Menu

الحزب والمسألة الديمقراطية

د. وسام الفقعاوي

خاص بوابة الهدف

تناولنا لعنوان الحزب والمسألة الديمقراطية في موضوعة مستقلة، يعود من وجهة نظرنا، لما تمثله من مسألة حيوية ومصيرية يتوقف عليها، دور ووظيفة ومستوى أداء الحزب الوطني والاجتماعي، في سياق العلاقة الجدلية ما بين المسألتين الوطنية والديمقراطية، وتعريفنا للمرحلة التي يمر بها نضال شعبنا، بأنها: مرحلة تحرر وطني وديمقراطي، بحيث يطرح ذلك التشخيص للمرحلة، أن لا انفصال بين الوطني والديمقراطي، وأن أي انفصال يبدو أو يظهر، ليس أكثر من مسألة افتعال انتهازي، يضرب مشروع الحزب، كما قانونه الناظم (النظام الداخلي)، ووثائقه وبرامجه، بعرض الحائط، ويُبقي الحزب رهينة لدوائر الأزمة والمراوحة والتراجع، هنا تستحق المسألة الديمقراطية أولوية وأهمية نقاشها وتناولها بعمق ومسؤولية، وتجذر فكري وثقافي، ووطني واجتماعي ثوري.  

الديموقراطية.. تستحق اسمها:

الديمقراطية كمفهوم تستحق اسمها، فهي محايدة حقًا حيادًا تامًا وإيجابيًا إزاء جميع العقائد والمذاهب والأيديولوجيات، الدينية والعلمانية على السواء، لأنها ليست أيديولوجية ولا يعقل أن تكون كذلك أو أن تصير كذلك، بل هي مناخ من الحرية لا يحده سوى القانون/النظام.

فمن البديهي، وهذه الحال، أن تكون الديموقراطية مطلبًا أوليًا وأساسيًا من مطالب الأحزاب السياسية المختلفة، أو هكذا نفترض؛ فالأحزاب السياسية الحديثة لا تنمو نموًا سليمًا، ولا تتطور، ولا تتقدم نحو أهدافها، إلا في مناخ وطني وديموقراطي صحي، أو بمعنى أدق إذا غدت الديمقراطية: نظام حياة.

الديموقراطية، التي تستحق اسمها، كما يذهب جاد الكريم الجباعي، لا تصادر حرية الفرد في التفكير والتعبير، وفي الإيمان بالعقيدة التي يريد، وفي تناول أي قضية بالطريقة التي يريد، وفي نقد أي أيديولوجية أو أي منظومة فكرية، دينية كانت أو علمانية؛ فالديموقراطية لا تفرض شيئاً على الأفراد، إلا ما يفرضونه هم على أنفسهم، ونعني التزام القانون/النظام المتفق عليه في إطار التعاقد الجماعي، واحترامه. وكما هو معروف فالمبدأ في القانون/النظام هو الإباحة في كل ما لا ينهى عنه ويعاقب عليه؛ وإذ تفرض الديموقراطية على الفرد التزام القانون واحترامه، فلأنها تريد له أن يكون حراً.

والديموقراطية أيضاً لا تتسق مع أي شكل من أشكال "الحسبة أو الشلة أو التكتل أو الاستزلام"، ولا تقبل بأي وصاية أو سلطة على عقل الفرد وضميره، سوى سلطة العقل والضمير، حيث يذهب المفكر السوري الراحل إلياس مرقص للقول محقاً: على المثقفين العرب، ولا سيما التقدميين منهم أن يختاروا اختيارًا أوليًا ونهائيًا: إما الليبرالية والوضعانية، وإما الديموقراطية والديالكتيك؛ الديموقراطية وحدها تنصف الليبرالية، والديالكتيك وحده ينصف الوضعية الإيجابية. موضع الديالكتيك هنا في كونه أسبق من الماركسية، ولا يستنفد فيها، وأنه لا ينتمي إلى أي مذهب من مذاهب الفكر، ولا يستنفد في أي منها، وأنه غير قابل للتمذهب، لأنه منطق الواقع ومنطق الفكر، بل منطق الحياة.

المسألة الوطنية والديموقراطية:

الوطنية، هي وعي الانتماء إلى الوطن/الحزب في حالتنا، ومفهوم الوطن/الحزب هنا لا يحيل على الأرض فقط، بل على الشعب/مجموع الأعضاء وعلى النظام السلطة العليا. إذن الوطنية هي وعي الانتماء إلى الحزب التي تقوم على مبدأ المساواة بين جميع الأعضاء مهما كانت مراتبهم في الحقوق والواجبات وتمتعهم بالحريات الأساسية المكفولة في النظام، وهي، أي الوطنية، جملة حية من العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية نسجها تطور تاريخي، وجملة حية من الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية المتساوية ومن الالتزامات والمسؤوليات والواجبات التي تعنيها تلك الحقوق، وهي جدل الحرية والقانون، فليس ثمة واجبات بلا حقوق، وليس ثمة حقوق ثابتة ومؤكدة بلا قانون/نظام، وليس ثمة قانون/نظام بلا حرية.

والديموقراطية هي النظام الذي يوفر الشروط المناسبة للمشاركة الايجابية والفاعلة والمثمرة في حياة الحزب لجميع الأعضاء بالتساوي، والمشاركة تتضمن الحرية والمسؤولية معًا، ولذلك وصفت الديموقراطية بأنها فضاء مشترك من الحرية، لا يحده سوى القانون/النظام، الذي يضعه الحزب بمجموع أعضائه لنفسه، ليدرأ به جميع أشكال التعسف والاعتباط والجهل والنزوات الشخصية، والديموقراطية كذلك قابلة للتحسن بنسبة تحسن شروط الحياة الداخلية والاجتماعية عموماً، وقابلة للتراجع والانتكاس. وعليه فإن حديثنا المتكرر والمحق عن المشروع الوطني والديموقراطي ومدى صدقيته يتوقف، على جملة أمور لعل من أهمها أن نكون أمام حزبًا سياسيًا ديمقراطيًا؛ نهجًا وثقافةً في حياته الداخلية اليومية، ويستمد قوته ونفوذه من مجموع أعضائه أحرار الإرادة، ومن برامجه الفكرية والسياسية القابلة للتعديل والتطوير والتغيير، في خدمة هذا المشروع بالمعنى الاستراتيجي، ومن رصيده الوطني والسياسي والأخلاقي ومناقبية أعضائه، لا من ادعاءاته الأيديولوجية والفكرية وأحلامه التي ستبقى طوباوية، إن لم تكن ديمقراطية في جوهرها.

ولتا أن نقول هنا، إن المشروع الوطني والديموقراطي، هو مشروع نهضوي وطني تنويري، جماعي ومجتمعي، يشمل جميع مجالات الحياة.

الديموقراطية ومضمون الحزب:

الديموقراطية بالتعريف هي مضمون الدولة الوطنية الحديثة، والحزب في حالتنا الفلسطينية الفاقدة للدولة ووحدة الجغرافيا كما السيادة، هو بمثابة الدولة في هذه الحالة، و "الشعب" الذي هو "مجموع" أعضاء الحزب، بما هو مجتمع مصغر عنه، ويهدف إلى تحقيق أهداف هذا الشعب، والذي يفترض والحال هذا أنه هو من ينتج "السلطة" التنظيمية والسياسية في الحزب؛ وهو الذي يمنح له معنى سياسيًا وقيميًا وأخلاقياً، بحيث يصبح الحزب بالنسبة للشعب وطنًا معنويًا، طالما يفقدونه على الأرض المادية.

وفق هذا التحديد، لا يمكن اختزال الديموقراطية إلى "نظام حكم" تعينه "آليات ديموقراطية"، كالتمثيل والانتخاب، كما يظن الكثيرون عندنا، وليست مجرد حكم الأكثرية العددية، بموجب صناديق الاقتراع التي تجري في المؤتمرات الحزبية؛ فالديمقراطية ثقافة، بكل ما تنطوي عليه الثقافة من معنى؛ تشمل العادات والتقاليد وأنماط السلوك وأشكال التواصل والتعارض، فضلًا عن الأفكار والتصورات والعقائد والأساطير والآداب والعلوم والفنون؛ ونمط علاقات داخلية/وطنية/إنسانية تعاقدية وتواصلية وتكاملية وتنافسية، ذات محتوى اجتماعي اقتصادي وثقافي وسياسي، في الوقت عينه، ونظام أخلاقي أساسه الحرية، والتزامًا خلاقًا لحكم القانون/النظام.

مما يؤسف له في واقعنا أن ثقافتنا السائدة لا تستطيع أن تقدم لنا أي تعريف سوى تعريف الرعية/القطيع الذي هو أحد تجليات الاستبداد، وعليه فإن القول بالديمقراطية لفظيًا ورفضها عمليًا؛ من خلال تكريس الفردية والشلة والتكتل والاستزلام، وضرب القانون/النظام، هو أحد أشكال الاستبداد، وأكثرها إضرارًا بفكرة ووجود ودور الحزب وطنيًا واجتماعيًا.

وهنا فليًطرح سؤال لماذا الاستبداد ممكنًا في كل زمان ومكان في حين أن الديموقراطية غير ممكنة؟! فهل لا يناسب مجتمعاتنا (الشعب/الحزب) سوى الاستبداد؟! أم أن إحكام السيطرة من قبل "القيادات المتنفذة"، لا يمكن أن يكون إلا من خلال الاستبداد، لكن بتخريجات ديمقراطية (محيّنة)، تعيد إنتاج ذات الأدوات والشخوص؟!

الحزب والنهوض الوطني والديمقراطي المطلوب:

إن تمحور الحزب، أو تحوّله إلى دوائر مأزومة ومتنافرة بحكم استمرار تراكمات الظواهر السلبية، أو تحوله إلى تابع بصورة بيروقراطية أو ميكانيكية للقيادات المتنفذة، وليس الهيئات القيادية! يعني سقوط الخط الفكري والتنظيمي والسياسي بمجمله لحساب هذه القيادات ومقاس تفكيرها، أو بمعنى أدق مصالحها وامتيازاتها، بما يعني تبهيتًا للديمقراطية بمجملها وتكريسًا للاستبداد المحكوم لمنطق الشلة والتكتل والاستزلام، وضرب مفاهيم الالتزام الطوعي والحوار البناء والتفاعل الداخلي الإيجابي ومخرجاته الوطنية والاجتماعية؛ فالديمقراطية لا تقوم على نصوص مفصولة ميكانيكياً عن بعضها، بل إنها كلُّ متكامل، لذلك فإنها قرينة عنصر الوعي ومحدداته التي تتجاوز أو تنفي الارتهان لمشيئة الأفراد على حساب الهيئات، والهيئات على حساب القانون/النظام، وهذا لا يكون دون تكريس مأسسة مفهوم الحزب في العقل والفعل الجمعي، نظير ما نرغب أن تكون عليه دورة الحياة في مجتمعنا/شعبنا راهنًا ومستقبلًا، وهذا لن يكون في الحالة الفلسطينية الخاصة، وكل المهددات المصيرية التي تصل حد التصفية الوجودية للشعب والقضية، دون الوعي والتمسك برؤية ومبادئ ومنطلقات وأهداف الحزب الثورية، في جدليتها القائمة بين بعدي العملية الثورية: الوطني التحرري والاجتماعي الديمقراطي، بهدف الارتقاء والتطور والذهاب جماعةً نحو تحقيق الأهداف المنشودة وطنيًا واجتماعيًا، وإلا تحول الأمر إلى تآكلً واستنزافٍ وتدميرٍ للحزب/الشعب. 

إن النهوض المطلوب يجب أن يكون بمستوى وعي الأزمة الوطنية الشاملة (المُشخصّة) التي ترزح تحتها كل الحالة الفلسطينية، والذي يجب أن يكون منطلقاته الرئيسية وطنية؛ وعيًا ونهجًا وممارسةً وهدفًا.