Menu

راهنية فكر الشهيد المهدي بن بركة: هكذا يسبق الثوري زمانه

إبراهيم أحنصال وخالد بوزهر

تــقــديــــم:

تحل هذه الأيام من كل سنة ذكرى استشهاد المهدي بن بركة أحد قادة النضال التحرري الوطني والعروبي والأممي، الذي تعرض للاختطاف والاغتيال بفرنسا يوم 29 أكتوبر 1965، ذاك الاختطاف والاغتيال الذي نفذه نظام الحكم الكمبرادوري الجاثم على أنفاس المغاربة بتواطؤ وشراكة مكشوفين لدول امبريالية كأمريكا وفرنسا والكيان الصهيوني. وقد أبانت الأبعاد السياسية للجريمة كما ملابساتها أنها لم تكن استهدافا لشخص المهدي في حد ذاته فحسب، بقدر ما أنها استهداف لدوره وموقعه في منظمات أممية لدعم كفاح الشعوب التي ترزح تحت نير الاستعمار قديمه وجديده، ومثقفا عضويا مشتبكا منصهرا في بوثقة الكادحين. ويأتي هذا الاختطاف والاغتيال استكمالا لمسلسل الملاحقة والاضطهاد الذي تعرض له منذ أربعينيات القرن الماضي على يد سلطات الاحتلال الفرنسي، التي أخضعته مرارا للإقامة الجبرية ثم الاعتقال لعدة سنوات حتى قال عنه المقيم العام الفرنسي الجنرال جوان بـ: "أن أخطر عدو لفرنسا هو المهدي بن بركة"؛ وما تبع ذلك من محاولتين على الأقل لتصفيته جسديا على يد أجهزة نظام الحكم المغربي بعد الحصول على الاستقلال الشكلي.

والشهيد المهدي بن بركة شأن أي شخصية تاريخية رمزية، من الخطأ الفادح تقييم سيرته النضالية ومساره التطوري الفكري والسياسي وفق معطيات الحاضر ومعاييره، بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي لتلك المرحلة ومعرفة شروط وطبيعة التناقضات القائمة والصراع الدائر أنذاك وفرز الاتجاه التقدمي فيه، وهذا مشروط بالانطلاق من الحقائق الواقعية لا من الرغبات الذاتية التي تُسقط الماضي على الحاضر. فالرغبة الذاتية الضيقة الأفق للبعض المسكونة بالعجز عن إنجاز قراءة علمية وموضوعية لسيرة ومسار الشهيد، هو ما يدفعهم إلى الإغراق في الإنتقائية وبتر جزئيات عن الكل ليمارسوا هوايتهم في التشهير وإعادة اغتيال الشهيد، وهذا النهج لا يمكن أن يكون إلا قراءة تآمرية ارتدادية تخطتها حركة التاريخ ومن هنا رجعيتها.

وليس من الغريب في شيء أن تنصهر جميع الاتجاهات الرجعية في بوتقة العداء للشهيد المهدي بن بركة: بدءا من نظام الحكم الاستبدادي الجهة المنفذة للجريمة، مرورا بتوجهات الدين السياسي الظلامية التي نفت عن المهدي صفة الشهيد وأفتت بـ"جواز قتله مرة واثنتين وثلاثا"، وصولا إلى النزوعات الشوفينية المتمزغنة في "قراءتها" العرقية للتاريخ؛ فهل من المصادفة أن يلتحق بهذه الجوقة المعادية بعض المحسوبين على اليسار مرددين نفس الأسطوانة؟!

الأكيد أن المهدي الذي غُيب عن الحياة عن عمر لا يتعدى 45 عاما أخطأ –ضمن التركيبة السياسية القائمة آنذاك- في تدبير بعض التكتيكات وفي تقدير بعض المعطيات السياسية، وقد قام بشأنها بنقد ذاتي رصين، واستحضار تجربته –وبالتالي تجارب كل الشهداء- هو للاستفادة من انجازاتهم وإخفاقاتهم دون تقديس، وللتعبير عن الوفاء لنهجهم الثوري كرموز للتضحية والفداء.

الشهيد المهدي بن بركة.. الاختيار الثوري في المغرب :

يتمايز المهدي بن بركة عن غيره من قادة الحركة الوطنية المغربية بألمعيته في تفكير قضايا التحرر الوطني/ القومي، من خلال محاضرات وكتابات تتسم بالعمق النقدي وصياغة أجوبة علمية وعملية للقضايا المطروحة، وقد ساعده على ذلك ارتباطه الوثيق بالواقع المعيشي للكادحين في ضرورة تغييره لصالحهم، مسخرا اطلاعه على الثقافة الحديثة وتخرجه كأستاذ للعلوم الرياضية، وتمكنه من استيعاب الثقافة الوطنية الشعبية وعناصرها المتنوعة: عربية- أمازيغية، ساعده في ذلك تواجده بين الفلاحين منفيا في الفترة الاستعمارية ولاحقا كمؤطر سياسي في مرحلة الاستقلال الشكلي، ومن بين هذه الإبداعات الفكرية الثورية وثيقة الاختيار الثوري التي أنجزها في 1962 ونقرأ منها:

- "أرى أن من الواجب أن أبدي لرفاقي خلاصة نقد ذاتي للمراحل التي قطعتها حركتنا من قبل، مع بعض الخطوط الرئيسية لمهامنا في المستقبل. إن أية حركة سياسية تطمح إلى أن تكون حركة ثورية، لا يمكنها أن تعيش وتنمو، إذا هي لم تقم من حين لآخر بتحليل شامل وديناميكي للمجتمع الذي تعمل فيه، حتى تستطيع أن تقرر خطتها على أسس علمية، وأن تتنبأ إلى بعيد بأحداث المستقبل..." (الصفحة 5).

ينطلق من تحديد المعطيات التي يزخر بها الحاضر في كون: "الاستعمار الجديد عبارة عن سياسة تعمل من جهة على منح الاستقلال السياسي، وعند الاقتضاء إنشاء دول مصطنعة لا حظ لها في وجود ذاتي، (...) وليست هذه بالظاهرة الجديدة، لأن هذه السياسة تدخل في صلب مفهوم الاستعمار، (...) إنما الجديد بالنسبة إلى العلاقات القائمة بين الدول الاستعمارية الأوربية وبين إفريقيا هو العدول عن السيطرة والاستغلال المباشرين، وإعادة النظر في الاستعمار الاستيطاني نفسه. ولم يكن هذا الاتجاه الجديد مجرد اختيار في السياسة الخارجية للدول الأوربية، بل هو تعبير عن تطور عميق في أسس الرأسمالية الغربية ذاتها، (...) ونحن مقتنعون بأن ظاهرة الاستعمار الجديد هذه ليست سوى محاولة لتوقيف المد الثوري ولو إلى حين، وهي لذلك لن تفت من عضد القوى الثورية، ولن تمنعنا من أن نواصل مع سائر القوى التقدمية مهمتنا التاريخية لتصفية الاستعمار والقضاء على الامبريالية" (ص، 20-21).

وما دامت قضية تصفية الاستعمار والقضاء على الامبريالية من الأولويات المطروحة على جدول أعمال النضال، فمن الضروري تحديد القوة الطبقية المؤهلة لتحقيق هذه المهام، إذ "من الخطأ أن ننتظر من هذه الطبقة [=الطبقة البرجوازية] أن تكون وفية، ولو حتى لمطلبها الطبيعي في تحقيق الديمقراطية، فأحرى أن تتولى مهمة تحقيق التحرر الاقتصادي. ومن هنا يتجلى الدور الجسيم الذي ينتظر الطبقة العاملة لتحمل مسؤولية المعركة الاقتصادية. وإن هذه المعركة الاقتصادية لا بد لها أن تتخذ بطبيعة الحال صبغة سياسية حتمية، ما دام الحكم القائم هو الوصي على البرجوازية الكبرى، والوكيل المتصرف لخدمة مصالح الاستعمار الجديد، ولرعاية التحالف بين الرأسمالية الدولية والبرجوازية المستغلة. وقد أدركنا هذه الحقيقة بالتجربة المباشرة طيلة سنوات مشاركتنا في الحكومة" (ص، 38).

ارتباط نظام الحكم وبالتالي الطبقة البرجوازية المسيطرة بالتبعية في خدمة الرأسمالية الدولية، هو الدرس المستخلص من تجربة السنوات القليلة للاستقلال الشكلي، والحالة هذه يتحتم تعدد وسائل النضال، حيث "المشكلة التي برزت من خلال هذه المرحلة من نضالنا الوطني، فهي قضية العنف كأسلوب سياسي، ذلك أن النضال الثوري ضد أي نظام اقتصادي واجتماعي، لا بد أن يكون مزيجا من الوسائل السياسية والعسكرية،" (ص، 47). ولأن العلاقة مع النظام الوكيل الحصري للاستعمار هي تناحرية وليست محصورة بإصلاحات أو أسلوب سياسي دون غيره، "... فإننا لا نختلف مع النظام في المشكلة الدستورية وحدها، لأن الدستور إنما هو إطار للعمل، ووسيلة إضافية للمزيد من تنظيم الجماهير وتعبئتها ضد الاستعمار الجديد، وإن الذي يحدد موقفنا من النظام أكثر من أي شيء آخر هو موقفنا العدائي من الاستعمار" (ص،60).

هكذا يكون الصراع يخاض في وحدته وشموليته كصراع للتحرر الوطني والقومي وصراع للتحرر الاجتماعي: "يجب أن يصبح واضحا عند الجميع، أننا لا نستطيع أن نتحرر تحررا كاملا عن طريق إصلاحات جزئية وفي نطاق النظام الرأسمالي، وأننا لن نكون في مستوى مهامنا التاريخية إلا بانتهاج سياسة مقاومة للاستعمار تكون شاملة لمجالات العمل في الداخل والخارج. ولا ينبغي أن نضع كل هذه المهام في مستوى واحد، بل التي يجب أن تحتل المقام الأول بدون منازع هي مهمة تحقيق الاصلاح الزراعي في الداخل، وفي الميدان الخارجي مهمة بناء مغرب عربي كوسيلة لمقاومة نفوذ الاستعمار الجديد. وهاتان المهمتان لا بد من وجودهما ضمن أي حد أدنى من برامجنا المرحلية." (ص، 72).

والأفق الذي يتم استشرافه كصيرورة لا يمكن أن يكون إلا اشتراكيا: "وأعني بالأفق الثوري النتيجة التي نستخلصها في المدى البعيد من إنجاز مهامنا في الميدان الديمقراطي لمحاربة الاقطاع، وفي مهام نضالنا ضد الاستعمار. وفي إمكاننا التعبير عن هذا الأفق الثوري بالاتجاه الاشتراكي، لولا خوفنا من الوقوع في المغالطات التي سنتحدث عنها فيما بعد، ومعنى ذلك من الوجهة الفنية أن كل محاولة لتحقيق التنمية في البلاد، في إطار الاقتصاد الليبرالي -كالتي يقوم بها النظام حاليا دون الافصاح عنها- مآلها الفشل لا محالة. وقد أثبتت التجارب العديدة أن البرجوازية الوطنية لا تعرف سبيلا غير السعي إلى الاستفادة من تنمية غير متوازنة تحت قيادة الاستعمار.

إن التنمية الصحيحة لا تتم إلا عن طريق تعبئة كاملة لسائر الموارد الوطنية وبتوظيف العمل، وليست هذه قضية فنية بحتة، بل إنها قبل كل شيء قضية سياسية، لا لأن التوزيع يجب أن يكون عادلا فحسب، ولكن لأن التنمية يجب أن تكون مسبوقة بتحضير إيديولوجي، يتضح معه الهدف كضرورة ملحة لمصلحة الشعب، وإلا كان استعمال كلمة الاشتراكية من قبيل الاستغلال الديماغوجي المنتشر اليوم في كثير من أنحاء العالم..." (ص،73).

وبما أن تلك المرحلة كانت تعج بـ"الاشتراكيات" المزيفة وجب تحديد المفهوم بدقة وتمييزه عن أساليب الابتذال والتشويه والتحريف الذي تعرض له: "تحديد الهدف فليس هو مجرد رفع يافطة بدون مدلول، فإن كل أسلوب البناء يرمي إلى البحث عن أحسن السبل لإقامة مجتمع متوازن متحرر من الاستغلال، ومتوفر على إنتاجية ممتازة، فإن هذا الأسلوب يمكن التعبير عنه بأنه سياسة اشتراكية بمعناها العلمي، إلا أن المشكلة هنا ليس هي الطموح إلى الاشتراكية بصفة تجريدية، بل إنها الشروع في إقامة الأسس الفعلية للاشتراكية بمفاهيمها الاقتصادية والاجتماعية.

وإن دور حزب ثوري في الساعة الراهنة ليس هو رفع يافطة الاشتراكية، وإنما هو أن يثبت الخصائص التي تتميز بها أهدافها التقدمية الأصيلة عن الاشتراكيات المزيفة التي يملأ طنينها أرجاء القارة الإفريقية. فمن الضروري إذن أن نقاوم بشدة الانحرافات والتضليلات التي تتستر تحت اسم الاشتراكية، وهي في الواقع ليست سوى أنظمة شبه فاشستية أو إقطاعية أو عميلة للاستعمار.

إن مضمون الاشتراكية العلمية عندنا يقتضي:

- حلا صحيحا لمشكلة الحكم، بإقامة مؤسسات سياسية، تمكن الجماهير الشعبية من رقابة ديمقراطية على أجهزة الدولة، وعلى توزيع ثرواتها وإنتاجها القومي.

- أسسا اقتصادية لا تترك أي مظهر من مظاهر سيطرة الاستعمار ولا لسيطرة حليفيه الإقطاع والبرجوازية الكبرى الطفيلية.

- تنظيما سياسيا واجتماعيا للسهر على تأطير الجماهير الشعبية وتربيتها، من أجل التعبئة الشاملة لسائر الموارد القومية الضرورية لتراكم وسائل الاستثمار. (... ... ... ...) ص،75-76

أثـر القضيـة الفلسطينيـة فـي فكـر الشهيـد المهـدي بـن بركـة :

في 30 مارس إلى 6 أبريل 1965 انعقدت ندوة فلسطين العالمية المنظمة بالقاهرة، وقد كان للقائد الوطني والعروبي والأممي الشهيد المهدي بن بركة مساهمة متألقة من خلال محاضرة له بعنوان: "إسرائيل في إفريقيا"، استهلها بالحديث عن المجازر التي ارتكبها النظام المغربي لقمع الانتفاضة الشعبية في 23 مارس 1965 يقول: "رغم الظروف التي يعيشها شعبنا في المغرب، حيث تعلمون بالمذابح الوحشية التي تعرض لها طلابنا وجماهيرنا الشعبية (...)، كل ذلك لم يمنعنا من حضور هذه الندوة لنعبر لإخواننا عن تضامننا غير المشروط، التام واللانهائي في المعركة لتحرير فلسطين.

وإن الموضوع الذي شرفني الإخوان بأن طلبوا مني تقديمه في هذه الندوة هو دور إسرائيل في إفريقيا، أو يمكن أن نسميه بالواقع الإسرائيلي في القارة الإفريقية، فمن واجبنا أن نعرف هذا الواقع كما أنه من واجبنا أن نعلن رفضنا لهذا الواقع ككل واقع استعماري، لأننا نرفضه كعرب ونرفضه كمناضلين ثوريين، نرفضه كعرب لأن دور إسرائيل في إفريقيا جزء من الخطة الاستعمارية ضد الحركة التحريرية العالمية". ثم أخذ يستعرض تصريحات قادة للصهاينة كبن جوريون وأشكول وجولدا مايير عن الخطورة الاستراتيجية لتغلغل كيانهم في القارة الإفريقية، فيعلق الشهيد: "من الواجب علينا في هذه الندوة أن نواجه هذا الموضوع مواجهة علمية وموضوعية فنعرف كيف استطاعت إسرائيل أن تلعب دورا في إفريقيا، وكيف نستطيع نحن أن نمنع إسرائيل أن تكون أداة الاستعمار في إفريقيا ضد مطامح الشعب العربي وضد مطامح الشعوب الإفريقية نفسها. إن هذه الأداة قد أعدت لتقوم بهذه المهمة، فالاستعمار يصوغ أداته لتقوم بعملها ضد مطامح الشعوب سواء أكانت هذه الأداة حُكما عميلا أو منظمة مصطنعة أو حكما دخيلا مثل إسرائيل".

وبعد أن يتوقف المهدي عند الزعماء والرؤساء التقدميين الأفارقة الذين انخدعوا بالخطاب التضليلي للكيان العنصري فربطوا معه علاقات سياسية أو اقتصادية، شارحا الأسباب: "وهنا يجب أن أقف وقفة قصيرة لألفت نظركم إلى أن الاستعمار قد غير خططه أمام الدفع الثوري الآسيوي والافريقي والأمريكي-اللاتيني، وعندما وجد نفسه مضطرا للاعتراف بالاستقلال مثلا، وللتنازل أمام هذه الإرادة الثورية بقي حريصا على أن يحتفظ بمصالحه الأساسية الاقتصادية والاستراتيجية مما يسمى بأساليب الاستعمار الجديد، وهو تارة يكون عن طريق الحكومات العميلة وتارة عن طريق الاتفاقية للتعاون المزعوم، وأخرى عن طريق التآمر إذا اقتضى الحال.

وكثيرا ما يتساءل الناس وبالأخص في الرأي العام الدولي، لماذا تتهمون إسرائيل بأنها أداة للاستعمار؟ إنها تقدم خدمات لهذه الدولة الافريقية، إنها تريد أن تتاجر معها وهي الدولة التي ليست لها مطامع توسعية كما قالت جولدا مايير آنفا. والحقيقة أن اكتشاف الدور العميل للاستعمار بالنسبة لإسرائيل في إفريقيا أمر صعب دقيق، ولا أدل عليه من تردد الثوريين الأفارقة في اتخاذ موقف صريح قبل السنة الماضية، ولكن لدينا وثائق ولدينا قرائن تثبت هذه الصلة بين دور إسرائيل وبين الخطة الاستعمارية الدولية". ثم أخذ يستعرض جملة من الوثائق والقرائن على هذه الصلة ليخلص إلى أن: "هذه الأداة التي هي إسرائيل، هي في خدمة أغراض استعمارية محلية بالنسبة للثورة العربية، ولأغراض دولية بالنسبة للاستعمار عامة، وهي تشارك مع هذا الاستعمار في عمليات النهب الاستعماري لثروات إفريقيا إذا نظرنا إلى شكل التجارة التي بينها وبين هذه البلاد".

مع العلم أن هذا الكيان المصطنع يتفنن في تسويق نفسه بإفريقيا عبر عدة أساليب ومغريات، تارة عبر أخصائيين "درسوا المشاكل الفلاحية التي تناسب المجتمع الإفريقي"، وعبر "أنواع الري التي تحتاج إليها البلاد الإفريقية"، وتارة أخرى عبر بعثات لـ"التكوين والتدريب في قلب إسرائيل" أو الشركات التي تتعاقد معها أو القروض ...؛ غير أن الجانب الخفي هو الطابع الاستعماري لهذه "المساعدات" وهو ما تؤكده إحصائيات مدججة بأرقام مرعبة عن حجم الاختراق للقارة الإفريقية، غير أن الوقوف عند التركيبة الديمغرافية لهذا الكيان الاستيطاني وتحليل بنيته الاقتصادية وشكل توزيع العمل... كل ذلك يكشف زيف هذا الاقتصاد الطفيلي في مجتمع غير طبيعي واستعماري. "إنه اقتصاد غير متوازن، إنه اقتصاد طفيلي معتمد على الخارج، إنه اقتصاد كما سماه أحد علماء الاقتصاد "اقتصاد منقول" مثل الاقتصاد الفرنسي الذي كان منقولا إلى الجزائر، إنه كان اقتصادا ناميا، ولكن هل كان اقتصادا ثريا؟ أبدا ."

بعد التحليل الاقتصادي الذي أسهب فيه الشهيد المهدي تناول الدور الاستعماري للكيان الصهيوني، والذي يبدأ بـ"تقديم نموذج خاطئ للتنمية لدولة حديثة عهد بالاستقلال في خدمة الاستعمار، لأن هذا العامل تضليل وتعطيل بالنسبة لهذه الدول، إضافة إلى "روابط إسرائيل بالدولة الأكثر إمعانا في الاستعمار في إفريقيا، وهي إفريقيا الجنوبية"، وحيث لها "اتصال وثيق بالحكومة الفاشية في جنوب إفريقيا". كما أن "الجيش الذي يحارب به الاستعمار في الكونغو جيش موبوتو درب قسم المظلات منه في إسرائيل، ويوجد الآن في الكونغو خبراء إسرائيليون مع الجيش الاستعماري...".

ثم تناولت المحاضرة بعض القمم الإفريقية والعربية والقرارات الصادرة عنها، كما هو حال مؤتمر الدار البيضاء الذي لم يكن له أي مفعول، و"لم يكن له أثر فعلي، ذلك لأن ظروف مؤتمر الدار البيضاء في الحقيقة كانت ظروفا مزيفة، بعض الدول اجتمعت للدفاع عن نفسها، وبعض الدول لتستر خيانتها (...) والحقيقة أنه كانت مناسبة أخرى لتضليل الشعوب عن طريق بعض المؤتمرات التي يلعب فيها الاستعمار الجديد دوره".

وفي الختام يطرح الشهيد المهدي البدائل لهزم الكيان الغاصب والانتصار للقضية الفلسطينية، بأن "المعركة العربية هي معركة ثورية للتحرر والبناء، وهي معركة تحمل لواء التقدم الإنساني والاشتراكية والحرية .وإن تلك القواعد المادية للثورة العربية في المشرق والمغرب هي التي ستمكننا وتمكن قضية فلسطين من أن تخرج من إطارها العاطفي إلى إطارها العلمي، حتى يتحقق التحرير الفعلي لفلسطين. إن قضية فلسطين اليوم دخلت في إطار قضايا حركة التحرير العالمية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهي لم تعد قضية عرب ويهود، بل حركة عربية ثورية ضد قوى الاستعمار بلا تعصب عنصري، فلذلك وبسبب هذا المفهوم الإنساني والعلمي لقضية فلسطين يمكننا أن نعتمد على القوى التقدمية الثورية في إفريقيا لتدرك حقيقة هذه القضية، ولتقف إلى جانب العرب في نضالهم العادل".

الشهيد المهدي بن بركـة.. المبـدع :

يشكل مشروع طريق الوحدة الذي انطلق في يوليوز 1957 إحدى أهم الإبداعات الألمعية للشهيد المهدي بن بركة، الذي استلهم فيه أسلوب التعبئة العامة في الصين الشعبية بعد زيارة عمل قام بها إلى هناك، حيث تتكاثف وتتمفصل عدة أبعاد: سياسية، تعبوية، تربوية، تنظيمية...؛ فكان بحق مدرسة لأحد عشر ألف من الشباب شاركوا في هذا المشروع من أصل خمسين ألف تقدموا بطلباتهم. وإذا كان الدافع الأساسي في اجتراح هذا المشروع هو الربط الجغرافي والسياسي بين الشمال الذي كان محتلا من إسبانيا والجنوب الذي كان محتلا من فرنسا، وبالتالي إزالة وشطب حواجز/ مخلفات الاستعمارين في إطار وحدة الأرض وتكامل الشعب المغربيين؛ فإن المشاركين في هذا الورش الكبيرة، لم يكن عملهم محصورا في العمل اليدوي فقط، بل امتد ليشمل بعد استراحة الظهر، تلقي دروس نظرية وورشات ثقافية وتربوية والأكثر من ذلك تداريب عسكرية. كل ذلك تحت شعار هادف ورمزي: "نـحـن نـبـنـي الـطـريـق.. والـطـريـق تـبـنـيـنـا".

وانسجاما مع ذات الرؤية ونفس التطلعات التقدمية، قام المهدي بتأسيس أول دار لحضانة الأطفال في المغرب بعد الاستقلال الشكلي بمدينة الدار البيضاء، وفق برنامج لتعميم دور الحضانة في أرجاء الوطن، مدفوعا بالرغبة لتشجيع وتسهيل خروج المرأة إلى مجال العمل والإنتاج ومشاركتها في محاربة الأمية وتخفيف الأعباء عنها والتقاليد البالية التي تقيدها في البيت.

علـى سبيـل الختـم :

إن النضال الفكري والسياسي للشهيد المهدي بن بركة المترع بالراهنية لهو من الثراء والزخم الذي يجعله مفتوحا لقراءات متجددة، وعبثا يحاول القتلة تغييبه رمزيا بعد أن غيبوا جسده، فيا له من عبقري مبدع ألهم الشعب في حياته ويلهم المناضلين الأوفياء لنهج الثورة حتى بعد استشهاده، ويقض مضاجع الخونة والعملاء السفلة والقتلة، ذلك هو الخالد المهدي بن بركة.