالأخبار الكاذبة، وبالشائعات، وبأفلام مفبركة بهدف توجيه المزاج العام ضد الحكومة السورية وضد الجيش. فعلى سبيل المثال أعدت حكومة ألمانيا الاتحادية مشروعاً للمثقفين من اللاجئين الشباب حمل اسم " اليوم التالي".
وكان القصد تأهيل الشباب السوري لتولي القيادة وفق الإيديولوجية الغربية بعد قلب النظام .
لكن ربما لم يحقق المشروع نجاحاً لأن الهدف المعلن في سورية وهو إسقاط النظام لم يٌنجز.
وثمة برامج أخرى كثيرة تستدعي الاهتمام كان هدفها المعلن تعزيز المجتمع المدني السوري مثل برنامج صرخة الذي كان من المفترض أن يكون منبراً لفئة محددة من السكان. وقد تم تأسيس المشروع في 15/7/2014 وتغير اسمه مراراًوكان العديد من الناشطين الذين عملوا لمصلحة هذا البرنامج يجهلون أن من كان خلف البرنامج هو شركة بشتر بولس الأمريكية اعتماداً على عقد مع الحكومة البريطانية وصندوق " الصراع، الاستقرار، والأمن" (CSSF) الذي تتمثل مهمته بضمان المصالح البريطانية في الخارج. ووضع تحت تصرف المشروع عام 2016 مبلغ 746ألف جنيه استرليني وتم طباعة مناشير ولوحات دعت الناس للتمرد كان من المفترض توزيعها في الساحل السوري.
وكان لألمانيا برنامج مماثل هو القنطرة وساهمت محطة دويتشة فيللة فيه.
بالمقابل كان المشروع الفرنسي لتطوير الإعلام نشطاً بشكل خاص وسعى لإنجاز حاضنة إعلامية سورية. وتم في شهر تشرين الأول 2012 في الولايات المتحدة تأسيس مركز حلب الإعلامي الذي حظي برعاية منظمة لسوريين في المهجر.
وعملت كل هذه المنظمات وفق توجيهات مخطط بندر-فيلتمان وحرضت على الانتفاض وروجت لصحفيي المجتمع المدني.
لكن
معظم هذه البرامج كانت محدود التأثير داخل سورية إنما حققت نجاحاً هائلاً في أوروبا وفي الولايات المتحدة وساهمت في تزويد الصحافة البورجوازية بتقارير عن الأحداث في سوريا.
أما في ما يتعلق بسوريا فإن جمع بيانات الإنترنت هو بالتأكيد أدنى مستوى مما هو قائم في الولايات المتحدة وفي أوروبا. لكن ما أن تحظى رأسمالية المراقبة بالمزيد من البيانات حتى تصبح التحليلات أكثر دقة وأكثر تفصيلاً وستصبح برامج التحكم والتلاعب محددة الأهداف بشكل أدق.
وقد شبهت شوشانا الأمر بصاروخ معترض يتابع هدفه حتى يدمره.
إن التلاعب بالشعب يمكن أن يكون أكثر جدوى كلما ضعفت الروابط الاجتماعية التقليدية، و انتفى وجود نظرة متماسكة إلى العالم وتراجعت علاقات التضامن والثقة.
إن اقتلاع جذور قسم كبير من سكان العالم عبر التشريد والهجرة، وتعاظم حركات اللجوء على المستوى الدولي بشكل متصاعد بلغ حداً غير مسبوق.
إن الفقر في أحياء البؤس في المدن الكبرى متعدد الأوجه حيث يترافق نقص الموارد بنقص الثقافة، وتراجع التقاليد وضعف الروابط الاجتماعية والجذور والافتقار إلى أمل في المستقبل. إن هؤلاء البشر الذين تم إضعافهم عرضة لفايروس رأسمالية المراقبة. إن البشر اللذين فرق بينهم الهروب مجبرون على الاعتماد على الفيس بوك، والواتس آب، وغيرهما من الخدمات للبقاء على اتصال. إن المستقبل المجهول غالباً ما يجعلنا نشك في تقديرنا لذاتنا ولهويتنا الوطنية مهما كان وضع بوصلتنا الاجتماعية والسياسية وهذا يجعلنا عاجزين ومستسلمين.
نحن البشر، بدون شك كائنات اجتماعية والتعاطف هو جزء من شخصية الإنسان الذي يمتلك عزيمة كما هو جزء من التفاعل والقدرة على الترابط.
وهذا في نظر رأسمالية المراقبة نقطة ضعفنا التي يمكن استغلالها بهدف توجيهنا والتلاعب بنا. إن الصور أشد تأثيراً من أي كلمة. إن صورة طفل جريح تولد لدينا قدر كبير من التعاطف بحيث نتجاهل التساؤل عن خلفية الأمر ومن هو الذي اقترف هذا بحق الطفل.
وهكذا واظبت وسائل الإعلام الغربية على عرض صور للدمار والموت في سوريا بالترافق مع تحليل من وجهة نظر إمبريالية.
إن الأشخاص غير المرتابين يميلون بدافع من تعاطفهم الطبيعي إلى ابتلاع التفسير الذي يخدم الهدف السياسي المقصود. كما أن التعليقات التي تشير إلى أن الآخرين يرون الأمر من المنظور نفسه تعزز الصورة التي تبدو حقيقة افتراضية وتجعلنا نظن أن الحقيقة كذب أو حلماً بعيد المنال.
إن التغريدات والتعليقات الأوتوماتيكية التي توجه السهم إلى الجهة ذاتها تنعش لدينا وعي القطيع لأنه طالما أن كل هؤلاء الناس يرون الأمر بهذه الطريقة فلا بد ان يكون هناك شيء ما.
في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تم في الولايات المتحدة تجريب مختلف طرق الوصول إلى الحقيقة، وغسيل الدماغ، والمؤثرات العقلية، والعزل، والإيحاء وصولاً إلى التعذيب. لكن لم يكن هناك ما هو أنجح من التلاعب الرقمي بالجمهور ومع ذلك تولد لدى الشعب معارضة شديدة ضد هذه الممارسات غير الإنسانية، لكن أين هي المعارضة اليوم؟ وبغض النظر عن حماة البيانات اللذين يحاولون بيأس منع انهيار الجليد باستخدام شريط لاصق نجد أنه لا يوجد إلا القليل من المعارضة والأدهى أننا نترك أولادنا منذ نعومة أظفارهم لألعاب الإنترنت وللإعلام الرقمي.
إن الباحثين في ميدان الألعاب متفقون على أن ألعاب الإنترنت توفر الشكل الأمثل للتأثير على البشر. فمن خلال المكافآت الافتراضية بصل الشخص إلى مستوى جديد، ويرتقي المرء في التراتب الهرمي أو يحظى على أداة خارقة، بحيث نتحرك عاطفياً وننفتح أمام كل أنواع الدعاية والتأثير ناهيك عن أن ألعاب الإنترنت تولد مستوى عال من الإدمان.
ولنتذكر انه كلما زودنا رأسمالية المراقبة بمزيد من البيانات كلما زادت دقة بروفايلنا الخفي لديها. وكلما طال استخدامنا للإنترنت كلما ازداد حجم البيانات التي نقدمها، ويٌعد اللعب أحد الوسائل المميزة لربطنا ساعات طويلة يومياً بالإنترنت. وبطبيعة الحال فإن الأطفال واليافعين الذين لم يتمكنوا بعد من امتلاك شخصية متماسكة هم ضحايا التلاعب الأكثر ضعفاً وهشاشة.
ونجد أن الأطفال اليوم يمسكون بالهاتف المحمول ويلعبون بمفردهم بحيث تتلاعب بهم الصفحات المهتمة بهم وتقولبهم، بدلاُ من اللعب مع أقرانهم أو قراءة كتاب بما يتيح لهم تطوير شخصيتهم بطريقة عادية.
وكلنا نعرف الصورة المعهودة لعشرة شبان في مطعم حول طاولة وبدلاً من التحادث والضحك سوية أو اللعب نرى كل واحد منهم منكباً على شاشة هاتفه الجوال يتفقد بريده الإلكتروني، أو يتابع شبكة التواصل الاجتماعي، ويتصفح المواقع الأخبارية التي دخل إليها. ويٌخال للمرء انه سيضيع حياته في حال لم يطلع على الخبر في وقته وهكذا تتحول الخيوط التي تربطنا بمحرك الدمى في الولايات المتحدة إلى حبل مربوط حول أعناقنا. وتمثل الشبكات الاجتماعية بالنسبة للمراهقين والشباب منصة عرض يظهرون فيها وفق الصورة التي يتمنونها. وحين يتمعن المرء في صور البروفايل التي تضعها الفتيات بشكل خاص نجد أنه يعجز في أغلب الأحيان عن التعرف عليها بعد أن تم تزيينها وجعلها متطابقة مع نموذج محدد. ويعلم المرء أن هذا يرضيهن لكنه ليس حقيقتهن.
إن من لا يتمتع بالثقة بالنفس واحترام الذات، وغالباً ما يكون هذا هو الراجح لا سيما في فترة المراهقة، يمكن أن يٌنشيء في الإنترنت صورة عن ذاته كما يحلم بها. وفي الأحوال العادية يتطور احترام الذات والثقة بالنفس من خلال التعامل المباشر مع الآخرين. وإن لم تٌنجز هذه الصيرورة فمن غير الممكن تطور الثقة بالنفس واحترام الذات وعندها يتحول المرء إلى فرد في قطيع يمكن توجيهه والتلاعب به.
وفي النهاية نجد أن رأسمالية المراقبة لا تستهدف الفرد بغض النظر عن أفكاره. فرأسمالية المراقبة تستهدف تحليل المجتمع بوصفه كلاً متكاملاً وتوجيهه على أمل التوصل إلى حل يدع الهيمنة الرأسمالية تسير بسلاسة بحيث لا يتطلب الأمر قمع التمرد والانتفاض لأنهما لن يحدثان أبداً.
لكننا نعلم أن يوتوبيا رأسمالية المراقبة وفق سردية رواية أورويل(1984) لا يمكن تطبيقها على البشر. وقد كتبت شوشانا تزوبوف :" ازدهرت الحضارة على حساب الطبيعة، وإن كانت الصناعة تهدد بدمار الأرض فإن رأسمالية المراقبة ستعيد تشكيلها. كما أن حضارة المعلومات تزدهر على حساب الطبيعة البشرية وهي تهدد بتدمير إنسانيتنا...وحين أخضع الإنسان الطبيعة كانت الضحايا عاجزة عن النطق، في حين أن من يحاولون إخضاع كياننا الإنساني سيدركون أن ضحاياهم سيكونون في منتهى الصراحة ومستعدين لتحديد مصدر الخطر والانتصار عليه".

