منذ أن بدأت حفلة التطبيع بين الإمارات و البحرين ودولة الاحتلال، تحركت المياه الراكدة في بركة المصالحة الوطنية الفلسطينية، بعد الضوء الأخضر من رئيس السلطة الفلسطينية، تداعت الفصائل الفلسطينية إلى عقد سلسلة اجتماعات بدأت في رام الله وبيروت، واستكملت في لقاءات ثنائية بين حركتي فتح وحماس في القنصلية الفلسطينية في اسطنبول، أثمرت عن إعلان مبادئ عامة تتعلق في كافة القضايا الإشكالية بين الطرفين، والتي مر عليها ثلاثة عشر عامًا، ومن الواضح أن كلا الحركتين في اندفاعاتهما نحو تتويج اتفاق واضح المعالم بينهما، ينم عن محاولتهما الخروج من المآزق التي يعيشها كلا الطرفين، والوصول إلى قناعة مفادها أن الحل الوحيد للخروج من تلك المآزق هو الاتفاق بينهما على إدارة الشأن الفلسطيني؛ من منطلق الوحدة الوطنية الفلسطينية، باعتبارها صمام الأمان للحفاظ على القضية الفلسطينية؛ من التصفية والضياع في ظل مثلث الشر الذي اكتملت حلقاته بوضوح بين كيان الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية ودول (الكاز) الخليجية.
وربما هذا القلق الواضح كان الدافع الأساس والمحفز المركزي لمحاولة لم الشمل بعد سنوات الضياع التي عاشتها القضية الفلسطينية، لكن ثمة أسئلة لابد من طرحها في فهم عملية المصالحة المتجددة، والتي تتنقل من عاصمة إلى أخرى على أمل أن تأخذ مداها الحقيقي على أرض الواقع، وهذه الأسئلة مرتبطة حقيقة بطبيعة التفاهمات التي تم التوصل إليها بين فتح وحماس، فكل التسريبات التي ظهرت سواء كانت تصريحات معلنة أو معلومات سربت لوسائل الإعلام كلها تشير إلى أن المسالة تتعلق بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني كمدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني الذي بدوره سيقوم بإدارة الصراع مع الاحتلال وفق الصورة الجديدة.
لكن السؤال الأساسي هنا والذي يطرحه الكل الفلسطيني، هل إجراء الانتخابات سيقود بشكل دراماتيكي إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟ولهذا السؤال مشروعية كبرى، فالجميع يعرف أن كلا الحركتين فتح وحماس يتكآن على تصورات وأيديولوجيات وتحالفات مختلفة: الأولى ترى بفن التفاوض مع الاحتلال باعتباره رسالة مقدسة ولا خيار قبله وبعده، والثانية ترى وفق منطوقها السياسي أن المقاومة هي الطريق الوحيد للتحرر من الاحتلال، وبالمناسبة بقي الطرفان طوال سنوات المحنة والانقسام يصران على منطوقهما السياسي على الرغم من أن كلاهما وقعا أسرى خطاب انفصل عن الواقع تمامًا ولم يعد له معنى، فالتفاوض مع الاحتلال انتهى بعد أنهى نتنياهو الكلام بسلسلة من الإجراءات العملية التي أسهمت بدورها إلى رفضه لكل الرؤية الفلسطينية للتفاوض، حيث أغلق كل الملفات وأصبحت لاءاته معلنة وواضحة، في حين صاحب المنطوق المقاوم ولظروف ذاتية وموضوعية أصبح أسير معادلة إقليمية تقوم على الطعام مقابل الصمت.
ومابين تلك الرؤيتين المأزومتين والحالة الرثة للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، تطرح الانتخابات المعلبة برضا الطرفين كمدخل أساسي لطي صفحة الانقسام،والعودة من جديد إلى مربع الوحدة الوطنية الفلسطينية، فهل الانتخابات إن حدثت هل فعلًا ستقود إلى هذا الأمر، وماهو مصير تلك الرؤيتين المتعارضتين؟ كيف يمكن لفتح وحماس تجاوزهما أم إنهما سيتوحدان ضمن رؤية واحدة وماهي؟
وفي كل الأحوال لو تجاوزنا هذا النقطة الأساسية، كيف يمكن للحالة الفلسطينية أن تتعاطى مع محور الشر الثلاثي، والذي كما أشرنا اكتملت حلقاته وطوقتنا؟ ماهي الأدوات التي يمكننا استخدامها، وحتى هذه اللحظة لم يفصح إخوتنا في حماس وفتح عن تصورهما لهذا الأمر؟
من الواضح أن الخطب جلل وأن كل القوى الفلسطينية الكبيرة والصغيرة، الفصائلية والمجتمعية، تدرك أن فلسطين القضية أمام امتحان صعب وغير مسبوق ولا يقل شأنًا عن مأساة النكبة الفلسطينية، لهذا لمسنا الجدية في حوارات المصالحة هذه المرة،لأنها لو لم تحدث فإن موت تلك القوى محتم بفعل ضراوة الهجوم ومن كل الاتجاهات، فالمحيط الإقليمي وبالتحديد العربي يفر من تاريخه ومن فاعليته وحضوره الحقيقي إلى حضن الاحتلال، وبثمن بخس يرتبط بتثبيت شرعيات حكم ترى في عدوها الصديق الحميم وترى الفلسطيني المنفر والعدو، فكيف يمكن للمصالحة الفلسطينية أن تفرمل هذا الالتحاق المر بركب العدو؟ وهل هي قادرة على فعل ذلك الأمر؟
مع الأخذ بعين الاعتبار أن سنوات الانقسام الطويلة قد أرخت ظلالها على الجسد الفلسطيني المنهك والمتعب والمتخندق الآن في مناطقية هشة، فقدت فيها توازنها السياسي والاقتصادي والمجتمعي وحتى النفسي، فهل قوى الانقسام قادرة على أن تعيد الأمر إلى لحظة ما قبل الانقسام؟ أم أن تلك المصالحة ستأخذ بعدًا شكليًا وظرفيًا، على أمل الخروج من المأزق بفعل تغيرات إقليمية ودولية في المدى المنظور؟ وهنا الخطورة في هذه المسألة، فالوضع الفلسطيني لم يعد يسمح في هكذا مغامرات غير محسوبة النتائج. ومابين الوعود وتحققها ينتظر المواطن الفلسطيني من تلك القوى أحداث التغير بفعل إرادة فلسطينية حقيقية،تغير ملموس ومجرب ويمكن الاستناد إليه في أي لحظة، لكن السؤال الآخر الذي يطرح نفسه، هل تلك القوى التي صنعت الانقسام وغذته طوال سنوات قادرة على تجاوز عناوين الانقسام لصالح عناوين جديدة مرتبطة بالكل الفلسطيني والبعيدة كل البعد عن المصالح الفئوية الضيقة والتي رسمت الحياة الفلسطينية طوال العقود الماضية؟
هي بوابة أملأونافذة صغيرة ربما ترفد الوجدان الفلسطيني وتدعم الإرادة، لكنها وحدها لا تكفي دون إجراء محاسبات ومراجعات داخلية تفضي إلى قراءة فعلية، يترجم فيها أينأخطاناوأينأصبنا ودون ذلك الويل.

