Menu

العرب وفلسطين: من ترامب إلى بايدن

الطاهر المعز

فشلت إدارة “دونالد ترامب” في معالجة وباء “كوفيد 19″، بسبب تخريب قطاع الصحة، وحرمان عشرات الملايين من التّأمين الاجتماعي والصّحّي، وفشلت في معالجة تداعيات الوباء على الاقتصاد والوظائف، ولم يَفِ بوعوده التي قَطَعها سنة 2016، لإعادة النشاط الصناعي بالعديد من الولايات (مثل بنسلفانيا وإلينوي وميشيغان…) التي حاز بها على أصوات العُمّال الصناعيين البيض المُعَطّلين عن العمل، بالإضافة إلى الاحتجاجات، التي انتشرت، لفترة أسابيع، ضد اغتيال عناصر الشرطة للمواطنين السّود، على خلفية اغتيال ضابط شرطة أبْيَض للمواطن الأسود “جورج فلويد”، وبذلك زاد احتمال انضمام العديد من الغاضبين، أو المُعارِضين، إلى المُصَوِّتِين ضد “دونالد ترامب”، أي زيادة حُظُوظ “جو بايدن”، رغم غياب فوارق جَوْهَريّة بين برامج وتصريحات وسياسات المُتنافسين…

تختلف لُغة وأسلوب “دونالد ترامب” ومنافسه “جو بايدن”، لكنهما يتّفقان، كما يتفق الحزبان الحاكمان (الجمهوري والديمقراطي) على المسائل الجوهرية، ومنها أن تخدم الاتفاقيات الدّولية المصالح الأمريكية، دون مراعاة مصالح “الحُلَفاء”، ومنها أيضًا، أو خصوصًا ما يهُمُّنا كعرب وكشعوب مُضْطَهَدَة، كموضوع الغطرسة والهيمنة الأمريكية على العالم باستخدام التّهديد والقُوّة العسكرية.

عَبّر “جو بايدن” عن مواقفه في خطاباته الانتخابية، كما في بعض المقالات، ونشر له موقع “فورين أفيرز” مقالاً يُؤَكّد تطابق الرؤية والأهداف مع “دونالد ترامب”، فالمسألة تتعلق بمنظومة حكم واستراتيجيا قومية أمريكية تهدف استدامة الهيمنة الأمريكية على العالم، رغم تراجع القوة الأمريكية، ومن مظاهر هذا التراجع، انخفاض القوة الاقتصادية، كان الناتج المحلّي الإجمالي الأميركي يمثّل 40% من الناتج العالمي، سنة 1960، وانخفضت النسبة إلى 32% سنة 2001، وإلى 24% سنة 2018، بحسب بيانات البنك العالمي، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يُمثِّلَ الناتج المحلي الأمريكي نسبة 14,78% من الناتج الإجمالي العالمي، سنة 2025، ولئن تَراجعَ الإنفاق العسكري من 6% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي فسنة 1988 إلى 3,4% سنة 2016، فإن ذلك يعود إلى توسيع حلف شمال الأطلسي، وتحميل البلدان الأعضاء جُزْءًا مُتعاظِمًا من الإنفاق على السلاح الأمريكي الذي يُفْرَضُ شِراؤُه فيما بعد على الدّول الأعضاء.

من مظاهر الاتفاق بيْن الحِزْبَيْن على استمرارية سياسات الهيمنة الأمريكية، عبّر “جو بايدن” عن ضرورة تزعم الولايات المتحدة، ولا دولة أخرى غيرها، التّصَدِّي لأعداء ”العالم الحُرّ” (وهم أعداء أمريكا)، أي المنافسين التجاريين والاقتصاديين (الصين وروسيا).

 كان “جو بايدن” نائبًا للرئيس، بين سنتَيْ 2009 و 2017، عندما قَرّرت إدارة “باراك أوباما” (بإيعاز من وغشراف “بايدن”) سنة 2012، محاصرة الصّين في عقر دارها، وتعزيز التعاون مع دول “كواد” (أستراليا والولايات المتحدة والهند واليابان)، لتكون دعامة الحلف المُعادي للصين، ودعامة “الدّبلوماسية” الأمريكية المُسَلّحَة، وتواصلت ثم تعزّزت سياسة حصار الصين خلال إدارة “ترامب”، عبر الاستفزاز واستخدام منطق القُوّة الفَجّة، بدون غلاف “ديمقراطي”، ومنذ زمن بعيد، ربما منذ الحُرُوب العدوانية الأمريكية في القرن التاسع عشر، من كوبا إلى الفلبين، مرورًا بالمغرب العربي (في بداية القرن التاسع عشر، بين 1805 و 1815)، اعتبرت الولايات المتحدة العالم كله مجالاً حيويًّا أمريكيًّا، وضخّمت أُسطولها العسكري البَحْرِي، ونَشَرَتْه حول العالم، “دفاعًا عن المصلحة القومية الأميركية”، وتُعتَبَر “دبلوماسية القُوّة” إحدى بُنُود الاستقرار والاستمرار في السياسة الخارجية الأمريكية، منذ نشأة الولايات المتحدة، والتي تعتبر أنها وُجِدَتْ (على جماجم الشُّعُوب الأصلية، ودماء وعرق الأفارقة المُستَعْبَدِين) لتقود العالم…

ينعكس تقديس القوة العسكرية والعُنف في السياسة الدّاخلية، ليس على مستوى أجهزة الدّولة فحسْبُ، وإنما على مُستوى المواطنين الذين يُقدّسُون شراء وحَمل السلاح، ولم لا استخدامه أيضًا، ضد “العَدُو الدّاخلي”، أي الفُقراء والمواطنين السود، أحفاد المُسْتَعْبَدِين، وضد أحفاد الشُّعُوب الأصلية، مع التّذْكير بأن الدّستور الأمريكي يعتبر امتلاك وحمل السّلاح حق من الحقوق الأساسية، ويعترف ب”حق تشكيل ميليشيا منظمة للمساهمة في أمن الدولة الحرة”، ويتكالب الأمريكيون على شراء السلاح، خاصة خلال فترات الأزمات التي تُساهم وسائل الإعلام وصانعو وبائعو الأسلحة في تَضْخِيمِ خَطَرِها على الأمن والحُرّية، وأصدرت منظمة “إس آي إس” ( SAS )، سنة 2019، تقريرًا قَدّرَ عدد قطع السلاح النّاري المُرَخّص بها، والتي يمتلكها المواطنون في الولايات المتحدة، بنحو 393 مليون قطعة سلاح، ما يُسبب مباشرة في قَتْل ما يزيد عن ثلاثين ألف شخص، وتمتلك المليشيات اليمينية المتطرفة (التي تَدْعم “دونالد ترامب”) كميات هامة من الأسلحة، المُصرّح بها أو غير المُصرّح بحملها، وفقًا لإحصاء المراصد الأمريكية لأعمال العُنف، وتُقَدِّرُ نفس المَراصِد معدل جرائم القتل باستخدام الأسلحة النارية في الولايات المتحدة بحوالي أربع حالات لكل مائة ألف نسمة، وهو من أعلى المعدّلات العالمية، في مناطق لم تُعْلَن بها حالة الحَرْب…

بالنسبة لقضايانا، يعسر وجود اختلاف في الموقف بين “الديمقراطي” و “الجمهوري”، أو اختلاف بين أحزاب أوروبا أيضًا، ويعتبر جميعهم (مؤمنون أو مُلْحِدُون، رأسماليون أو من مُدّعي “الاشتراكية”) أن الكيان الصّهيوني شرعي، وأوْجَدُوه ليبقى، فيما ترى المنظمات الأمريكية، الدّينية المُتطرّفة، المسيحية واليهودية، أن إلهَهُم اختار “ دونالد ترامب ” لِيُحَقِّقَ نُبُوءَةً قديمة، لتحرير اليهود، وَرَدَتْ في “العهد القديم”  (النُّسْخَة الأقْدَم من التّوراة)، وطَوّرت المنظمات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة خطابًا يَرْبُط بإحْكام بين الدّين، والنّظريات العِرْقِيّة العُنصُرِيّة (تفوّق المسيحيين الإنجيلِيِّين أو البروتستنْتِيِّين البيض على غَيْرِهم)، والاقتصاد النيوليبرالي، والسياسات اليمينية المتطرفة، وكل ما يتعلق بالقضاء (القانون في خدمة الدّين ورأس المال والرّجل الأبيض المُسَلَّح…)، والخطط الإعلامية والتّعليمية (فرض التعليم الدّيني والصلاة في مُؤسّسات التّعليم) وغيرها من برامج تَسْيِير المجتمع، وهم يعارضون المُساواة بين الرجل والمرأة، ويبثُّون إيديولوجيتهم وبرامجهم من خلال وسائل الإعلام المختلفة التي يمتلكونها…

لا تندرج قضايا العدالة الاجتماعية ولا حق الشّعوب المُضْطَهَدَة والمُسْتَعْمَرَة في تقرير مصيرها، في برامج المُرَشَّحِين الأمريكِيِّين لانتخابات الرئاسة أو مجلس النّواب، ولا يمكن للانتخابات الأمريكية أن تُغَيِّرَ الموقف تجاه سوريا أو ليبيا أو اليمن، ناهيك عن فلسطين، وينطبق الأمر على أمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا، لأن مثل هذه القضايا محل إجماع، فمعظم المُترشّحين، إن لم يكن جميعهم، يُؤَيِّدُون هيمنة الإمبريالية الأمريكية على العالم، بقوة السّلاح، وبالمُؤامرات، وبالتّهديد والابتزاز، أما من يُعارضون ذلك، فلا مكان لهم في المُؤسّسات ولا في وسائل الإعلام، ولذلك لا تَصِلُنا أصْواتهم التي وقَع خَنْقُها.