بدأ في 14 تشرين أول/ أكتوبر، وفدان لبناني وصهيوني النقاش في بلدة الناقورة، في مقر قوة الأمم المتحدة (اليونيفيل) ما وصف بأنه مفاوضات تهدف إلى التوصل لاتفاق إطاري يشكل مقدمة لمرحلة التفاوض على رسم الحدود البحرية بين الجمهورية اللبنانية والكيان الغاصب، ويأتي هذا في نهاية عقد من جهود الوساطة الأمريكية، تسارعت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، دون أن ينعكس هذا التسارع في الإعلام الصهيوني أو اللبناني، وقد بدأت المفاوضات بقيادة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد وانتقلت الدفة إلى خلفه في المنصب ديفيد شنكار، ومن المقرر أن يعقد اجتماع جديد في 26 من هذا الشهر، ويشرف على وفد المباحثات مع الجانب الأمريكي لبنانيًا رئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلا عن رئيس الجمهورية ميشال عون، وعن الجانب الصهيوني وزير الطاقة يوفال شتاينتس. كما يشارك في المفاوضات مبعوث الأمم المتحدة إلى لبنان جان كوبيس، الذي ستقتصر مشاركته على الافتتاح والختام فقط، ما يمنح الأمم المتحدة دورًا شكليًا في هذه المفاوضات بما في ذلك على ما يبدو منح الاتفاق النهائي صفة الأممية عبر وضع توقيع كوبيس أيضًا، فيما شددت التسريبات على أن هذه المفاوضات لا تتناول التطبيع ولا إقامة علاقات دبلوماسية، ناهيك عن إنهاء حالة الحرب بين الجانبين، وإن كان الكثير من النقاد اللبنانيين رأوا أن ترسيم الحدود يعتبر اعترافًا لبنانيًا بسيادة الكيان على منطقة فلسطينية محتلة.
وبينما أصبحت مسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والكيان الصهيوني، مستجدة لبنانيًا، ارتباطًا بالظرف الاقتصادي والأزمة الاجتماعية الخانقة التي يعيشها هذا البلد، فإن هذه المسألة ذاتها أصبحت هدفًا مهمًا للكيان الصهيوني بسبب اكتشافات الغاز الطبيعي من جهة، ولرغبة الكيان بأن يكون "السلام الاقتصادي" إن صح التغبير، والذي يأتي من مصلحة مشتركة في التنقيب البحري، كمقدمة لسلام وتطبيع سياسي، وهو ما ينقسم عليه اللبنانيون بشدة كما هو واضح، بين فريق متهافت يريد صلحا وتطبيعا بأي ثمن، وفريق ثابت على اعتبار أن هذا الكيان يقوم على فلسطين المحتلة أصلًا وأن ما يحاول الكيان التفاوض عليه مع لبنان ليس ملكًا له، بل منطقة محتلة سواء كانت بحرًا أو برًا.
كان من الممكن أن تبدأ هذه المقالة، بمقدمة تشرح القانون البحري، ومواده وأسس التقاسم النفوذي في البحر، ولكن هذا لا يكون له معنى في حالة الكيان الصهيوني، ليس فقط لأنه لم يوقع ولم يصادق على اتفاقية الحدود البحرية والمياه الإقليمية في الأمم المتحدة، استمرارًا لسياسته برفض تحديد حدوده وبقائها خاضعة لاحتمالات عدوانه المستمر، بل أيضًا لأن الكيان المحتل يقوم على أرض محتلة، وليس كيانًا شرعيًا، إضافة إلى أن هذه المفاوضات تأتي بين جانبين لا يوجد علاقات واعتراف متبادل بيتهما، ويدرك اللبنانيون ربما أنهم يفاوضون اللص على حدود ما سرقه منهم ومن غيرهم، ولا يفاوضون جارًا شرعيًا وأصيلًا في المنطقة. ويبدو غريبًا حجم المقالات التي تتحدث عن تفاصيل ترسيم الحدود، وأن المشكلة تتعلق بمفتاح الخريطة مثلًا، أو باتصال الحد البحري مع البري، وطريقة الارتكاز البرية لرسم الخط البحري أو حجم المثلث البحري المتنازع عليه والناتج عن اختلاف لبناني صهيوني، حيث يرى الجانب اللبناني أن الخط يجب أن يشكل استمرارًا للخط الحدودي البري جنوب جرف الناقورة، وهو ما لا يقبل به الكيان، في وقت يقول لبنان أصلًا بأنه لا يعترف بالكيان الصهيوني، ويصبح من غير المفهوم أنه يعترف بحدود لهذا الكيان ستودع في الأمم المتحدة، وستكون له ارتجاعات لاحقة، في التصنيف السياسي للبنان، بينما في الواقع إن طبيعة هذه المفاوضات متعلقة تمامًا بالزي الذي يرتديه المفاوضون، ولذلك فإن موقف أطراف لبنانية منها حزب الله ترى اقتصار الوفد اللبناني المفاوض على أشخاص بالزي العسكري على غرار ما هو معمول فيه في لجنة مراقبة الخط الأزرق الثلاثية مع اليونيفيل، هو موقف يحدد جوهريًا إلى أي مدى تذهب هذه المفاوضات بالضبط.
ويبدو أن تصريح ديفيد شنكار يبرر مخاوف حزب الله وحلفائه؛ إذ وصف شنكار المبعوث الأمريكي الاتفاق الإطاري بأنه "تاريخي"، و "سيسمح لكلا البلدين ببدء المناقشات التي لديها القدرة على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والأمن والازدهار للمواطنين اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء". وأكد أن "هذا هو إطار عمل لبدء المناقشات، إنه ليس الاتفاق الفعلي على ترسيم الحدود البحرية أو عند تقاسم الموارد المحتملة، سيكون ذلك موضوع المناقشات التي ستجرى بين الجانبين، ولكن بعد قولي هذا، نشجع كلا الجانبين على الاستفادة من هذه الفرصة للتوصل إلى اتفاق متبادل مفيد".
وبينما يلتزم الجانبان الرسميان بالصمت حول جوهر المباحثات، فإنه في لبنان، على عكس الكيان، حظي الاتفاق الإطاري وبدء المفاوضات بتغطية إعلامية واسعة للغاية وتصريحات رفيعة المستوى، تناقش بالتفصيل الآثار الاستراتيجية للاتفاق، والتفاصيل الفنية للخلاف بين الطرفين، والآثار الرمزية للمفاوضات وطبيعة التدخل الخارجي. وإذا اتسمت التعليقات اللبنانية بكونها تعكس عمق الخلاف الداخلي حول شكل من أشكال التفاوض مع العد الصهيوني، فإن التعليقات الصهيوني جاءت من جهة مرحبة بهذا المسار باعتباره يفتح الباب نحو إخضاع لبنان وإلحاقه بركب المطبعين وإن بشكل أبطأ وبين التحريض على المقاومة، ومحاولة وضعها في مواجهة ما يزعم أنه مصالح اللبنانيين في استثمار صفقة الغاز من أجل مصلحة خاصة لحزب الله.
فمن جهة يرى المعسكر اللبناني المؤيد للكيان أن هذه فرصة لبدء مفاوضات تودي إلى علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني، وهذا المعسكر لا يمانع في التخلي عن حقوق لبنان الاقتصادية، ناهيك عن الاعتراف بالكيان المغتصب على الأرض الفلسطينية في سبيل تحقيق مصالحه السياسية والطائفية المرتبطة بالغرب والولايات المتحدة.
بينما يرى معسكر المقاومة أن هذا الاتفاق يحمل مخاطر عديدة للبنان أبرزها طبعًا أن الاعتراف بالحدود، مع كيان لا يوجد له حدود رسمية، ويرفض أصلًا تعيين حدود له، إنما هو ضرب من ضروب التطبيع مع العدو التي يجب على لبنان أن ينأى بنفسه عنها. وفي خضم هذا الجدل الملتبس صرح وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية شربل وهبي أنه لا يوجد تطبيع أو اعتراف "بإسرائيل" في المحادثات، بل مفاوضات لترسيم الحدود البحرية فقط ، وهو ما أكده رئيس الوفد الصهيوني، فيما أكدت وسائل الإعلام أن الاتفاق الإطاري والمفاوضات "انتصار" لإسرائيل" أي "العدو"، ووصفت المفاوضات بأنها "خطأ" لبنان الذي لا يزال في حالة حرب مع الكيان، وفي هذا السياق رفض الوفد اللبناني التقاط صورة تذكارية في ختام المحادثات ونودي على نطاق واسع برفض مشاركة شخصيات لبنانية ذات مكانة سياسية رسمية تتجاوز رتبة الخبراء الفنيين التكنوقراط. ولذلك دعا حزب الله وحركة أمل مثلًا إلى سحب المدنيين من الوفد والإبقاء على مفاوضين عسكريين وعدم الانجرار إلى فخ الكيان الذي طعم وفده بمفاوضين سياسيين واقتصاديين.
هناك أيضًا مخاوف لبنانية من أن تؤدي الضغوط الأمريكية إلى تنازلات، حيث يعبر الاتفاق التفاوضي عن لحظة ضعف لبنانية غير مسبوقة، قد تستغلها الولايات المتحدة لإنهاء ملف الحدود البحرية والبرية دفعة واحدة.
المفاوضات وغموض الاتفاق الإطاري
وتأتي هذه المفاوضات في ظل ما يبدو إنه حاجة للطرفين، وإن كانت غير واضحة المعالم تمامًا خصوصًا للبنان الذي يحتاج بشدة لاستخراج احتياطيات الغاز، وحاجته لطمأنة الشركات الأجنبية التي تحجم عن أخذ امتيازات الاستثمار والتنقيب والحفر، ويحتاج لبنان إلى هذه العائدات -غير الواضحة حتى الآن - لمواجهة الأزمة التي يمر فيها: خفض الإنفاق على الطاقة بسبب انهيار البنية التحتية للكهرباء، ومعالجة مشكلة تلوث الهواء والبيئة، وتقليل الدين الخارجي (170٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو من أكبر الديون في العالم)، وخلق فرص عمل والمزيد. أما الكيان الصهيوني فعلى الأغلب ليده طموحات سياسية تتوازى مع طموحه الاقتصادي، فهو سيحقق كسبًا على المستوى الاستراتيجي وهو يطمح أن تكون هذه المفاوضات السريعة عقبة تصعيبية في وجه المقاومة وتحقيق نوع من الاستقرار على الجبهة الشمالية.
يعد فتح المفاوضات أيضًا إنجازًا مهمًا للولايات المتحدة، بعد التوصل إلى اتفاقيات التطبيع الأخيرة مع الإمارات والبحرين، حتى لو لم يكن تطبيعًا للعلاقات مع لبنان، تريد الولايات المتحدة أن تثبت أنها لا تزال لاعبًا مهمًا ليس فقط في الخليج، ولكن أيضًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بعد أن تآكل نفوذها في سوريا و ليبيا والساحة الفلسطينية. وكانت هذه المفاوضات قد واجهت عقبتين رئيستين تقفان على المدى الطويل هما قضية الوساطة وقضية الحدود البرية، فبينما طالب الكيان الصهيوني بأن تكون الوساطة أمريكية حصرًا، أصر لبنان على الأمم المتحدة، وإعطائها دورًا أساسيًا، ولكن المشاركة الشكلية للأمم المتحدة في الافتتاح والختام حتى مع وضع توقيعها على الاتفاق، يترك المزيد من الشكوك حول انتصار الرؤية الصهيونية في هذه المسألة.
أما فيما يتعلق بمسألة الحدود البرية، فبينما أكدت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على أن المحادثات تتركز فقط على الحدود البحرية، قال نبيه بري أن الاتفاق الذي تم التوصل إلي "سيسمح بإجراء مفاوضات على الحدود البرية والبحرية" .وأنه تم الاتفاق على "الجمع بين العملية البرية والعملية البحرية" كما رحب الأمين العام للأمم المتحدة، غوتيريش من جانبه، باستئناف المفاوضات "حول الحدود البحرية والبرية".
وبالتالي، هل تم التوصل إلى نوع من الغموض البناء في هذا الاتفاق بما يسمح لكلا الطرفين أن يزعم أن موقفه تم قبوله؟ في الوقت الذي أكد شنكار أن واشنطن تشجع الأطراف على استئناف المحادثات على مستوى الخبراء لحل الخلافات على الحدود ("الخط الأزرق")، والتي تعود إلى التقاسم بين فرنسا وبريطانيا أولًا ثم إلى خريطة اتفاق الهدنة عام 1949، حيث يرى لبنان أن هناك 13 اختراقًا صهيونيًا على طول الخط الأزرق الذي يمتد شرقًا حتى الجولان السورية المحتلة في منطقة تداخل أراضي سورية فلسطينية لبنانية، حيث يرى لبنان أن مزارع شبعا هي أرض لبنانية محتلة، وهو الموقف الذي يرفضه كل من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة.
ومن جانب آخر، يرى بعض التحليل الصهيوني أن هذه المحادثات تعكس قبول حزب الله بالمفاوضات وسحب معارضته لها، وبالتالي يرون فيها انتصارًا بعد عقد من الفشل في تحقيق اختراق. ويزعم هؤلاء أن حزب الله يخشى من فصل الحدود البرية والبحرية، ما يضعف موقفه كمدافع عن مصالح لبنان وشرعية سلاحه أيضًا، بالإضافة إلى أن الوسيط المسيطر في هذه المفاوضات هو "عدو" حزب الله، الولايات المتحدة، حليفة الكيان المحتل. ويزعم التحليل الصهيوني أن حزب الله اضطر إلى "ابتلاع الضفادع"؛ بسبب وضع لبنان الاقتصادي المتهاوي، وإنه لا يستطيع رفض استفادة لبنان من عائدات بمليارات الدولارات، كما يروج مؤيدوا التفاوض مع الكيان في الجانب اللبناني، ويزعمون أيضًا أن موافقة الحزب جاءت للنأي بنفسه عن التهم بدعمه للنظام الطائفي الفاسد، ونسفه للمبادرة الفرنسية التي كانت حسب الزعم ستمهد الطريق للمساعدات الدولية التي يحتاجها لبنان.
ويخشى الكيان الصهيوني من أن المقاومة اللبنانية ستسعى قريبًا لتجاوز الآثار النفسية لهذا الاتفاق الإطاري، بغض النظر عن النتيجة النهائية للمفاوضات، وبالتالي سيسعى للقيام بعملية على الحدود تعيد التأكيد على الردع المتوازن وكبح جماح الشهية الصهيونية ضد لبنان.
نتيجة:
في النهاية وبدون بذل الجهد في التفاصيل الفنية، فإن هذه المفاوضات سياسية بامتياز، بما يمكن إنكاره مهما اجتهد الطرفان، فالتفاوض سيفضي في النهاية إلى اعتراف لبنان بالحدود السيادية للكيان المحتل، وهو هدف يسعى إليه الكيان الصهيوني وهذا يعني ببساطة أن بلدًا عربيًا آخر انضم للاعتراف بالكيان الصهيوني، وإن بشكل غير مباشر أو غامض على الأرجح، وهذا الأمر يخدم بشكل مباشر جماعة الكيان في لبنان الذين يتطلعون لتعزيز نفوذهم عبر علاقة مفتوحة من هذا النوع مع الولايات المتحدة ومن وراءها الكيان الصهيوني، وهم يستخدمون هذا المسار ونتائجه أيضًا في معركتهم الداخلية مع المقاومة، وفي إطار الصراع الطائفي في لبنان.
وفي ظل طبيعة النظام اللبناني ومستوى فساد وانهيار الدولة، لا يمكن الوثوق أن لبنان سيستفيد فعليًا من الناحية الاقتصادية من هذا المسار والاستثمار النفطي، لأن المشكلة في لبنان ليست تقنية، وفي ظل شك كبير أن تسمح الولايات المتحدة للبنان باستخدام العائدات لتنمية البلد وتقويته، وبالتالي تحريره من الارتباط والارتهان بالخارج، هذا إذا فرضنا سلامة الإدارة اللبنانية التي ستشرف على هذا الاستثمار، خصوصًا في ظل رضوخ الدولة اللبنانية للرعاية الأمريكية المنحازة كليا للمصلحة الصهيونية، وبالتالي ربما سيجلب هذا المسار مزيدًا من الاضطراب الداخلي اللبناني، يستفيد منه أولًا الكيان الصهيوني، ولا أحد غيره.
وختامًا، يبدو السؤال عن استراتيجية حزب الله وحلفائه من مناهضي الكيان المحتل منطقيًا في مواجهة هذا المسار الذي لتأبى الشبهة مغادرته، ولكن الواقع يتحدى هذه الأسئلة، لأننا بتنا نعرف تمامًا أن مكمن الخلل الرئيسي يكمن في النظام اللبناني الطائفي وتشكله السياسي، وطبيعة العناصر الداخلية المتناحرة التي تحكم سيرورة ومصير هذا النظام، ولا يمكن إنكار أن حزب الله وحلفائه جزء لا يتجزأ من هذه التركيبة، حتى لو كنا نفترض أن الحزب يشكل الجزء السليم من تفاحة آخذة في التعفن، وهو ما يمكن بحال من الأحوال قوله عن حلفاء هذا الحزب.

