اتفاق التطبيع الإماراتي البحرين ي مع دولة الاحتلال ليس مفاجئاً، وليس قفزة في الهواء، وليس منفصلاً عن السياق التاريخي لعلاقات سرية تتقاطع فيها المصالح بين أنظمة حكم عائلية قبلية همها البقاء والسيطرة والثراء، وبين دولة وظيفية "إسرائيل" إحد أدوات الإمبريالية الاستعمارية؛ فاتفاقيات التطبيع هي العلاقة المنطقية بين هذه المكونات السياسية التي ترى أحدهما مصلحتها مع الأخرى، فهناك تماهي كبير وواضح ومنطقي أيضاً بين حكام مملكات وإمارات ليست مرتبطة بأي إرث تاريخي قومي وديني في أبعاده الثقافية والإنسانية مع الشعوب العربية، وبين دولة وظيفية صنعها الاستعمار الإمبريالي لتكون قاعدة عسكرية أمنية لحماية مصالحه ومصالح حلفائه؛ من حكام الإمارات والممالك بذرائع الحق الديني والتاريخي لليهود في فلسطين.
الاتفاقيات كما لها بعدها التاريخي والمصالح المشتركة، فإن الإعلان عنها وإشهارها في هذا التوقيت ليس منفصلاً عن خدمة مصالح مكونات الاستعمار وحلفائه وأدواته.
أولاً: أسباب الإعلان عن اتفاقيات التطبيع
- العلاقات بين الدول التي أعلنت عن توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل "الإمارات والبحرين" وغيرها من الدول العربية التي لم توقع بعد على اتفاقيات تطبيع علنية، ترتبط بعلاقات كانت محاطة بالسرية مع إسرائيل؛ فالعلاقات ليست جديدة، فقط انتقلت من حالة السرية إلى العلن في ظروف سياسية تسمح بالإعلان عنها لتحقيق أهداف تتقاطع مع الظروف الإقليمية والدولية المناسبة، وكذلك لتحقيق مكاسب شخصية لترامب الذي يخوض حملة انتخابية صعبة في مواجهة المرشح بايدن الذي يتصف بأنه خصم عنيد يتفوق على ترامب في استطلاعات الرأي، وكذلك مكاسب لنتنياهو الذي يخوض معركة البقاء في مواجهة أقوى وأطول حراك شعبي في إسرائيل، يطالبه بالاستقالة على خلفية ملفات الفساد وفشله في إدارة معركة الكورونا.
- الإعلان عن اتفاقيات التطبيع في هذا التوقيت، يأتي في إطار استكمال تنفيذ ما تبقى من بنود خطة ترامب الأمريكية لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التي أخذت مصالح إسرائيل الاستراتيجية كمحور أساسي عند إعدادها، فلقد تم إعدادها وفق رؤية ترامب وفريقه اليهودي الصهيوني الذين تتقاطع رؤيتهم مع خلفيتهم الأيدلوجية الدينية التي أساسها أرض إسرائيل؛ أرض الآباء والأجداد؛ أرض الميعاد و القدس عاصمة أبدية للشعب اليهودي، المقاربة أو الخطة تحتاج لتنفيذها سياسة تحطيم الأواني في العلاقات بين إدارة ترامب ودول الممالك والإمارات، فلم يراعِ ترامب في علاقاته معهم أي حساسية أو أصول التعامل بين رؤساء الدول، فلقد تعامل معهم بكثير من الوقاحة والدونية، حيث وجه لملوكهم وأمرائهم السباب والشتائم على شاشات التلفزة بالبث المباشر، وهذا يؤشر علي قدرة ترامب وإدارته في تطويع هذه الدول، وتنفيذ ما يطلب منها في أي توقيت سياسي عام أو شخصي يراه مناسب.
- ترامب وفريقه اليهودي الصهيوني وانطلاقًا من قناعاتهم الأيدلوجية، وفي إطار خدمة المشروع اليهودي الصهيوني؛ عملوا بالتشاور المستمر والعميق مع نتنياهو وحكومته اليمينية على إعداد وتصميم خارطة سياسية وأمنية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط؛ شرق أوسط جديد تتربع فيه إسرائيل على كرسي الزعامة، وتكون فيه محور العمليات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتتحول فيه إسرائيل إلى دولة طبيعية وشرعية، والعلاقات معها ليست من المحرمات، بل حاجة وضرورة لاستقرار هذه الدول وحكومتها وحماية مصالحها، هذا التموضع الإسرائيلي في المنطقة، وإن كان له أسبابه السياسية والأمنية لضمان استقرارها والاعتراف بها وبشرعية وجودها، فإن العامل الأهم المصاحب لهذا الانجاز وهو الجانب الخفي وغير المعلن يتمثل من وجهة نظر الصهاينة المتدينين ومعهم فريق ترامب اليهودي الصهيوني؛ انتصار الرواية التوراتية الصهيونية وتكذيب الرواية الفلسطينية العربية الإسلامية، وأن وجود إسرائيل كما هو ضروري لأهميتها السياسية والأمنية والاقتصادية فهي أيضاً دولة طبيعية، وليست نبته شيطانية غريبة في قلب المنطقة.
- الإعلان عن اتفاقيات التطبيع يعني وبوضوح أن الصراع في المنطقة وعدم الاستقرار لم يعد مرتبطاً بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل بصراعات أخرى متمثلة في إيران، ومحور ما يطلق عليه محور المقاومة، فلقد أوهم نتنياهو وإدارة ترامب بأن العدو الذي يهدد هذه الدول ومصالحها واستقرارها؛ إيران الشيعية الفارسية، وليست إسرائيل التي تتشارك معهم كأحدي ضحايا الأطماع والتهديدات الإيرانية، هذا التشارك في معاداة إيران وحلفائها بات القاعدة والأساس الذي يجب أن تقوم عليه العلاقات بين هذه الدول وإسرائيل، خلق هذا العدو الوهمي والنجاح في بيع هذه الرواية الأمريكية الإسرائيلية لبلدان التطبيع هدفه الأساسي ليس فقط بناء علاقات دبلوماسية طبيعية متبادلة، بل يأخذ في طريقه إزاحة ملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي عن أجندة هذه الدول والتركيز علي العدو الوهمي؛ إيران ومحورها، وهذا بالتأكيد يتطلب دعماً واسناداً من هذه الدول للرؤية الأمريكية الإسرائيلية المسماة صفقة القرن لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بكل بنودها؛ من الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل الموحدة ونقل السفارة، مروراً بدفن المبادرة العربية وكل قرارات الشرعية الدولية، هذه الرؤية كي تتحقق بات من الضروري إخراج اتفاقيات التطبيع للعلن والتوضيح، بأن خارطة المنطقة وقواعد تحالفاتها، قد تتغير وباتت الحلقة المركزية الآن إلى جانب تعزيز العلاقات بين إسرائيل ودول التطبيع؛ مواجهة إيران، من خلال إقامة حلف عسكري أمني اقتصادي يواجه محور الممانعة، وأي حالة ثورية وطنية أو قومية.
- الإعلان عن التطبيع ليس فقط خطيراً في كونه أثر سلبياً علي العمق العربي للقضية الفلسطينية وأسقط أحد أدوات الصراع، فلقد تجاوز ذلك، حيث ذهبت الدول المطبعة أبعد من ذلك؛ من خلال حملة كي الوعي للشعب الفلسطيني والعربي بتصديق الرواية اليهودية الصهيونية في صراعها مع الشعب الفلسطيني، وتحميل الشعب الفلسطيني وقيادته المسؤولية عن عدم إنهاء الصراع.
ثانياً: مخاطر التطبيع على الموقف الفلسطيني
- لا شك أن العمق العربي لعب دوراً ولو في الحد الأدنى من بعض الدول العربية في إسناد الموقف الفلسطيني في معاركه الدبلوماسية والاقتصادية في مواجهة الاحتلال على مدار سنوات الصراع؛ سواء تمثل في تبني الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية أو المحافل الإقليمية وغيرها، مروراً بحالة الإجماع التي شكلت سنداً وظهيراً لتقوية الموقف الفلسطيني في معركته مع الاحتلال، وكذلك الدعم المالي من بعض الدول العربية للشعب الفلسطيني لاستخدامه كوسيلة لدعم صموده، هذا الموقف العربي من بعض الدول كما أسلفنا قابله دعماً في ظاهره مؤيداً للشعب الفلسطيني في معركته مع الاحتلال، وفي جوهره كان يستهدف إجهاض أي عمل فلسطيني عميق، يستهدف مواجهة الاحتلال؛ فالمواقف المعلنة من بعض هذه الدول كانت مواقف استخداميه ارضاءً للرأي العام الشعبي المعادي لإسرائيل، حتى أن الدعم المالي من هذه الدول؛ دول البترول لعب دوراً تخريبياً في كثير من الأحيان، عندما تم توجيهه إلى جهات وأشخاص وقيادات اغتنت وتربحت منه، مما ساهم في خلق شريحه قيادية فاسدة؛ عبثت بالقضية الفلسطينية ومقدراتها ورهنتها لمصالحها الخاصة.
- رغم تواضع الدعم العربي عند البعض والتآمر عند البعض الآخر؛ إلا أن إعلان التطبيع بهذه الطريقة، وهذا الأسلوب الوقح بالتأكيد له ارتدادات زلزاليه علي وعي وثقافة الشعوب العربية والشىعب الفلسطيني، فلقد قلبت هذه الاتفاقيات الموازين والحقائق، وتهدف كما أسلفنا كي وعي الشعوب العربية والشعب الفلسطيني لتغيير نظرته إلى المنطقة بطريقة، تتجاوز بديهيات الصراع الحقيقي المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي واستبدال هذه الحقيقة، بأن إسرائيل ليست دولة معادية، وأن وجودها طبيعي وشرعي، وأن "الخلافات" الفلسطينية الإسرائيلية، يمكن حلها بالتفاهم وتقديم بعض التنازلات، فالهدف ليس فقط عزل الشعب الفلسطيني عن عمقه العربي، بل عزل الرواية التاريخية لأسباب الصراع في المنطقة.
- الموقف الفلسطيني قبل إعلان التطبيع وبعده يعاني من مشاكل جوهرية بدءاً من الانقسام مروراً بالتنسيق الأمني والعلاقات الاقتصادية مع دولة الاحتلال والاستمرار بالرهان على سراب المفاوضات، وحصار غزه وإغراقها في مشاكلها الحياتية؛ الكهرباء، البطالة، الفقر، الجوع، في محاولة لانتزاع غزه عن عمقها الفلسطيني وعزلها عن الانخراط في الصراع الفلسطيني.
- حالة الضعف في النظام السياسي الفلسطيني؛ أحد أهم أسباب إعلان الإمارات والبحرين عن توقيع اتفاقيات التطبيع، فلم تعد هذه الأنظمة تحسب أي حساب لاي رد فعل فلسطيني، فمن وجهة نظر هذه الأنظمة أن الفلسطينيين ضعفاء وغير قادرين ولا يمتلكوا؛ إلا الاحتجاج الصوتي بإطلاق التصريحات والشجب والاستنكار.
ثالثاً: الموقف الإسرائيلي من التطبيع وأثر ذلك على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
- رغم أن اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين ودول أخرى عل الطريق، يعتبر نجاحاً واضحاً لإسرائيل، ولرئيس الحكومة نتنياهو، في كثير من الجوانب التي نرصد منها:
١ - اختراق واضح لما كان يعتقد أنه من المحرمات في العلاقات الإسرائيلية العربية.
٢ - استغلال إسرائيل لكل المتغيرات في المنطقة لتحقيق مصالحها.
٣ - تحييد أنظمة عربية وازنه اقتصادياً؛ الإمارت والبحرين عن الصراع.
٤ - كي وعي لقطاعات واسعه من الجمهور العربي، بأن إسرائيل ليست دولة عدوة للشعوب العربية، وتحويل ثقافة هذه القطاعات لاستيعاب وتفهم وجود إسرائيل كدولة طبيعية في المنطقة.
٥ - اتفاقيات من شأنها أن تساهم في تعزيز وتقوية الاقتصاد الإسرائيلي القوي على حساب اقتصاديات عربية أضعف؛ تمتلك ثروات هائلة، وستكون هذه الدول واقتصادياتها تابعة وملحقه للاقتصاد الإسرائيلي.
٦ - تعميق التنسيق الأمني وتبادل للمعلومات الأمنية في مواجهة أعداء إسرائيل، وتحديداً محور المقاومة؛ تنسيق من الممكن أن يشكل خطراً حقيقياً على إيران وحلفائها في المنطقة.
٧ - استثمار هذه العلاقات لإضعاف الموقف الفلسطيني وإيصاله إلى مرحلة القبول بالفتات المعروض عليه من خلال صفقة القرن.
بالرغم من كل هذه الإنجازات سواء لإسرائيل كدولة أو لنتنياهو كزعيم له بصمته الشخصية على إنجاز هذه الاتفاقيات، تبقى هناك حقائق لا يمكن تجاوزها بتوقيع هذه الاتفاقيات:
- الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيبقي قائماً وله تداعياته على استقرار أمن المنطقة، لا سلام ولا استقرار ولا هدوء مع إبقاء الصراع دون حل يقبل به الشعب الفلسطيني؛ فالقضية الفلسطينية قنبلة موضوعه على الطاولة ممكن أن تنفجر في كل لحظه.
- لن يشعر الإسرائيلي ولا المستوطن باتفاقيات التطبيع عند وقوع أي عملية مقاومة؛ فالإمارات والبحرين لم تشكلا يوماً أي تهديد أمني لإسرائيل.
- التطبيع وإن أحدث اختراقاً في بعض القطاعات الشعبية العربية، لكنه لن يشطب من العقل العربي والثقافة الوطنية والقومية لقطاعات واسعه في الشارع العربي، أن إسرائيل دولة احتلال ووجودها غير شرعي، ولا يمكن أن تقبل هذه الشعوب بالتعايش معها؛ فالشعب المصري والأردني والذي رغم مرور سنوات على اتفاقيات السلام، لم يطبع، ولم تتغير مواقفه من اعتبار إسرائيل معادية ودولة احتلال.

