Menu

تداعيات الانتخابات الأمريكية

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

اتسمت الانتخابات الامريكية بمجموعة من المفارقات التي سيكون لها تأثير مستقبلي عميق على المستوى القريب والبعيد؛ في البدء يجب التسجيل أن هذه الانتخابات التي شارك بها أكثر من 67% من الذين يحق لهم الانتخاب تعد مفارقة تاريخية في الديمقراطية الأمريكية؛

المفارقة الثانية: أن هذه الانتخابات شهدت مشاركة واسعة من الأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية وشرق أوسطية وصينية وهندية، وكذلك شهدت إقبالًا شديدًا من الأمريكيين البيض؛

المفارقة الثالثة: شهدت الانتخابات انقسامات متعددة أخذت طابعًا عرقيًا وأظهرت من حيث الشكل العام  أن الرئيس الامريكي ترامب هو ممثل القيم الأمريكية للبيض وجو بايدن يمثل كل من خارجها؛

المفارقة الرابعة: أن إيباك الصهيونية الأمريكية لم تظهر أي تاييد علني واضح لأي من المرشحين، بل هي تعاملت معهم على قدم المساواة؛

المفارقة الخامسة: أن المساومة التي حصلت بين بيرني ساندرز وبايدن كان وسيكون لها تأثير على سياسية بايدن إذا ما دخل البيت الأبيض ومستقبل الحزب الديمقراطي وقاعدته الاجتماعية التي ستشهد تغييرات فرضها طابع الصراع بين المكونات السياسية وحواضنها الاجتماعية؛

المفارقة السادسة: سقوط مريع لمراكز الاستطلاع الذي سوقت لفروقات واسعة لصالح بايدن، في حين جاءت النتائج لتسقط هذه التوقعات، ولتأكد أن التوقعات كانت غير دقيقة أو واقعية، وإنما لأهداف سياسية؛ هدفها التلاعب بالرأي العام وتفرض حقائق افتراضية مسبقة، ناهيك عن الضخ الإعلامي حول التدخل الروسي بالانتخابات 2016، والتي لم تثبت صحتها بعد 4 سنوات من إدارة ترامب.

بعد كل هذه المفارقات التي سيكون لها تداعيات على الداخل الأمريكي والسياسة الأمريكية الخارجية على العالم، أبرزها:

التداعيات الداخلية: أظهرت هذه الانتخابات حدة الانقسام الداخلي ما بين مركزي رأس المال الأمريكي العولمي الذي يمثله بايدن؛ مدعومًا من أوروبا، والقومي الذي يمثله ترامب مدعومًا من بريطانيا والتحالف الرباعي ( مصر والسعودية والبحرين والإمارات).

من جهة أخرى، أظهرت هذه الانتخابات بروز النزعات الاستقلالية لبعض الولايات التي عبرت عن امتعاضها من التدخل المالي من خارج الولاية لتغيير مسار إرادتها، والمثل الأبرز على ذلك هو الاستثمار الديمقراطي الذي صرف مائة مليون دولار من أجل دعم مرشحه في كارولينا الجنوبية، تيم سكوت في محاولة لإسقاط السناتور الجمهوري المخضرم ليندزي غرام التي تركت انعكاسًا سلبيًا أدى لإطلاق عبارات تعلن رفض المال الخارجي لتغيير إرادة مواطنيها، هذه سابقة لم تشهدها الانتخابات الأمريكية من قبل. أما من ناحية العملية الانتخابية؛ شهدت انقسامًا قبل بدايتها، عندما أعلن ترامب موقفه من الانتخاب عبر البريد ووضع اعتراضات وصلت إلى التشكيك بنزاهتها.

من الملاحظ، أن الانتخاب عبر البريد كان هو المظهر العام، حيث بلغ عدد المشاركين عبره مائة مليون مشارك، في حين أن الذين شاركوا في يوم الانتخاب بلغ ما يقارب ال50 مليون؛ المشاركة الواسعة في البريد وضع تساؤلات حول شرعيتها وظهر مصطلح الصوت القانوني والصوت غير القانوني وتطابق التوقيع الفردي مع ما هو مسجل قانونيًا وصدقيته وموعد اعتماده هل تاريخ إرساله أم تاريخ وصوله؟

القانوني حسب الحملة الانتخابية لترامب؛ كل صوت وصل ما قبل الساعة الثانية عشرة يوم 3 نوفمبر، ويحمل توقيعًا مصدقًا، وغير القانوني الصوت الذي سجل ما بعد الساعة الثانية عشرة يوم 3 نوفمبر، هذا المفهوم سيكون محور النزاع القانوني الذي ستشهده الأيام القادمة بين الحملتين الجمهورية والديمقراطية.

أما انعكاسات النتائج على الشارع الأمريكي، فإن وتيرتها سترتبط بمدى توافق المرشحين على النصر والهزيمة والاعتراف بهما، ولكن الملاحظ ان ترامب سيذهب بعيدًا في رفضه للنتائج؛ إذا لم يأخذ اعتراضه على عملية فرز الأصوات بعين الاعتبار، حيث الملاحظ أن ترامب شعر بالإحباط نتيجة لموقف بعض مقربيه، خاصة نتينياهو ومنظمة أيباك الصهيونية في عدم إعلان دعم علني وصريح لمواقفه قبل وبعد الانتخاب، بل إنه اعتبر أن إعلان محطة فوكس نيوز انتصار جو بايدن في ولاية أريزونا قبل أن تنهي الولاية فرز الأصوات هفوة غير بريئة، من قناة تعتبر هي الصوت الإعلامي الوحيد الذي يدعم حملته الانتخابية، ناهيك عن بعض الجمهوريين الذين أعلنوا دعمهم لبايدن، هذه المواقف سوف تنعكس على التوازنات داخل الحزب الجمهوري مستقبلًا، خاصة إذا ما أدت النتائج الانتخابية والقانونية لخروج ترامب من البيت الأبيض. طبيعة ترامب التي لا تقبل الهزيمة سيدفعه لإعلان مشاركته في انتخابات ال2024 كونه مستثمرًا رئاسته للحزب الجمهوري، حسب الأعراف الحزبية الامريكية.

التداعيات لنجاح كل منهما:

في حالة نجاح بايدن سيترافق حكمه مع حالة من التحريض الداخلي (جمهوري) حول شرعيته، وسيكون من الصعب تسويق سياسات اقتصادية واتفاقيات خارجية، تظهر على أنها تخلي عن شعار أمريكا أولًا. في السياسة الخارجية ستتعاطى إدارته مع الإرث الثقيل الذي خلفه ترامب في العلاقة مع كل من الصين وأوروبا، أما عن روسيا، فستشهد العلاقة توترًا، وخاصة في الملفات الأوكرانية والسورية، أما خليجيًا سبشهد فتورًا، يترافق مع قلق للتحالف الرباعي.

من المتوقع أن سياسة إدارة بايدن الخارجية ستتعاطى مع الملفات الخارجية بحلقات منفصلة، حسب ظروف كل منها، في الملف السوري – العراقي، سيكون الملف الكردي حاضرًا وسيدعم التوجهات الانفصالية للأكراد في كل من سوريا والعراق ويوحد جهودهم المشتركة في دعم فكرة الدولة الكردية في أماكن امتداد وجودهم الجغرافية، هذا الموقف سيصطدم مع المصالح التركية والسورية والروسية في كل من سوريا والعراق. أما في العلاقة مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية؛ إدارة جو بايدن لن تستطيع الخروج عن الإطار الذي وضعه ترامب وإدارته في موضوع القدس ونقل السفارة الأمريكية، هذا القرار الذي اتخذ في عهد الإدارة الديمقراطية وأجل تنفيذه لاعتبارات الحل النهائي.

 موقف كل من نتنياهو وأيباك المحايد، كان إشارة ايجابية لبايدن وإعلان نهاية المصلحة الإسرائيلية مع ترامب، حيث أخذت إسرائيل الذي أرادته من إدارته، وستعتبره أساس أي تحرك لإدارة بايدن الذي سيكون دورها هو ايجاد تبرير لعودة السلطة الفلسطينية لإطار التفاوض الثنائي؛ من الممكن إيجاد مخارج سياسية له بمصطلحات عامة حول الدولة الفلسطينية، ومن الممكن أن تفتح إدارة بايدن إطارًا جديدًا للتفاوض، سيتم في إطاره عودة تشريع التنسيق الأمني.

خليجيًا؛ نجاح بايدن سيشكل انفراجًا ل قطر التي ستسعى للتخفيف من حدة الخلاف التركي – البايدني، وكذلك أملًا للعودة للاتفاق النووي الإيراني، وستشكل إدارة بايدن إحراجًا للإمارات والبحرين اللتان ستسعيان لوساطة تل أبيب لتخفيف حدة انعكاسات نجاح بايدن. أما السعودية التي ستواجه تصاعدًا للخلافات الداخلية في العائلة المالكة، خاصة بعد تلقيها جرعة دعم معنوية من نجاح بايدن واستحقاقات القضية المرفوعة على ولي العهد السعودي في المحكمة الأمريكية التي أقامها أحد قادة الاستخبارات السعودية بدعم من الحكومة الكندية.

إدارة بايدن ستتعامل مع الإخوان المسلمين وحركتهم بالقطاعي، وليس بالجملة، حيث ستدعمهم في الأماكن التي ترى فيهم مصلحة لمواجهة النفوذ الروسي، وستستخدمهم في الضغط في مصر وتحاصرهم في السودان .

 وعلى صعيد العلاقة مع كل من روسيا وتركيا ستشهد توترًا؛ ستدفع كل منهما لتقليص هامش الخلافات بينهما في سوريا و ليبيا وقره باخ، وسيعود الديمقراطيون إلى دعم القوى الليبرالية الداخلية في بعض دول الشرق الأوسط (عوضًا عن الإخوان المسلمين) وأمريكا اللاتينية.

أما العلاقة مع الصين ستشهد عودة للهدوء في عهد بايدن، وسيتراجع الصراع الأيديولوجي ليحل محله التنافس الاقتصادي في إطار المنظومات الاقتصادية للعولمة.

الخيار الثاني: استمرار ترامب

 استمرار ترامب في البيت الأبيض واحتماله الوحيد هو المخرج القانوني؛ إذا ما تدخلت المحكمة الفدرالية العليا التي أرادت أن تكون بعيدة عن الصراع الانتخابي، ولكن تعارض القرارات العدلية للقضاة الفدراليين ولحكام الولايات سيرغم المحكمة العليا للتدخل لفض النزاع القانون. إن استمرار الاعتراضات القانونية والخلاف على تحديد الصوت الانتخابي الشرعي وغير الشرعي سيرغم المحكمة العليا للتدخل لفض هذا النزاع، وفي حال كسب ترامب النزاع القانوني، فإن سياسته ستأخذ الطابع الانتقامي في بعض الملفات الداخلية والخارجية، وهذا ما سيقلق كل من خذله. وستشهد العلاقة الروسية الأمريكية انفراجًا، في حين سيصعد من صراعه الاقتصادي مع الصين الذي سيغلفه بالطالع الأيديولوجي.

أوروبيًا؛ سيصعد الاختلافات من أجل مشاركة مالية أوسع لأوروبا في المؤسسات الدولية والضغط على الأوروبيين؛ من أجل إعطاء أولوية للتبادل الاقتصادي، عبر المحيط على العلاقة الأوروبية مع كل من روسيا والصين، ومن الممكن أن يأخذ قرارات، قد تصل إلى الخروج من الحلف الأطلسي أو على الأقل يقلل من الاستثمار الأمريكي فيه.

 سيعزز تشجيع الاستثمار الداخلي وسيفرض على دول الخليج أتاوات جديدة، مقابل الاستمرار في حمايتهم، وسيحاول فرض اتفاق إيراني جديد؛ من خلال تقديم اغراءات مالية واقتصادية لإيران، مترافقة مع حملة ضغط داخلي؛ من خلال تعزيز ودعم الاتجاهات المعارضة الداخلية والتلاعب بالمكونات العرقية المتعددة في الداخل الإيراني.

فلسطينيًا؛ سيبقي الوضع على ما هو عليه، ولن يضغط في اتجاه ترجمة حرفية لما ورد في صفقة كوشنير، وسيبقي الحصار الاقتصادي على السلطة، ولكن ليس إلى حد موتها، فهي مطلوبة من حيث الشكل، وسيبقي على دعم الديكتاتوريات العائلية والفردية.

الصراع الاقتصادي والأيديولوجي بين مراكز رأس المال العولمي والقومي الأمريكي التي تعتمد شعار أمريكا أولًا، سيتصاعد وسيترك انعكاسات وتداعيات على المؤسسات الدولية ودورها الذي سيتقلص لصالح دور سيادة القوانين القومية الأمريكية التي سيعتمدها كمعيار للعلاقات الدولية، هذا سيرفع من درجة التوتر الدولي وسيدعم تعزيز صعود اليمين في أوروبا ويعزز العلاقات الصينية الروسية الإيرانية الفنزويلية الكوبية.