Menu

حقيقة الموقف الشعبي الخليجي من التطبيع مع الصهاينة

رضي الموسوي

نشر هذا المقال في العدد 19 من مجلة الهدف الرقمية

يدخل التطبيع بين العدو الصهيوني وكل من الإمارات و البحرين ، مرحلة جديدة تشبه السباق الماراثوني بعد أن اتسمت بالهرولة؛ إذ تتسارع عملية التطبيع بصورة فاجأت أكثر الناس تأييدًا لهذا النوع من الانقلابات السياسية في المنطقة، حيث تم الإعلان عن الاتفاق على تسيير 28 رحلة أسبوعية بين العدو ودولة الإمارات، فضلًا عن عشر رحلات لشحن البضائع، وأرسلت برقيات رسمية تطلب سرعة فتح سفارة للإمارات في الكيان الصهيوني وسفارة له في أبوظبي. في هذا الوقت يواجه البحرينيون والخليجيون التطبيع الرسمي بمزيد من التمسك بالثوابت الوطنية والقومية تجاه القضية المركزية للأمة، رغم كل المنغصات والصعوبات التي يواجهها مقاومو التطبيع في هذه المنطقة التي من المرجح أن تشهد ضغوطًا أكثر لاختراقات جديدة في عملية التطبيع.

في رده على سؤال لصحيفة الوطن البحرينية الصادرة يوم 18 أكتوبر (تشرين أول)، 2020، أفصح المتحدث الرسمي باسم الخارجية الصهيوني، ليور حيات، عن أن "اتفاق السلام بين البحرين وإسرائيل سوف يكون في مواجهة إرهاب إيران وميليشياتها في المنطقة لاسيما "حزب الله" اللبناني (..) وأن البحرينيين سوف يصلون في المسجد الأقصى قريباً، وهم مدعوون للصلاة في المسجد الأقصى وزيارة الأماكن التاريخية في إسرائيل". وجاء هذا التصريح بعد البيان المشترك بين الكيان ومملكة البحرين برعاية أميركية، وأكد على إقامة علاقات دبلوماسية بين المنامة وتل أبيب، فضلًا عن التوقيع على مذكرات التفاهم في أغلب القطاعات الحيوية ومنها العلاقات الاقتصادية والتجارية والاتصالات والتجارة والخدمات الجوية وتنقل الأفراد والخدمات المصرفية والمالية والطيران والرعاية الصحية والتكنولوجيا والسياحة والزراعة.

اتسم البيان بالعموميات والتكرار، إذا استثنينا فقرة إقامة العلاقات الديبلوماسية ومذكرات التفاهم، لكنه أكد، بين سطوره، على ما كانت قوى المعارضة البحرينية تؤكد عليه؛ من أن مسألة العلاقات مع العدو الصهيوني لم تكن وليدة اليوم، بل هي نتاج عقود من الاتصالات واللقاءات التي أغلبها سرية وبعضها طفح على السطح في المؤتمرات والفعاليات الدولية، حتى جاءت لحظة الحسم والإعلان عنها بطرق شتى ومنها الإعلان عن عقد ورشة المنامة في يونيو2019 بدعوة من الولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة بعض الدول العربية ومقاطعة بعضها الآخر، لكن الموقف الفلسطيني الرافض للورشة، والذي أجمعت الفصائل عليه باعتبار أن في الورشة الكثير من عمليات بيع أوهام التسوية والسلام الذي كان ترامب يروجه، بينما كان يوقع صكوك ملكية فلسطين كلها للعدو الصهيوني وينقل سفارة بلاده للقدس، وكذلك الحال مع مرتفعات الجولان السورية، في الوقت الذي كانت التحضيرات تجري فيه بسرعة شديدة للإعلان عن صفقة القرن؛ إلا أن الموقف الفلسطيني الموحد أجهض هذه الخطة الجهنمية التي يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بها ليحظى برضا وتأييد اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وخصوصًا منظمة "إيباك" الصهيونية التي تمتحن مصداقية تعهدات المرشحين للرئاسة الامريكية، قبل بدء السباق في شهر نوفمبر كل أربع سنوات.

كانت ورشة المنامة محطة امتحان أيضًا لموقف الشعب البحريني ومكوناته من مسألة التطبيع وقضايا التفريط في الحقوق الفلسطينية والعربية، وكان الموقف واضحًا وقاطعًا وغير قابل للتأويل أو للتفسير، وهو نفس موقف الرفض الذي اتخذه البحرينيون من إرسال وفد رسمي للقدس في ديسمبر (كانون أول) 2017، مكونًا من بعض رجال الدين ومسؤولين في بعض الجمعيات المدعومة، وتلقاه المقدسيون بالشجب والاستنكار والطرد، حيث كان محميًا من قبل جنود الاحتلال الصهيوني. في تلك الحادثة، لم يكن أمام هيئة الأوقاف في القدس وبعض المواطنين الفلسطينيين؛ إلا طرد الوفد الرسمي البحريني من الحرم القدسي الذي ذهب تحت مظلة "جمعية هذه هي البحرين" المدعومة رسميًا. أما الصهاينة، فقد احتفوا بالزيارة ووصفوها ب"التاريخية" كونها الزيارة العلنية الأولى من نوعها لوفد رسمي بحريني للأراضي الفلسطينية المحتلة تحت حماية حراب الاحتلال؛ حينها استحضر الإعلام الصهيوني تصريحات وزير الطاقة هناك يوفال شطاينتسن، والتي كشف فيها قبل أسابيع من زيارة الوفد الرسمي البحريني عن علاقات سرية تربط الكيان ببعض الدول العربية، ولفت إلى أن "هذه العلاقات تبقى طي الكتمان بطلب من هذه الدول".

خارج ورشة المنامة التي فشلت في جرجرة الفلسطينيين لمقصلة الوهم، كان البحرينيون يوحدون مواقفهم تجاه العدو التاريخي للأمة، وقد ساهم الموقف الفلسطيني الموحد تجاه الورشة في تماسك موقفهم، رغم تباين آرائهم السياسية والأيدلوجية والفكرية. لقد وحدّتهم فلسطين في موقف بانت أهميته لاحقًا عندما انبرى بعض أعضاء الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني إلى كنس وتطهير المكان الذي وقف فيه صحفي صهيوني ودنس مدخل الجمعية، كما فعل الشيء ذاته مجموعة من الشباب البحرينيين بتطهيرهم لمنطقة باب البحرين بالعاصمة المنامة من آثار الاقدام الهمجية التي وطأت أقدامها هناك، ووضعت برنامجًا حافلًا لزيارة البحرين ولم تنسَ الصلاة في المعبد اليهودي الموجود منذ القرن التاسع عشر في العاصمة البحرينية، لكن عيونهم كانت على التطبيع، وليس الصلاة في المعبد، وهو الأمر الذي فطن له البحرينيونوواجهوه حتى عندما استضاف أحد تجار البحرين في ديسمبر2016  بمجلسه مجموعة من اليهود الأمريكان الذين رقصوا على أغاني النصر الصهيونية، ليتبين فيما بعد أنهم صهاينة أكثر من صهاينة الأرض المحتلة، ما أثار ردود فعل سلبية من أغلب مكونات المجتمع البحريني، فقاد ذلك إلى اعتذار رجل الأعمال لشعب البحرين في رسالة انتشرت بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي. كما كان لزيارة سيدتين مقدسيتين البحرين أثرًا مهما في تحشيد الموقف ضد التطبيع عندما أقدمتا على مبادرة رمزية لتساهما في انتشار الموقف الرافض للتطبيع، من خلال توزيع طبخات شعبية فلسطينية على الجمهور في باب البحرين.

ضغوطات التطبيع المتلاحقة والمكثفة التي مارسها العدو الصهيوني ومن خلفه الإدارة الأمريكية؛أرادت تحقيق أهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الهارب من اتهامات الفساد التي قد تقوده للسجن، كما هو الحال مع الرئيس دونالد ترامب الذي يراهن على اللوبي الصهيوني لتجديد رئاسته في دورة ثانية، وتبين هذا أكثر في البيان المشترك الذي صدر عن زيارة الوفد الصهيوني للمنامة، حيث اختفت القضية الفلسطينية من البيان ولم يجرِ ذكر فلسطين؛ إلا مرة واحدة عندما تمت الإشارة إلى الصراع "الإسرائيلي الفلسطيني"، في محاولة لفرض الرأي الصهيوني، بأن الصراع ليس عربيًا صهيونيًا، وعلى المطبعين تلبية متطلبات الكيان في تحقيق علاقات الاقتصاد مقابل الاقتصاد وعلاقات السلام مقابل السلام، بينما تقوم الدولة العبرية بتطبيق قانون الدولة القومية العنصري وتنفذ متطلبات هذا القانون المتمثلة في مصادرة الأراضي الفلسطينية وتقطيع أوصالها وتحويلها إلى جزر معزولة عن بعضها البعض.

هرولة البعض نحو التطبيع مع العدو الصهيوني وعقد الاتفاقيات معه زادت من تصليب الموقف الشعبي البحريني والخليجي، ضد الاختراقات التي يراد منها تثبيت أقدام العدو في البحرين وبلدان مجلس التعاون الخليجي، وتهديد الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي. ويدرك البحرينيون والخليجيون أن التطبيع يعني اخضاع المحيط الخليجي والعربي للعدو الصهيوني وإجبار الأول على التصرف بعبودية تجاه الاحتلال الذي قال كلمته: بأن لا علاقة بين التطبيع مع الإمارات والبحرين بموضوعة ضم الأراضي الفلسطينية للكيان، وقد كرر هذا الموقف مرارًا، وكلما قفز وفد خليجي إلى الكيان أو جاء وفد صهيوني للبحرين أو الإمارات، وبالتالي فإن الادعاء والترويج الإعلامي لشرط وقف ضم الأراضي مقابل التطبيع لا يصمد أمام الحقائق الدامغة. ويدرك البحرينيون أيضًا أن ما يحدث هو تعبير عن حالة إرباك تسود المنطقة؛ بسبب فشل خطط وبرامج التنمية المستدامة من تحقيق إنجازات محسوسة على الأرض؛ غير ما يتنطع به الإعلام في كل دولة من الدول اللاهثة وراء التطبيع. هذا الفشل قاد للهروب إلى الأمام والشروع في التطبيع حتى دون دراسة العواقب على المنطقة، وذلك بعد أن تراءى لهذه الدول أن احتمال فشل دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، سيؤدي إلى إصابة هذه الدول بصداع مزمن؛ بسبب وجود رئيس من الحزب الديمقراطي، سبق وأن اصطدموا مع سلفه إبان الربيع العربي، وبالتالي فإن الاقتراب من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، قد يسهم في التخفيف من هذا الصداع، لكن الاستراتيجية الأمريكية تتجه نحو التقليل من أهمية منطقة الخليج العربية ومن نفطها لصالح التوجه شرقًا نحو بحر الصين الجنوبي الذي ترى إدارة ترامب أنه الموقع الذي يفترض أن تكون فيه القطع الحربية الأمريكية واستعراض قوتها فيه، للحد من اندفاعة بكين في قضم المزيد من نصيب واشنطن في الاقتصاد العالمي، حتى تبوأت الصين المركز الأول عالميًا من حيث القوة الشرائية.

هذا السيناريو يخيف دول الخليج التي صرفت مئات مليارات الدولارات على التسلح في العقود الماضية، واستقبلت على أراضيها القواعد العسكرية الأمريكية والقطعالبحرية التي تغص بها مياه الخليج العربي، بينما تتأهب إيران لمواجهات محتملة، إذا استمر الحصار الأمريكي عليها، لتتحول المنطقة إلى كرة نار، قد تحرق الأخضر واليابس وتغرق الخليج بزيادة التوتر فيه أكثر مما هو عليه الآن.

يدّعي بعض الإعلام الرسمي الخليجي تمكن حكوماته من وقف سياسة ضم الأراضي، في الوقت الذي تقرر حكومة نتنياهو بناء أكثر من 2000 وحدة استيطانية في الضفة الغربية، وستلحقها بعدد مماثل من الوحدات، ما يدحض كل حديث عن توقيف التطبيع للاستيطان وضم الأراضي الفلسطينية، لكن المؤكد أنه لا خوف على الموقف الشعبي البحريني والخليجي المناهض للتطبيع، والأمر بحاجة للمزيد من العمل المضني ومن عمليات تشبيك علاقات التنسيق مع مناهضي التطبيع على المستوى العربي والعالمي ووضع برامج وخطط عمل من شأنها إفشال مخططات الصهاينة التي تهدد استقرار بلدان مجلس التعاون الخليجي وسلمها الأهلي، وتسلب ما تبقى لديها من ثروات.