Menu

معركة كسر القيود مستمرة

أحمد أبو السعود

حساب الأيام لدى الأسير المضرب عن الطعام ليس بطلوع الشمس وغيابها، لأنه ببساطة لا يراها، ولا يحمل ساعة ليدرك الوقت فقد صودرت منه، وغير مرتبط ببرنامج يومي كما بقية الأسرى بتناول وجبات الطعام والخروج لساحة النزهة  لأنه رفضها ولا بجولات التفتيش الليلي أو النهاري، لأنها لا تتوقف ولا بكل أنواع الممارسات الوحشية من قبل طواقم السجانين، بل الأيام أيها السادة مرتبط بالعدد فقط، وها هم الأسرى الاداريون نضال أبو عكر وغسان زواهرة وبدر الرزة ومنير أبو شرار وشادي معالي وبلال الصيفي يدخلون اليوم السادس والعشرون بأمعاء تضمر والآلام تزداد وتكبر، وعقل  يتحفز لمجابهة السجان الذي يبتكر الأساليب الجديدة المشبعة بالحقد والكراهية وليس هذا فحسب وإنما يكبر فيهم الأمل والكبرياء والشموخ، لأن كل أسير منهم يرى بنفسه نداً للاحتلال وسياساته ويسعى لتحطيمها مثلما سبقهم إلى ذلك المجاهد خضر عدنان ومحمد علان وسامر العيساوي وغيرهم.

كيف يقضي الأسير المضرب عن الطعام ساعات يومه، وبماذا يفكر؟

بالبدء هو يعلم كيفية التصرف صحياً ونفسياً وعصبياً، جراء تراكم الخبرات لدى الأسرى، فالمعركة قاسية ومصيرية وقد تكون نهايتها الاستشهاد وبالتالي الحرية، ولأن السجان ومنذ اليوم الأول يقوم بمصادرة ممتلكات الأسير البسيطة من ملابس ولوازم النظافة وكل شئ تقريباً، وأحياناً بالصيف يبقى لدى الأسير الحرام الشتوي والملابس الشتوية ويصادر الأشياء الصيفية أو العكس لأنه لا يستعملها ويعاني من حملها أثناء عمليات التنقيل والتفتيش وهذه يحدث يوميا وربما مراراً وتكراراً إذا ما تركه السجان دون تنغيص  يبقى مستلقياً يحلم بيوم النصر، ويفكر بكل الاتجاهات، البداية، فأول ما يفكر بتوقع خطوات السجان القادمة ليتصدى لها، ومن ثم التفكير بالأهل وحالهم سيما الوالدة والأخوات، وأيضاً  بأبناء شعبه الذين ما تخلو عن الأسرى يوماً في معارك الشرف والبطولة ... ويستحضر كل ما مرّ عليه من لحظات وأوقات جميلة    ثورية، ومواقف انتصر  فيها الأسرى وهزم فيها عدونا.. ويبقى متحفزاً لأي همسة أو حركة بالمكان ليواجه السجان بأعصاب باردة، لا يستجيب لاستفزازاته المقصودة ولكن بكبرياء وكرامة لا تنحني له هامة، بل إذا ما طلب منه الخروج يمشي ببطء لكن بشموخ، ويبقى واقفاً بصلابة مهما لازمه من آلام، وهي عديدة  بدء من الصداع وآلام المفاصل وكل أركان الجسد، وليس انتهاء بالغثيان وفقدان الوعي،  إلاّ أن الارادة تتغلب على الألم، وفي مظهر الاسير لا يبدو سوى نقصان الوزن وهكذا حتى يتراجع السجان ويعترف بانتصار الأسير، هذا الاسير الذي ينتصر أولاً على جوانب ضعفه، ليكتشف مقدار ما لديه من عوامل قوة.. وتكون لحظات مميزة إذا ما زاره الصليب الأحمر أو محامي فلا يتحدث عن الامه، بل يؤكد على مطلبه من الاضراب وهو حقه بالحرية كباقي البشر على سطح هذه الأرض.

وبماذا يفكر السجان بالأسرى المضربون عن الطعام؟

جل ما يشغل بال السجان هو افشال الاضراب، لأن في ذلك كسر إرادة ومعنويات الأسرى، أو بالتالي لا يتواني عن استخدام أكثر الأساليب قذارة وانحطاطاً لتحقيق هدفه، مثلاً مارس السجان أسلوباً قديماً جديداً مع المناضل بدر الرزة وهو الضغط عليه بواسطة النقل من عزل لآخر ليقضي معظم الوقت متنقلاً في مركبات البوسطة، وما أدراك ما تسببه من الألام جراء الاهتزازات القوية والتوقفات المفاجئة لجيد نحيل قارب على الشهر مضرباً، عدا عن الضغوطات بالانتظار ساعات طوال قد يكون واقفاً ويمر بتفتيشات روتينية قاسية وحملة، ولكن روح التحدي التي جسدها بدر برفض لباس إدارة السجون الصهيوني فرضت عليهم الرضوخ والسماح له بملابسه المدنية ، وقد لجأوا لأسلوب رخيص مع المناضل شادي معالي، بأن أدخلوا الطعام إلى زنزانته عنوة، وهو طبعاً رفضه، ثم باليوم التالي قاموا بنقله من عزل سجن "أيلة" الصهيوني إلى عزل سجن النقب، مدعين بأنه كسر اضرابه وإذا أراد الاضراب ليبدأ من جديد بإرسال كتاب يبلغ فيه إدارة السجون الصهيوني أنه يدخل الاضراب؟؟!!

تقوم إدارة السجون وبالتعاون والمشاركة مع المخابرات الصهيونية بالاستفادة من خبراء الطب النفسي بابتكار الأساليب التي يعتقدون أنهم  من خلالها يكسرون الاضراب مثلاً يحضرون اللحوم ويتم شواؤها قريباً من زنازين الأسرى ليشمو الرائحة ويتحرك السجانون والسجناء الجنائيون وهم يدخنون السجائر ويأكلون الطعام معتقدين أن الاسرى المضربين ممكن أن يتأثروا بهكذا حركات، بالاضفة لادخال الطعام 3 مرات يوميا الى زنزانة المضرب عله ينهار ويكسر اضرابه.

إنها معركة قاسية يستخدم فيها السجان كل ما راكمه من خبرات وتجارب وما يسلحه به الخبراء المختصون بعلم النفس وتجارب سجون العالم؟

وبالمقابل فإن الأسرى المضربون اختاروا معركتهم الشاقة والطويلة لكسر قيودهم وهم مسلحون بعزيمة الثوار وإرادة الفدائيين ولا هم لهم سوى الحرية أحياء أم شهداء، ويتطلعون بعمق إلى زملائهم الأسرى لنصرتهم، وإلى أبناء شعبنا الذين ينحازون دوماً لجانب البطولة وعشاق الحرية.

النصر كل النصر للأسرى المضربون عن الطعام في معركة كسر القيود، والحرية لاسرى الحرية.