Menu

برسم التحرك الشعبي: تطلّعات إصلاحية

جورج قرم

لقد طرحت مكوّنات الحراك الشعبي الشبابي في لبنان العديد من القضايا والمطالب الإصلاحية السياسية والاجتماعية الطابع، وعلى رأسها مطلب محاسبة حالة الفساد المستشرية في البلاد. وهنا مسعى إلى منهجية ترتيب المطالب الإصلاحية وطريقة الوصول إليها:

أولاً في إصلاح أجهزة الدولة الإدارية والتنموية

هناك العديد من مواقع الخلل في تسيير أجهزة الدولة المدنية المركزيّة والبلدية التي تتطلّب معالجة سريعة:

1ـ ضرورة إعطاء استقلالية الى أجهزة الرقابة في الدولة اللبنانية، وبشكل خاص «مجلس الخدمة المدنية» و «التفتيش المركزي» و «المجلس التأديبي» و «ديوان المحاسبة»، ذلك أن جميع هذه الأجهزة هي تحت إشراف رئيس مجلس الوزراء، فلا يُعقَل أن تراقب السلطة التنفيذية نفسها، خاصة أن ما يُقارب 50 في المئة من نفقات الدولة وبشكل خاص النفقات الإنمائية يتمّ صرفه من قبل رئيس مجلس الوزراء نفسه عبر إشرافه على العديد من المؤسسات العامة وخاصة «مجلس الإنماء والإعمار»، وهو الذي يُشرف بدوره على الجزء الأكبر من الإنفاق على البنية التحتية، بالإضافة الى كونه يحتكر كذلك العلاقة مع مؤسسات التمويل الدولية وأجهزة التعاون الدولي الوطنية في الدول الصناعية أو دول الخليج التي تمنح لبنان العديد من القروض والهبات. لذلك، يجب أن ترتبط أجهزة المراقبة إما برئاسة الجمهورية كما هو الحال في بعض البلدان، أو بالمجلس النيابي كما هو الحال في بلدان أخرى.

2ـ إن تحقيق اللامركزية الإدارية هو مبدأ منصوص عنه في الدستور اللبناني، بالإضافة الى أنه مطلب شعبي منذ سنوات طويلة. وان تطبيق هذا المبدأ بالشكل الصحيح يؤدي الى تسارع التنمية المناطقية والى تدريب المواطنين على المراقبة والمحاسبة على الصعيد المحلي، ما يؤدي بالتالي إلى تكوين نخبة سياسية جديدة تصبح تحتل مراكز مرموقة على مستوى الدولة المركزية في حال نجاح أعضائها على الصعيد المحلي. وقد تزاحم هذه النخبة الجديدة بكفاءة وقدرة الطبقة السياسية التقليدية الطائفية والإقطاعية والعائلية الطابع. وفي هذا الخصوص، كنت قد سعيت من دون جدوى في الماضي الى الحصول على موافقة مجلس الوزراء لتُنقل الى البلديات مسؤولية إدارة المدارس الابتدائية والمهنية الرسمية وكذلك المستوصفات والمستشفيات الحكومية الواقعة في نطاق إدارة كل بلدية او اتحاد بلديات، مما كان سيُجبر كلاً من وزارة المالية ووزارة الداخلية والبلديات على تحرير كامل الأموال المجمّدة في الصندوق البلدي المستقل بالإضافة الى تحويل جزء من الاعتمادات الخاصة بالصحة العامة والتعليم الى البلديات.

هذا مع الإشارة إلى أن «صندوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية» الذي تأسس العام 2000 بمساعدة وتمويل الاتحاد الأوروبي قد راكم اليوم خبرة كبيرة في التنمية المحلية وبشكل خاص التنمية الريفية. لذلك يُستحسَن أن يُعطى له دور أكبر في تمويل المشاريع الإنمائية المحلية بالتعاون مع البلديات ومنظمات العمل الأهلي، وهو صندوق يُدار بكفاءة وبشفافية وليس خاضعاً للضغوط السياسية التقليدية، ويمكن أن يتحوّل الصندوق مستقبلاً الى مصرف للتنمية المحلية.

وفي هذا المضمار، لا بدّ أيضاً من أن تُنشَر على موقع الكتروني خاص، تديره وزارة الداخلية والبلديات ووزارة المالية، حسابات الصندوق البلدي المستقل بكل تفاصيلها، على أن يتمّ وضع قواعد الشفافية في قيود هذا الصندوق. كما يتعيّن على وزارة الداخلية والبلديات أن تنشر جميع ميزانيات البلديات ونتائج تنفيذها، لأن الحصول على مثل هذه المعطيات من قبل المواطن هي شبه مستحيلة. كما يجب أن نعلم ما هو مقدار مجمل الإنفاق على المستوى البلدي والمحلي.

3ـ يجب إصلاح «مجلس الإنماء والإعمار» وتحويله الى مؤسسة متخصصة حصراً بدراسة حاجيات البنى التحتية المستقبلية للبلاد ودراسة وتقديم المشورة الى الحكومة اللبنانية من دون أن تُكلّف في الوقت نفسه بتنفيذ المشاريع الإنمائية. ويستحسن أن تقوم الإدارات العامة المتخصصة قطاعياً بتنفيذ المشاريع بعد أن يكون قد تمّ إصلاحها وتزويدها بشتّى أنواع أصحاب الكفاءة والاختصاص، وهذا ما يتطلب بدوره إصلاحاً إدارياً كبيراً او العودة الى التجربة الشهابية الناجحة لإعادة إنشاء مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى.

4ـ يجب القيام بإصلاح الأوضاع الإدارية المتردية والمجحفة في كثير من الأحيان بالنسبة لفئات واسعة من الموظفين والعاملين في الإدارات العامة، ذلك أن الحكومات المتتالية للرئيس رفيق الحريري خلال التسعينيات لم تهتم بإجراء الإصلاح الإداري وتحديث القوانين المنظمة للوزارات وملاكها أو كذلك بتحديث نظام الموظفين الذي وضع العام 1959، أي منذ أكثر من نصف قرن. كما لم تهتم أيضاً تلك الحكومات بإعادة النظر بملاك الوزارات وتعبئة المراكز الشاغرة فيها، بل لجأت الى آليات وأساليب مخالفة لقانون نظام الموظفين، كتعيين بعض الموظفين ذوي الرواتب العالية جداً بالتعاقد، وذلك عبر إنشاء وحدات خاصة في العديد من الوزارات تديرها منظمات التعاون الدولي كالبنك الدولي أو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ومن جهة أخرى، اخترعت تلك الحكومات بدعة العاملين بالساعة في الإدارات العامة، وهم فئة من الموظفين يعملون بشروط مجحفة للغاية، اذ لا يتمتعون بالتأمين الصحي ولا بالإجازات السنوية ولا براتب تقاعد او تعويض نهاية العمل، ويتمّ دفع أجرهم بحسب ساعات العمل اليومية. إنّ مثل هذه البدعة مخالفة تماماً لحقوق الإنسان ولمبدأ التجانس والمساواة في مَن يعمل في الإدارات العامة، بالإضافة الى انه يؤدي الى تجزئة نظام الموظفين والى انعدام العدالة في ما بينهم الى أقصى الدرجات.

ثانياً: في الإصلاح السياسي

هناك العديد من الحلول الممكنة لمكافحة الإقطاعيات السياسية الطائفية التي تمّ تكريسها منذ العام 1992 بمحاصصة داخل الإدارات العامة تحمي أصحابها ومن ينتمي إليها من المراقبة والمحاسبة.

ويبدو الإصلاح السياسي في البلاد متعذّراً بسبب طائفية هويتّية تمّ تجذيرها منذ العام 1840 الى اليوم في نفوس العديد من اللبنانيين. والحراك الشعبي الحالي يذكّر بالعاميات في تاريخ لبنان الحديث، التي تمّ القضاء عليها بإثارة الفتن الطائفية من قبل الفئات الحاكمة حينذاك. وعلى هذا الأساس، يجب أن نحافظ على هذا الحراك الشعبي الذي هو حراك عابر للطوائف والعمل على توسيعه لكي ينجح لبنان في تجاوز النظام الطائفي الذي يسجن اللبنانيين في طوائفهم عبر أساليب عديدة.

وهنا بعض التأمّلات السريعة في تصورات مستقبلية:

1ـ التقيّد بالدستور الحالي وتطبيق مواده بشكل كامل لـ «إقامة النظام»، كما ذكر مؤخراً الرئيس حسين الحسيني، أي بإنشاء اللجنة المنصوص عنها بالدستور للقيام بإزالة الطائفية السياسية وإنشاء مجلس شيوخ يتمثل فيه رؤساء الطوائف وتحرير المجلس النيابي من القيد الطائفي، بالإضافة الى وضع قانون انتخابي على أساس النسبية والدوائر الانتخابية الموسّعة أو جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة.

2ـ إنشاء نظام على الطريقة الأميركية أي بانتخاب رئيس للجمهورية ونائبه بالاقتراع الشعبي وبإقامة فصل سلطات شامل بين المؤسسة الرئاسية والوزراء من جهة ومؤسسة المجلس النيابي ومجلس شيوخ من جهة أخرى.

3ـ إنشاء نظام يقضي بتداول الرئاسات الثلاث الرئيسة للدولة بين الطوائف، على أن تكون مدة كل رئاسة سنتين فقط، وأن لا يتمكن الشخص الذي مارس السلطة في هذه المواقع بأن يترشح مرة أخرى إلا بعد فترة أربع سنوات. ومثل هذا الإجراء هو كفيل بتأمين تطبيق مبدأ تداول السلطة في لبنان والتخلص من النظام الحالي، حيث تتربّع بعض الشخصيات على السلطة سنوات طويلة من دون أن يتمكن أحد من منافستها. ويتطلّب تطبيق مثل هذا النظام ان تكون الإدارات العامة قد تمّ إصلاحها وأصبحت قادرة على العمل الجاد واتخاذ القرارات ضمن نظام محاسبة وشفافية فعّال.

4ـ ومهما كانت الخيارات السياسية الكبرى ففي كل الحالات لا بدّ من القضاء على اختلاط مصالح القطاع الخاص والمصالح المالية الخاصة برجال السياسة، لأن الفساد المستشري الذي نعاني منه هو إلى درجة كبيرة ناتج عن هذا الاختلاط الذي بدأ خلال الحرب في عقد الثمانينيات وتكرّس وتعممّ بعده بدخول العديد من رجال الأعمال إلى النادي السياسي للاستفادة من نفوذهم بهدف توسيع أعمالهم وأرباحهم. وبالتالي يجب أن يُسنّ قانون خاص يؤمّن هذا الفصل بين قطاع الأعمال وتبوء مناصب سياسية او إدارية رفيعة، يُمنع بموجبه أن تحظى الشركات التي قد يمتلكها رجل سياسي بشكل مباشر أو غير مباشر بعقود مع الدولة.

قد تبدو كل هذه التطلّعات والمقترحات ضرباً من الخيال، لكن هذا التحرك الشعبي العابر للطوائف هو فرصة تاريخية جديدة في تجربة العاميات السابقة يجب ألا تضيع، بل يجب أن نبني عليها لتأمين مستقبل أفضل للبنانيين من جميع الطوائف مما هو الحال منذ نصف قرن على الأقل، حيث توسّعت بقع التهميش والإقصاء والفقر داخل كل الطوائف، وتدنّت مستويات المعيشة لدى فئات واسعة من الشعب، وعجزت الدولة عن تأمين الحدّ الأدنى من الخدمات العامة وتعادل الفرص والحياة الكريمة لمواطنيها.

المصدر: السفير