كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح10)
(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).
الفصل الثاني
الفلسفة اليونانية
أرسطو طاليس (384 – 322 ق.م):
ولد ارسطو في أسطاغيرا وهي مدينة مقدونية تقع على بعد نحو مئتي ميل من شمالي أثينا، وكان والده صديقاً وطبيباً للملك مينتاس ملك مقدونيا وجد الاسكندر الكبير.
جاء أرسطو، وهو في سن السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، إلى أثينا، وصار تلميذاً لأفلاطون في الأكاديمية؛ بقي هناك حوالي عشرين سنة إلى أن توفي أفلاطون في عام 347 ق.م.
يقول رينان، "ان سقراط أعطى العالم الفلسفة، وان ارسطو اعطاه العلم، لقد كانت الفلسفة موجودة قبل سقراط، وكان العلم موجوداً قبل أرسطو، وتقدمت الفلسفة والعلم تقدماً كبيراً بعد سقراط وارسطو، ولكن هذا التقدم جميعه كان مبنياً على الأسس التي وضعها هذان الفيلسوفان. لقد كان العلم قبل أرسطو جنيناً، وولد بمجيئه"([1]).
في بداية شبابه، ونظراً لإعجابه الشديد بالفيلسوف أفلاطون، أصبح أرسطو من أقرب تلاميذ أفلاطون، وسرعان ما أصبح بعد سنوات قليلة فيلسوفاً متميزاً، لكنه حرص على البقاء تلميذاً وصديقاً وفياً لأستاذه ومعلمه، مع الفارق النوعي بينهما، فأفلاطون كان يرى أن المعرفة الحقة هي الناتجة عن التفكير، أما أرسطو فرأى أن المعرفة هي انعكاس للتجربة، وفي كل الأحوال فقد شَكَّل كل من أفلاطون وأرسطو أساس الفلسفة منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا، واجتمعت باجتماع الفيلسوفين نزعتان متعارضتان في تاريخ الفكر – النزعة الصوفية والنزعة الطبيعية – وأخذتا تحتربان. ولو أن أرسطوطاليس لم يستمع إلى أفلاطون تلك المدة، الطويلة (التي يقدرها بعضهم بعشرين عاماً) لجاز أن يكون له عقل علمي محض؛ أما وقد استمع له تلك المدة، فإن ابن الطبيب أخذ ينازع فيه تلميذ المُعَلِّم المتزمت، ولم تتغلب إحدى النزعتين على الأخرى، لهذا لم يقرر أرسطو طول حياته أي النزعتين يطيع، ولما مات أفلاطون شيد أرسطوطاليس مذبحا له وكَرَّمَه تكريما يكاد يبلغ حد التأليه، ذلك لأنه كان يعجب بأفلاطون وإن لم يكن يميل إليه"([2]).
"فمن مآثر ارسطو انه امسك بحبل التطور العلمي الذي اتخذ طريقه في اليونان في الفترة السابقة لأيام سقراط، وواصل اعماله بتفصيل أكثر حزماً، وملاحظات واستقصاء أكثر تعدداً، وجمع كل النتائج المتراكمة في مجموعة هامة من العلم المنظم"([3])، بحيث يمكن القول عن أرسطو "إنه كان أعظم نوابغ النظر العقلي في تاريخ الفكر اليوناني، وهذه الزعامة لا يمكن أن تنكر عليه إلا لصالح معلمه أفلاطون.
وفي الواقع – يقول جورج طرابيشي- "إن تاريخ الفلسفة بأسره يهيمن عليه هذان الوجهان الكبيران، وقد قيل بحق إن كل فيلسوف، حتى لو كان من المحدثين، هو إما أفلاطوني وإما أرسطوطاليسي، بمعنى أنه بالضرورة أقرب إلى أفلاطون أو أقرب إلى أرسطو، لأن كل نظر عقلي جدير بهذا الاسم يصدر في آن معاً عن هذين الفيلسوفين، لكن لئن بقي أفلاطون "الإلهي" مثالاً لا يضاهي على العبقرية الفلسفية لأنه كان أول من أعطى الفلسفة عالمها الحقيقي، عالم الفكر (المُثُلْ) وعَبَّر عنه بحماسة مكبوتة ترقى به إلى منزلة الشعراء العظام، فإنه لمما لا ريب فيه بالمقابل أن أرسطو كان وسيبقى دوماً أستاذ ذلك الفكر النقدي والنظامي الذي هو أساس العلم بالذات"([4]).
أرسطو والاسكندر:
قام الملك فيليب ملك مقدونيا بدعوة أرسطو إلى بلاط بيلا، وعهد اليه بتثقيف الاسكندر، وقد دلت هذه الدعوة على ذيوع شهرة فيلسوفنا، فقد "أحب الإسكندر لفترة من الوقت ارسطو العزيز محبة لا تقل عن محبته لأبيه، قائلاً انه على الرغم ان والده أنجبه إلى هذه الدنيا فقد عَلَّمَه ارسطو فن الحياة فيها. وترك الاسكندر الفلسفة بعد سنتين ليرتقي العرش ويفتح العالم"([5]).
لكن "الاسكندر بقي متوحشاً على الرغم من جهود ارسطو في محاولة تثقيفه، ولكن على الرغم من وحشيته هذه، فقد تعلم توقير الثقافة اليونانية واحترامها، وكان يحلم بنشرها في الشرق إبان انتصارات جيوشه، كما أوجد تطور التجارة اليونانية، وزيادة المراكز التجارية اليونانية، في جميع أنحاء آسيا الصغرى، قاعدة اقتصادية لتوحيد هذه المنطقة كجزء من الإمبراطورية الهيلينية.
واعتقد الاسكندر بأن الفكر سيسطع من هذه المراكز اليونانية التي تخرج منها البضائع اليونانية ايضاً، ولكنه في اعتقاده هذا قلل من أهمية قوة الاستمرار والمقاومة في العقل الشرقي، وأغفل جوهر وعمق الحضارة الشرقية، كما تغلبت روح الشرق على الاسكندر نفسه في ساعات أوج انتصاراته وتزوج (بالإضافة إلى عدة زوجات) ابنة داريوس ملك الفرس، وتبني التاج والكساء الرسمي الفارسي في الدولة، واستقدم إلى أوروبا الفكرة الشرقية عن حق الملوك المقدس"([6]).
"وأخيراً فاجأ الاسكندر، اليونان بإعلان نفسه الها بطريقة شرقية جليلة، وسخرت اليونان منه، ولاقى بعد ذلك حتفه، وقد تبع اشراب الجسم اليوناني المضنى بهذه الروح الشرقية، انصباب الطقوس الدينية، والديانات الشرقية إلى اليونان عبر نفس خطوط المواصلات والطرق التي شقها الفاتح الشاب، وتداعت السدود المنهارة امام سيل الأفكار الشرقية، التي تدفقت على الأراضي الأوروبية التي لا زال العقل فيها فتيا، وزاد انتشار الديانات الخرافية الغامضة التي كانت قد تأصلت في نفوس الهيليينين الأكثر فقراً، وانتشرت في كل جانب، ووجدت روح الاستسلام والجمود الشرقية تربة خصبة صالحة في اليونان المضمحلة اليائسة"([7]).
عندما بلغ أرسطو الثالثة والخمسين من عمره، "أنشأ مدرسته (اللوقيوم) الميدان الرياضي. لم تكن المدرسة صورة طبق الأصل من المدرسة التي تركها أفلاطون وراءه، حيث اختصت اكاديمية افلاطون فوق كل شيء بالرياضات والفلسفة السياسية التأملية، أما مدرسة أرسطو فقد مالت أكثر إلى تدريس علم الاحياء والعلوم الطبيعية، وقد أمر الاسكندر رجال صيده وبساتنته وصيادي اسماكه بأن يمدوا أرسطو بكل المواد الحيوانية والنباتية التي يرغب بها، ويخبرنا كُتَّاب قدامى آخرون أنه كان تحت تصرفه في وقت واحد ألف رجل انتشروا في انحاء آسيا واليونان، يجمعون له النماذج والعينات الحيوانية والنباتية من كل أرض، وقد تمكن بهذه الثروة المادية من انشاء أول حديقة حيوانية عظيمة شاهدها العالم، على الرغم من عدم توفر الأدوات والأجهزة والآلات اللازمة للتجارب والاختبارات العلمية، إلا ان أرسطو استطاع بالاعتماد على بعض التجارب البسيطة عموماً، والملاحظة الكونية خصوصاً ان تجمع قدراً كبيراً من المعلومات أصبحت أساساً لتقدم العلم، ونصوصاً للمعرفة لمدة الفي سنة، عبر العديد من الكتب والأعمال التي قام بتجميعها وتحريرها، لقد جمع هذه الأعمال وحررها الرواقيون عبر عدد من الكتب حملت السمات التالية: أولاً وسائل التفكير الصحيح، وثانياً الأعمال العلمية، "الطبيعيات" "وفي السماء" "التطور والانحلال" "علم الظواهر الجوية" "التاريخ الطبيعي" "عن النفس" "أجزاء الحيوان"، وثالثاً أعمال في فن الذوق والبلاغة، ورابعاً تأتي الاعمال الفلسفية "الاخلاق" "السياسة" "الميتافيزيقا" و"العلم الإلهي"، ثم "قام بيوثيوس بترجمة منطق ارسطو (470-525 ميلادية) الذي أصبح نموذجاً للفكر في العصور المتوسطة، وأُمَّاً للفلسفة في القرون الوسطى التي على الرغم من انها كانت مجدبة وعقيمة بسبب العقائد المحيطة بها، فقد تمكنت من تدريب الفكر والعقل الأوروبي اليافع على التفكير والتعقل والتأمل والذكاء ووضعت الاصطلاحات الفنية للعلم الحديث"([8]).
"لقد كانت فلسفة ارسطو –كما يقول ديورانت- "غزواً للعالم أفضل من غزو الاسكندر للعالم وانتصاره الهمجي. وطبيعي ان لا نجد في عقل أرسطو العلمي الأسلوب الشعري الجميل الذي يتسم به أسلوب افلاطون. فهو بدلاً من الانصراف إلى الأسلوب والعبارة الأدبية كما فعل افلاطون، قام ببناء الاصطلاحات الفنية للعلم والفلسفة، ومن العسير أن نتحدث اليوم عن أي علم بغير استخدام عبارات ابتدعها أرسطو" ([9]).
آلة المنطق([10]): "المواضيع":
كان أرسطو أول فيلسوف يوناني وصلتنا منه مؤلفات تعالج قضايا المنطق بشكل منهجي منظم، فالمنطق، عنده، نظرية البرهان وعلم دراسة أشكال التفكير، الضرورية للمعرفة.
يرى أرسطو أن العلاقات القائمة بين الأفكار تعكس الروابط الموجودة وجوداً موضوعياً، فالعلاقة بين الذات المنطقية وخبرها (محمولها) في الحكم، يمكن أن تقابل، أو لا تقابل، علاقات قائمة في الواقع ذاته، أما العلاقة بين مفاهيم القياس فإن لها قيمة موضوعية: إذ أن الاساس المنطقي في القياس، القائم على معرفة السبب، يتطابق مع السبب الواقعي، ومن هنا تنبع ضرورة التسلسل المنطقي في القياس. وبما أن احدى القضايا الرئيسية في فلسفة أرسطو عن الوجود هي مسألة علاقة العام بالخاص، التي هي احدى مسائل الديالكتيك، فإن منطق أرسطو، الذي يُعْتَبِر العلاقة القائمة بين الأفكار علاقات أو تحديدات الوجود، يطرح أيضا قضايا الديالكتيك، غير أنه، نظراً للعلاقة الوثيقة بين منطق أرسطو وبين مذهبه في الوجود، المعروف في "ما وراء الطبيعة"، فقد انعكست أخطاء فهمه لديالكتيك العام والخاص على المنطق أيضاً "([11]).
أرسطو –كما يقول إميل برهييه- "هو واضع المنطق الصوري، أي ذلك القسم من المنطق الذي يحدد قواعد للتفكير مستقلة عن مضمون الأفكار التي هي موضوع التفكير، لكن الكتابات المنطقية التي جُمِعَتْ تحت اسم واحد، هو الأورغانون (الآلة) لا تشتمل اطلاقاً، رغماً عن الظاهر، على عرض منهجي لهذا المنطق، ففي الظاهر تتوزع هذه الكتابات بحسب عناوين فصول الموجزات المتداولة في المنطق([12]):
1- المقولات، وتتضمن نظرية الحدود؛
2- في التأويل، أو نظرية القضايا.
3- التحليلات الأولى، أو نظرية القياس بوجه عام؛
4- التحليلات الثانية، أو نظرية البرهان، أي القياس ذي المقدمات الضرورية؛
5- المواضع، أو نظرية الاستدلال الجدلي والاحتمالي الذي لا تعدو مقدماته ان تكون ظنوناً مقبولة بالإجمال؛
6- الخطابة أو نظرية الاستدلال الخطابي أو الإضماري الذي يتم اختيار مقدماته بحيث تقنع السامع. والقياس المنطقي، الذي أبان الكتابان الأولان عن عناصره، هو الآلة المشتركة التي يدرسها الكتاب الثالث والتي يستخدمها أهل العلم والجدل والخطابة على السواء، وان اعتمد كل فريق منهم مقدمات متباينة.
أرسطو مؤسس علم المنطق:
يرى ديورانت "أن أول تمييز عظيم يمتاز به ارسطو عن سلفه افلاطون، وَضْعَهُ لعمل جديد وهو المنطق، والواقع أن العقل اليوناني نفسه كان في حالة من الفوضى وعدم النظام إلى أن قَدَّم ارسطو وسيلة لفحص وتصحيح الفكر، ذلك إن افلاطون –كما يقول ديورانت- كان روحاً منطلقة غير محكمة، تتخلله سحابة الخرافة دائماً".
ان المنطق يعني ببساطة، "الفن والأسلوب الذي يساعدنا على تصحيح تفكيرنا، انه نظام وأسلوب كل علم، وكل نظام، وكل فن، وحتى الموسيقى تلجأ إليه، انه علم، لان وسائل التفكير الصحيح يمكن اختصارها إلى مدى كبير وتحويلها إلى قواعد كالطبيعيات والهندسة، وتدريسها لكل عقل عادي، انه فن لأنه بالممارسة يقدم للفكر اخيراً ذلك الاتقان والدقة والضبط اللاشعوري السريع الذي يرشد ويوجه أصابع عازف البيانو بانسجام سهل في العزف على آلته، لا شيء أثقل على الفهم من المنطق ولا شيء أكثر منه أهمية.
لقد قال فولتير إذا كنت ترغب في التحدث معي عَرِّفْ ما تقول وَحَدِّد قولك. كم من نقاش قد ينكمش ويتحول إلى مقطع لو تجرأ المتناقشون على تحديد عباراتهم وجُمَلِهِم، هذا هو الأول والآخر في المنطق، وقلبه وروحه، بأن تخضع كل عبارة هامة في حديث جَدِّي إلى أشد أنواع التعريف والتحديد والفحص. انها طريقة صعبه، وامتحان لا رحمة فيه للعقل" ([13]).
كيف يمكننا إذن تحديد الموضوع أو العبارة؟ ويجيب أرسطو على ذلك بقوله، ان كل تعريف جيد يتألف من جزئين، ويقف على قدمين ثابتين. فهو أولاً، يعين الموضوع الذي يتناوله السؤال إلى طبقة أو جماعة تشترك معه في مميزاتها العامة، لذلك يكون الإنسان أولاً وقبل كل شيء حيواناً، وثانياً فهو يشير إلى أي شيء يختلف فيه جميع الاعضاء الآخرين في طبقته، وهكذا فإن الإنسان في طريقة أرسطو حيوان عاقل.
إن من "أهم ما ادخله أرسطو على الفلسفة هو مذهبه في القياس، والقياس تدليل مؤلف من ثلاثة اجزاء، وهذه الاجزاء الثلاثة هي. مقدمة كبرى، ومقدمة صغرى ونتيجة، وهذه النتيجة تنتج عن الحقيقة المسلم بها في المقدمة الكبرى والمقدمة الصغرى: مثال على ذلك الإنسان حيوان عاقل، ولكن سقراط انسان، لذلك فان سقراط حيوان عاقل، ولكن القياس على ما يلوح ليس نظاماً آلياً لكشف الحقيقة بقدر ما هو توضيح للعرض والفكرة"([14]).
أفلاطون وأرسطو: الاستاذ والتلميذ
يوجد رسم مشهور للفنان روفائيل "حيث يقف افلاطون مشيراً بيده إلى السماء، بينما يقف ارسطو مشيراً بيده إلى الأدنى، إلى الارض، إنه الاتجاه الارسطي الذي يبقى على صله بالواقع والتجارب العملية والتفاصيل في مقابل الاتجاه الافلاطوني في التفكير الذي يبتعد عن العيني الملموس ويركز على المُثُلْ.
وبينما حاول أفلاطون أن ينشئ نظرية دولة مثالية كاملة وخالدة، بدأ أرسطو بدرس أشكال الدولة القائمة، وحاول بلورة أفضلها الذي يمكن تحقيقه، لكن علينا أن لا نؤكد بقوة تلك الفروقات بين أفلاطون وأرسطو إلى الدرجة التي نغفل عندها وجوه الشبه بينهما.
كان لاتصال أرسطو بأفلاطون وقع عظيم على أرسطو بوصفه فيلسوفاً، على الرغم من أنه ابتعد في النهاية عن فلسفة أفلاطون، وأنشأ فلسفة يمكن وصفها، في نقاط كثيرة، بأنها تتعارض مع تعاليم أفلاطون، وهذا ينطبق على نظرية المُثُل، وأيضاً على نظرية أفلاطون السياسية، ففي حين نظر أفلاطون إلى الأعلى نحو المُثُل، نظر أرسطو إلى الظواهر الجزئية الكثيرة المرتبطة بالتجربة.
"لقد أدرك افلاطون عظمة هذا التلميذ الجديد، الغريب، القادم من الشمال من بلاد كانت أثينا لا تزال تعتبرها بلاداً همجية، ووصفه مرة بأنه الذكاء المجسم في الأكاديمية، فقد جمع أرسطو مكتبة كبيرة ووضع الأساس لتصنيف وتبويب الكتب وهذا من جملة ما ساهم به للعلم، مما دفع افلاطون إلى تسمية بيت ارسطو بيت القارئ.
"وبعد وفاة أفلاطون قام أرسطو برحلات دراسية متنوعة، ودرس بشكل خاص الكائنات المائية وباعتباره بيولوجياً وصفياً، عرف الملاحظة والتصنيف (وليس الاختبار- فإجراء الاختبارات بدأ بداية جدية خلال عصر النهضة)، كما عمل أرسطو بضع سنوات معلماً للأمير الملكي الشاب في مقدونيا، وهو الإسكندر الكبير في المستقبل، غير أننا لا نعرف أي تأثير لأحدهما على الآخر، فقد كان أرسطو مهمتاً بشكل رئيسي بالدولة المدينية، وليس بفكرة إمبراطورية واسعة تشمل اليونانيين والفرس"([15]).
" وبعد تسلم الإسكندر مقاليد الحكم انتقل أرسطو إلى أثينا، وأنشأ مدرسته الخاصة اللوقيوم (The Lyceum) (335 ق.م.)، واستمرت المدرسة ما يزيد على 860 سنة، وهي مدة أطول من اعمار جميع الجامعات الأوروبية الحالية تقريباً، وأسس أرسطو مكتبة في اللوقيوم، وأول متحف خاص بالتاريخ الطبيعي، وكانت المواد في معهد اللوقيوم تشمل الفلسفة والتاريخ والتربية المدنية والعلوم الطبيعية (البيولوجيا) والخطابة والأدب وفن الشعر، وقد جمع في هذا البناء مكتبة كبيرة، وأنشأ فيه حديقة للحيوان ومتحفا للتاريخ الطبيعي، وفي ذلك المعهد سُمِّى الطلاب بالمشائين، وسميت فلسفتهم بالمشائية، نسبة إلى المماشى المسقوفة التي كان أرسطوطاليس يحب أن يسير فيها مع طلابه وهو يحاضرهم.
كان أرسطو "يطلب إلى تلاميذه أن يجمعوا المعلومات في الميادين العلمية المختلفة وينسقوها: كعادات البرابرة، ودساتير المدن اليونانية، وأعضاء الحيوانات، وعاداتها، وأوصاف النباتات وتوزيعها، وتاريخ العلوم والفلسفة، وأضحت هذه البحوث ذخيرة طيبة من المعلومات يستمد منها رسائله المختلفة"([16])،
كما كان أرسطو عملياً، اقام العديد من التجارب (وهو يعتبر أبو المعاهد التطبيقية او العملية – مؤسس معهد اللوقيوم) بعكس استاذه افلاطون الذي اهتم باللاهوت والرياضيات والتأمل في اكاديميته (ولذلك قيل عنه انه الأب الروحي للجامعات).
هناك كتابات كثيرة لأرسطو، إلا أن كتابات كثيرة أخرى فُقِدَت، وكان تلاميذه هم الذين يحررون كتاباته، بمقدار كبير. وقد رُتِّبت ونُظِّمت كتابات أرسطو، حوالي نهاية القرون الوسطى، كمواد مطلوبة للقراءة في المراكز التعليمية المختلفة في أوروبا، نقلاً عن تراجم فلاسفة المسلمين.
وفي هذا الجانب يقول د. مراد وهبه: "كل من رام الدخول إلى دار الفلسفة، وجَبَ عليه الابتداء بالفيلسوف اليوناني العظيم أرسطو وتلامذته، لأن فلسفته كانت أساس الفلسفة في العالم، ومعلوم أن أقرب تلامذته إلينا هم ابن رشد وابن باجه وابن سينا وابن طفيل وأبو نصر الفارابي"([17]).
عقلانية أرسطو ومثالية أفلاطون:
"اعتقد أرسطو وأفلاطون بأن البشر لا يتمكنون من العيش إلا في مجتمع، وكلاهما عَنَيا بالمجتمع في دولة المدينة اليونانية، ولكن يتوضح التعارض العام بين أفلاطون العقلي المثالي وفيلسوف الفطرة النقدي أرسطو من خلال نظرتهما إلى المجتمع، أي: ينتقد أفلاطون الأحوال الواقعية باللجوء إلى مطالب العقل، ويعتبر السياسة مهمة يجب القيام بها: وهي تقريب الأحوال الواقعية لتصير متسقة مع المثال الأعلى.
أما أرسطو، فهو ينطلق من الأشكال الموجودة للدولة، وليس للعقل من دور سوى أن يكون وسيلة لتصنيف الموجود في الواقع وتقويمه، وهذا يعني أن أفلاطون ينظر إلى ما وراء النظام القائم، إلى شيء جديد، نوعياً، أما أرسطو، فيبحث عما هو الأفضل بين الموجودات، وما يقوله هو أكثر واقعية، لأنه يلائم بشكل أفضل الأحوال السياسية للدول –المدينية في زمانه، غير أن تنبيهنا إلى تلك الفروق يجب أن لا يحجب عنا الحقيقة المفيدة أن للفيلسوفين الكثير من الأمور المشتركة، بحيث يمكننا القول إن أرسطو يمثل نوعاً من الاستمرارية العقلية لأفلاطون، من دون اتخاذ موقف يتعلق بأي منهما كان المفكر الأفضل"([18]).
لكن، على الرغم مما تقدم، فالتلميذ ارسطو لايختلف جوهرياً عن استاذه افلاطون، فإذا كان افلاطون فيلسوف الفردية الارستقراطية، فإن ارسطو هو الفيلسوف الرسمي لإمبراطورية أوتوقراطية، انه القائل " منذ المولد هناك أُناس مُعَدُّون للعبودية واناس معدون للإمارة "، وهذا لا يعني تطابقهما على الرغم من ان كليهما من الناحية الفلسفية التقيا على ارضية المثالية الموضوعية التي تقر بمعرفة العالم الخارجي، وتقول بأن هناك صانعاً أو خالقاً موضوعياً خارج الذات أوجد هذا الكون، فقد انتقد أرسطو نظرية افلاطون منطلقاً من أن:-
1- مُثُل افلاطون صورة أونُسخ عن الاشياء الحسية ( نحن في كهف، ندير ظهورنا للشمس لانرى سوى ظلال الأشياء او صورتها على جدار الكهف… هذه هي مثل افلاطون)([19]).
2- أفلاطون يفصل عالم " المُثُلْ " عن عالم " الأشياء " فهو يعتبر ان المادة مشتقة من "المُثُلْ" او الأفكار السابقة عليها ( الوجود الحق ) .
3- في حين يعتبر أفلاطون الأشياء الحسية ظلالاً او أشباحاً للوجود الحق "المُثُلْ"، ينظر ارسطو إلى الأشياء او الموجودات على أنها تمثل وحدة للصورة والمادة موجودة وجوداً قطعياً (الرجل هو الصورة الذي كان الطفل مادة لها، والطفل هو الصورة التي كان الجنين مادة لها، والجنين هو الصورة والبويضة هي المادة، ولابد ان يكون هناك محرك أكبر لهذه العملية.. هو الله السبب النهائي للطبيعة، الصورة الأولى.. انه صورة العالم وهو كامل كمالاً مطلقاً لادخل له بالتفاصيل، ملك بالاسم لا بالفعل كما يقول "ول ديورانت" في كتابه قصة الفلسفة).
عند أرسطو .. العالم موجود في الخاص، أي اننا لانصل إلى معرفة الكلي اذا لم نتعرف على الجزئي، الجزئي نتعرف عليه بالحواس، الكلي نعرفه بالعقل، نشير في هذا الصدد ان ارسطو كان يحتقر الفعل الجسدي ويقدس العقل وهو القائل " كل من كان بمقدوره ان يتنبأ بعقله هو بطبيعته معد ليصبح سيداً "، ومن ناحية ثانية، فإن أفضل أشكال الحكم عنده، النظام الأرستقراطي الذي يعتمد حكم القلة من النخبة المختارة، يرفض ارسطو الديمقراطية لأنها كما يقول تقوم على افتراض كاذب بالمساواة، من آرائه، أن الإنسان ينتمي إلى مجموعة واحدة من الحيوانات الولود ذات الثدي، أما المرأة عنده، فهي ناقصة عقل وهي مرتبه دنيا عن الرجل ( في تراثنا الاسلامي المرأة ناقصة عقل ودين ،الرجال قوامون على النساء ) الإنسان الفاضل عنده هو الذي يختار الوسط بين الافراط والتقتير ( في التراث الإسلامي أيضاً: وخلقناكم أمة وسطا، وخير الامور الوسط )!
عالم المُثُلْ وعالم المحسوس لدى أفلاطون وأرسطو:
بينما يقول أفلاطون إن الُمُثْل هي الموجودات الحقيقية، وهي النظرة الشائعة في التأويلات في الكتب المدرسية، يرى أرسطو أن الموجودات المستقلة هي الأشياء الجزئية، أو "الجواهر" مستخدمين المصطلح الأرسطي، فبرج إيفل وحصان الجار وهذا القلم أمثلة على الأشياء الجزئية؛ عن الجواهر بالمعنى الأرسطي، أي: هي ذات وجود مستقلاً، أما ارتفاع برج إيفل واللون الذهبي لحصان الجار والمقطع السداسي الشكل للقلم فهي صفات لا وجود مستقلاً لها عن البرج والحصان والقلم.
الجواهر لها صفات، والصفات توجد كصفات للجواهر، لكن ما عدا ذلك لا وجود مستقلاً للصفات. ويمكننا النظر إلى أشياء صفراء متعددة، ونتكلم على صفة "الاصفرار"، ونتكلم عما يقابله من أشياء وصفات، غير أن ذلك كله لا يجعل صفة الاصفرار فكرة ذات وجود مستقل، بحسب ما رأى أرسطو.
وهكذا، فإن أرسطو رأى أن الجواهر هي ما له وجود فعلي، أما الصفات والأنواع فوجودها نسبي لأنها توجد في الجواهر (الأشياء الجزئية) أو معها([20]):
وتكون النتيجة أن أرسطو أنزل الأفكار (المُثُل) إلى مستوى الأشياء، أي: الصفات والأنواع موجودة، لكن وجودها ليس إلا في الأشياء الجزئية، وفي الخلاصة يمكننا تفسير العلاقة بين أفلاطون وأرسطو بما يلي: يعتقد أفلاطون وأرسطو معاً بأنَّ الكلمات التصوراتية (أسماء الصفات، مثل "أحمر"و"دائري"..إلخ، وأسماء الأنواع مثل "حصان" و"إنسان" ...إلخ) تشير إلى أشياء موجودة، غير ان أفلاطون اعتقد أن هذه "الأشياء" هي مُثُلْ موجودة "وراء" الظواهر الحسية، أي: نحن مصيبون عندما نقول هذه كرسي، وذلك أزرق، ولكن لرؤية ذلك، لابد من أن يكون في حوزتنا، بشكل مسبق مثال الكرسي، ومثال الأزرق، فالمُثُلْ هي التي تمكننا من أن نرى الظواهر بما هي عليه، مثلاً ككرسي وكأزرق، بينما عد أرسطو تلك "الأشياء" صوراً توجد في الظواهر الحسية، وفي التجارب والخبره الحسيه.
"غير أنه يجب أن لا يفهم ذلك بشكل حرفي متطرف، فقد رأى أرسطو أننا نستطيع بعون من العقل إدراك الكليات أو الصور إدراكاً حسياً. وبحسب أفلاطون فإن الخبرة الحسية شكل ناقص من المعرفة، أما المعرفة الحقة فهي في رؤية المثل رؤية متبصرة.
لكن، "على الرغم من أن أرسطو لا يرى، في نهاية المطاف، وجوداً إلا للأشياء الجزئية (الجواهر). غير أننا بمساعدة العقل نتمكن من أن نميز الصور الكلية في الأشياء. وبكلام آخر نقول: إن للتجربة الحسية والعقل مرتبتين متكافئتين عند أرسطو أكثر مما لهما عند أفلاطون، فاذا كانت الكائنات الإنسانية هي الأعلى من بين المخلوقات التي لها وجود مادي، ففي أعلى هذا العالم الهرمي، "تصور أرسطو وجود مبدأ أول، الله، وتصوره وجوداً فعلياً محضاً، أي خالياً من الوجود بالقوة، وبالتالي لا يتغير، فالله مستقر في ذاته، وهكذا يتوج أرسطو الميتافيزيقا التي وضعها بثيولوجيا (Theology)، أي بتعليم عن الكائن الأعلى، وليس هذا الإله إلهاً شخصياً: فقد اعتبر أرسطو الكائن الأعلى المحرك الذي لا يتحرك (The Unmoved Mover) المستقر في ذاته"([21]).
وهذا المبدأ الأعلى هو وجود فعلي محض، لا وجود قوة فيه للتحقق، وهو، لذلك السبب والغاية النهائية لكل شيء، فالمحرك الذي لا يتحرك هو الذي تتحرك جميع الموجودات متجهة إليه، أما المستوى الأدنى في العالم الهرمي، فهو المادة المحض (القوة)، ويمثل تصور المادة المحض تصوراً فاصلاً، لا نستطيع أن نتخيله، بكلام دقيق، لأنه لا يحوز على فعل (صفات فعلية)"([22]).
أشكال المعرفة عند أرسطو:
"في حين رأى أفلاطون رابطة بين أشكال المعرفة المختلفة ومسائلها، فلم يميز تمييزاً حاداً بين نظرية المُثُلْ وعقيدة الدولة والأخلاق والإستطيقا.. إلخ، فإن الفيلسوف التحليلي أرسطو ميز بين أنظمة المعرفة المختلفة. فميز بين ما هو نظري وما هو عملي وما هو شعري من الأنظمة (وهذه تطابق، على التوالي، النظرية (theoria) والتطبيق العملي (praxis) والشعر التي ترتبط بالمعرفة (episteme) والحكمة العملية والفن أو المهارة التقنية، وهدف المعارف النظرية تعيين الحقيقة.
"اعتبر أرسطو ثلاثة معارف نظرية هي فلسفة الطبيعة والرياضيات والماورائيات (metaphysics)، وهدف الفلسفة الطبيعية تحديد الأشياء المدركة بالحس والمتغيرة. وهدف الرياضيات تحديد الصفات الكمية الثابتة، أما الميتافيزيقا، فتستهدف تحديد الأشكال الثابتة المستقلة، وهو، بهذا المعنى، كان يتكلم بمصطلحات المستويات المتزايدة في التجريد، بدءاً من الفلسفة الطبيعية مروراً بالرياضيات إلى الميتافيزيقا"([23]).
الميتافيزيقيا وطبيعة الله :
لقد "نشأت ميتافيزيقا أرسطو من علم احيائه. كل شيء في العالم يحركه باعث داخلي ليصبح شيئاً اكبر مما كان عليه. وكل شيء هو كلتا الصورة أو الحقيقة التي نشأت عن شيء كان مادة لها. والذي قد يكون بدوره مادة لصور أكبر تنشأ عنه. وهكذا فإن الرجل هو الصورة الذي كان الطفل مادة لها. والطفل هو الصورة التي كان الجنين مادة لها. والجنين هو الصورة والبويضة هي المادة. وهكذا نعود إلى الخلف إلى ان نصل بطريقة غامضة إلى تصور المادة بغير صورة اطلاقاً، ولكن هذه المادة بغير صورة سوف لا تكون شيئاً، لأن كل شيء صورة. ان المادة بمعناها الأوسع، هي إمكانية الصورة، والصورة هي الحقيقة، الحقيقة التامة للمادة. المادة تسد والصورة تبني، ان الصورة ليست الشكل فقط ولكنها القوة المشكلة، وهي ضرورة داخلية وباعث يعجن المادة المجردة إلى شكل وغرض خاص، انها تحقيق مقدرة المادة القوية، انها كمية القوى الكامنة في أي شيء ليعمل ويكون ويصبح، وبالتالي فإن الطبيعة غزو الصورة للمادة والتدرج والتقدم الدائم وانتصار الحياة"([24]).
ان هذا النظام والتصميم بالنسبة إلى ارسطو أمر داخلي وينشأ من نوع الشيء وعمله، فهو يعتقد بان العناية الإلهية تنسجم تماماً مع عملية الأسباب الطبيعية.
يقول أرسطو: "انه لا بد أن يكون للحركة مصدر اذا اردنا أن لا نغطس في رجوع لا نهائي. واضعين خلفنا مشاكلنا خطوة فخطوة إلى ما لا نهاية. ويجب أن نقوي الايمان بالله المحرك الأكبر ولكنه هو نفسه لا يتحرك، وهو كائن، معنوي لا مادي غير مرئي، ولا مكان له لا مذكر ولا مؤنث، ولا يتغير أو يتأثر، تام وأبدي، ان الله لا يخلق العالم، بل يحركه، ولا يحرك العالم كقوة ميكانيكية ولكن كمحرك كلي لجميع عمليات العالم. ان الله يحرك العالم كما يحرك المحبوب المحب. انه السبب النهائي للطبيعة. والقوة الدافعة للاشياء وهدفها، انه صورة العالم، ومبدأ حياته ومجموع تفاعله الحيوي وقوته، وهدف نموه الغريزي"([25]).
ومع ذلك "فإن ارسطو بتناقضه المعتاد يصور الله روحاً مدركة لنفسها، أو بالأحرى يصوره روحاً غامضة مبهمة، لان الله لا يفعل شيئاً أبداً في نظر ارسطو وليست له رغبات ولا إرادة ولا هدف، انه حيوية خالصة لدرجة انه لا يعمل ابداً، وهو كامل كمالا مطلقاً، لذلك ليس بمقدوره أن يغرب بأي شيء لذلك فهو لا يفعل شيئاً، وعمله الوحيد هو التفكير في جوهر الأشياء. وبما انه نفسه جوهر جميع الأشياء وصورة جميع الصور، فان وظيفته الوحيدة هي التفكير في ذاته، يا له من اله فقير هذا الاله الذي يعتقد به ارسطو، انه ملك لا يفعل شيئاً ملك بالاسم لا بالفعل. ولا غرابة في ان يحب البريطانيون ارسطو لأن إلهه صورة طبق الأصل من ملكهم، أو صورة عن ارسطو نفسه. لقد احب فيلسوفنا التأمل والفكر إلى درجة أن ضحى من اجل هذا التأمل بمفهومه عن الله. ان الهه –كما يقول ديورانت- من نوع لا خيال فيه، وهو منعزل في برجه العاجي بعيداً عن صراع الأشياء"([26]).
الأخلاق وطبيعة السعادة عند أرسطو :
يعترف أرسطو "بأن هدف الحياة ليس الخير في حد ذاته، بل السعادة، لاننا نختار السعادة لذاتها، لا لشيء آخر، ونحن نختار الشرف، والسرور والادراك..لاننا نعتقد اننا نصل عن طريقها إلى السعادة، ونكون سعداء بفضلها، ولكن ارسطو يعرف ان تسمية السعادة بالخير الاسمى مجرد حقيقة اولية، وما نريده هو تفسير أوضح عن طبيعة السعادة، وطريق الوصول إليها، عن طريق التفكير والعقل، لذلك يمكننا ان نفترض أن تطور هذه المقدرة الفكرية سيحقق له السعادة. عندئذ تكون حياة العقل شرطاً للسعادة باستثناء قضاء بعض اللوازم الجسدية"([27]).
أما "الطريق لبلوغ السعادة، الذي يوفر على الإنسان الكثير من التأخير والعناء، فهو –عند أرسطو- الطريق الوسط، أو الوسط الذهبي، حيث تنظم الاخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والاخير فيه تطرفاً ورذيلة، والوسط فضيلة أو فضل، وهكذا يكون بين التهور والجبن فضيلة الشجاعة، وبين البخل والاسراف فضيلة الكرم، وبين التهور والجبن فضيلة الطموح، وبين الخضوع والعتو فضيلة الاعتدال، وبين الكتمان والثرثرة فضيلة الامانة، وبين الكآبة والمزاح فضيلة البشاشة وبين محبة الخصام والتملق فضيلة الصداقة، عندئذ لا يختلف الصواب في الاخلاق والسلوك عن الصواب في الرياضيات والهندسة، حيث يعني الصحيح والمناسب وافضل عمل لأفضل نتيجة" ([28]).
في هذا الجانب يقول أرسطو: "ان الفضيلة فن يمكن كسبه بالمران والعادة، اننا لا نعمل الصواب لان لدينا فضيلة أو فضل. ولكن الفضيلة موجودة فينا لأننا عملنا الصواب. هذه الفضائل تتشكل في الإنسان بعمله لها. اننا عبارة عما نفعل دائماً، لكن أرسطو يعتقد بأن الوسط الذهبي ليس كل السعادة، بحيث يجب أن يتوفر لدينا جانب من متاع الدنيا وحاجاتها، فالفقر يجعل من الإنسان بخيلاً شحيحاً، بينما المال يحرر الإنسان من الحرص والشَّرَه، كما أن أنبل الأمور التي تساعد في الوصول إلى السعادة هي الصداقة، لإنها ضرورية للإنسان السعيد أكثر من الإنسان التعيس، لان السعادة تزيد وتتضاعف بمشاركة الاخرين فيها، وهي اكثر أهمية من العدالة، اذ لا حاجة للعدالة عندما يكون الناس أصدقاء، فعندما يكون الناس عادلين مقسطين، تبقى الصداقة نعمة وفضل، فالصديق روح واحد في جسدين، ومع ذلك فإن الصداقة تعني قلة الأصدقاء، لا كثرتهم، وذلك الذي له أصدقاء كثيرون لا صديق له. ومن المتعذر ان تكون صديقاً لكثير من الأصدقاء اذا اردت الصداقة المخلصة"([29]).
إن الإنسان المثالي في رأي أرسطو "هو الذي لا يُعَرِّض نفسه بغير ضرورة للمخاطر، ولكنه على استعداد لان يضحي حتى بنفسه في الازمات الكبيرة، مدركاً أن الحياة لا قيمة لها في ظروف معينة، وهو يعمل على مساعدة الناس، ولكنه يرى العار في مساعدة الناس له، لان مساعدة الناس ونفعهم دليل التفوق والعلو، ولكن تلقى المساعدات منهم دليل التبعية وانحطاط المنزلة، كما أن الإنسان المثالي –كما يراه أرسطو- لا يشترك في المظاهر العامة، وينأى بنفسه عن التفاخر والتظاهر، وهو صريح في كراهيته وميوله، وقوله وفعله، بسبب استخفافه بالناس وقلة اكتراثه بالأشياء، ولا يهزه الاعجاب بالناس أو اكبارهم، اذا لا شيء يدعو إلى الاعجاب والاكبار في نظره، ولا يساير الاخرين، الا اذا كان صديقاً لان المسايرة من شيم العبيد، ولا يشعر بالغل أو الحقد ابداً، ويغفر الإساءة وينساها، ولا يكثر الحديث.. ولا يبالي بمدح الناس له أو ذمهم لغيره، ولا يتكلم بالسوء عن الاخرين ولو كانوا أعداء له، شجاعته رصينه، وصوته عميق، وكلامه موزون، لا تأخذه العجلة، لان اهتمامه قاصر على أشياء قليلة فقط. ولا تأخذه الحدة أو يستبد به الغضب، ويتحمل نوائب الحياة بكرامة وجلال، باذلاً جهده قدر طاقته وظروفه، كقائد عسكري بارع ينظم صفوفه بكل ما في الحرب من خطط. وهو أفضل صديق لنفسه، ويبتهج في الوحدة، بينما نرى الجاهل العاجز المجرد عن الفضيلة أو المقدرة عدو نفسه ويخشى الوحدة، هذا هو الرجل المثالي في نظر أرسطو"([30]).
المجتمع الطبقي لدى أرسطو:
ميز أرسطو بين الرجال الأحرار المستقلين – أي الإنسان بأفضل معنى- والرجال ذوي عقلية العبودية، طبيعياً، أي: جرت العادة على استخدام العبيد في الأعمال الجسدية، ورأى أرسطو أن مثل تلك الحياة هي أقل قيمة من حياة الرجال الأحرار اليونانيين. واعتقد أرسطو أيضاً أن هؤلاء العبيد المستعبدين هم عبيد بطبيعتهم.
"بالنسبة إلى أرسطو هناك علاقة تضايف بين عمل العبد وهو في حالة العبودية وصفاته الشخصية، بحيث يبدو العبيد، من المنظورين كليهما، دون الإنسان اليوناني الحر، وبهذه الطريقة وضع أرسطو العبيد والنساء في وضع سفلي نسبة إلى وضع الرجال اليونانيين الأحرار: فكلاهما ينتميان إلى المنزل، وليس إلى الحياة العامة في السوق، فالنساء والعبيد كلاهما، بطبيعتهما ونسبة إلى صفاتهما، يقعان في مستوى أدنى من مستوى الرجال الأحرار الذين يظهرون في الأمكنة العامة لدولة المدينة"([31]).
تجدر الإشارة إلى أن الكائن البشري عند أرسطو هو الذكر بشكل رئيسي، بينما ترتبط النساء، بشكل رئيسي بالأسرة والبيئة الأهلية، وهناك يمكنهن أن يحققن أفضل إمكانياتهن. لذلك، عندما نقول إن الإنسان يحقق طبيعته في دولة المدينة، علينا ان لا ننسى أن هذا القول لا ينطبق، عند أرسطو، على النساء ولا على العبيد.
"يقول أرسطو : ان المرأة من الرجل كالعبد من السيد، وكالعمل اليدوي من العمل العقلي، وكالبربري من اليوناني، والمرأة رجل ناقص، تُرِكَتْ واقفة على درجة دنيا من سلم التطور، والذكر متفوق بالطبيعة؛ والمرأة دونه بالطبيعة، والأول حاكم والثانية محكومة؛ وهذا المبدأ ينطبق بالضرورة على جميع الجنس البشري. ان المرأة ضعيفة الإرادة، وبذلك فهي عاجزة عن الاستقلال في المرتبة والخلق. وافضل مكان لها حياة بيتية هادئة، تكون لها السيادة المنزلية بينما يحكمها الرجل في شؤونها الخارجية، لذلك يجب أن لا تتساوى النساء مع الرجال كما في جمهورية افلاطون، ولا بد من زيادة الفوارق بينهما"([32]).
ادعى البعض أن أرسطو لم يكن واضحاً، في مسألة ما إذا كانت الحياة الصالحة هي الحياة المعروفة في النشاط النظري أو هي الحياة في متَّحد اجتماعي سياسي عقلاني، غير أنه عندما تكون المسألة مسألة العلاقة بين المتَّحد السياسي العقلاني والعمل المنتج الضروري، فالواضح أن أرسطو اعتبر الأول هو خير للبشر، وهو هدف في حد ذاته، وأن العمل الجسدي مع ما يرافقه من استجمام لا يمثل الحياة الجيدة، وليس له قيمة في ذاته.
لذلك، فإن الذين يُنَفِّذونَ مثل ذلك العمل، سواء أكانوا عبيداً أم لم يكونوا، لا يحققون الحياة الإنسانية بأفضل أشكالها، لأن الفروق الطبقية في زمن أرسطو شكل تمييز بين من يقومون بعمل يدوي ومن يقومون بنشاط فكري وسياسي، لذلك إعتقد أرسطو أن هذه العملية التشكيلية "الأنسنة" تحدث بشكل رئيسي في النشاط الفكري والسياسي، وليس في العمل الجسدي، وهنا لا يختلف أرسطو عن أستاذه أفلاطون، فقد كان الفكر الافلاطوني ينهض برمته على أساس اتحاد وثيق العرى للغاية بين الحياة العقلية والاخلاقية والسياسية وفق منطلقات ارستقراطية.
بيد أن هذا الكل المترابط –كما يعلق إميل برهييه- "يتفكك ويتناثر لدى أرسطو: فالخير الاخلاقي أو الخير العملي، أي الخير الذي يمكن للإنسان بلوغه بأعماله، لا يمت بصلة إلى مثال الخير الذي كان الجدل وضعه في اعلى الموجودات ؛ وليست الاخلاق علماً من العلوم الدقيقة مثل الرياضيات، وانما تعليم يرمي إلى أن يجعل الناس أفضل مما هم عليه، وليست غايته أن يزودهم بآراء قويمة حول الاشياء التي ينبغي عليهم طلبها أو الهرب منها فحسب، بل أن يحملهم فعلاً على طلبها أو الهرب منها.
إذ "لا يكفي أن تعرف الفضيلة، بل ينبغي أيضاً أن تمتلك وتمارس". ولا يجوز لمعلم الاخلاق أن يتعلل بالأوهام بصدد نجع تعليمه: فالخطب والمواعظ لا تكفي لتلهم الناس الطيبة؛ صحيح انها ستثمر إذا ما توجهت إلى فتيان من ذوي النفوس الكريمة والشريفة، لكنها تقف عاجزة عن الأخذ بيد السوقي إلى الفضيلة.
الاخلاق تعليم اذن، لكنه تعليم ارستقراطي؛ وما هي بوعظ وإرشاد للجمهور، وانما دعوة اهل المواهب إلى التفكير والتأمل، أما الباقون فحسبهم العادة وخوف القصاص، بل أكثر من ذلك: فالفضيلة لا يكتب لها تمام النماء فيما يظهر إلا بين ظهراني الطبقات الميسورة: "فمن المتعذر أو من العسير للغاية على المعوز ان يأتي كريم الفعال، إذ كثيرة هي الاشياء التي لا يستطيع الإنسان قياماً بها إلا إذا اعتمد، في جملة وسائطه، على أصدقاء وثروة وسلطان سياسي"؛ ولا يسع إنساناً عظيم القبح، خسيس النسب، منفرداً ولا نسل له، أن يبلغ إلى السعادة الكاملة، كما وليس في المستطاع ممارسة بعض الفضائل النفسية، نظير الشجاعة والسخاء والادب والعدل، إلا في مستوى اجتماعي محدد؛ "لا يملك الفقير ان يكون يكون كريماً؛ إذ ليس في حوزته ما يمكنه من الانفاق على سعة؛ ولو حاول ذلك، لكان غبياً أحمق"([33]).
لذا نقول "إن أرسطو كان أقرب إلى الآراء الشائعة في زمانه من أفلاطون، فهو مشارك في النظره التقليدية التي كانت تقول إن الرجال أعلى مرتبة من النساء، حتى أنه يوظف حججاً بيولوجية لدعمها، أما بالنسبة إلى نظرة أرسطو إلى الأخلاق، فإننا نجده يميز نفسه من أفلاطون في عدد من النقاط، لقد رأينا أن أرسطو انتقد نظرية أفلاطون المفيدة أن للمُثُلْ وجوداً مستقلاً عن الأشياء، وهذا النقد ينطبق أيضاً على مثال الخير، فالخير الذي هو هدف الحياة الإنسانية ليس عند أرسطو شيئاً منفصلاً عن الإنسان، فالخير موجود في طريقة حياة الكائنات البشرية"([34]).
والخير عند أرسطو، هو "السعادة أو النعيم، أي الحالة التي تتطلب على وجه التحديد أن يحقق الناس أفضل قدراتهم في المجتمع، عبر مراحل التشكل الاجتماعي الثلاث، بحيث يجد كل شخص موقعه، أو موقعها، في المجتمع، أي يصير إنساناً فاضلاً، كما رأى أرسطو أيضاً أن الحياة في في نشاط نظري ملائمة لجلب السعادة، وبخاصة لمن يملكون قدرات نظرية جيدة. غير أن الأشخاص المختلفين لهم قدرات وإمكانيات مختلفة، لذا، ليس ملزماً أن تكون الحياة الجيدة متشابهة عند الجميع"([35]).
في ضوء ما تقدم، فإن القراءه الدقيقة لفكر أرسطو، تبين أنه –كما يرى بحق د. حامد خليل- لم يخرج من حيث الجوهر عن إطار نظرية سلفه، استاذه أفلاطون في الإنسان، وكل ما في الامر هو أن البنية الطبقية للمجتمع اليوناني طرأ عليها بعض التعديل، مما اقتضى من أرسطو القيام بتعديلات طفيفة على نظرية أفلاطون، تتناسب مع حجم التحويل الاجتماعي المذكور. أما جوهر النظرية فقد ظل على ما هو عليه دونما تغيير، لقد كان أرسطو في خدمة فيليب المقدوني، الذي استولى باسم الوحدة على مدن اليونان، التي كان قد استشرى فيها الفساد التجاري، وعمت فيها الفوضى السياسية. فالتجار ورجال المال كانوا يبتلعون الموارد الحيوية، ولا شك أن ذلك الخضم الهائل من الفوضى والصراع والتناحر الطبقي، فرض على فيليب أن يكون حذراً، وقد بدا له أن اللجوء إلى الحسم لصالح احدى الطبقات ليس بالوسيلة الممكنة لتحقيق حلمه الكبير بإقامة امبراطورية يكون هو على رأسها يأمر فيطاع، والأصح أن يمسك بالعصا من الوسط، وأن يبتكر توليفة للدولة تحقق التوازن بين تلك المصالح المتعارضة، وطبعاً سيقتضي الامر التخفيف من غلواء مطالب الطبقة الأولى من جانب، وضبط جموح تلك الجموع الغفيرة من القوى المتوسطة الثروة الصاعدة والمتطلعة إلى تصدر قيادة المجتمع من جانب آخر، والحق أن القارئ لفلسفة أرسطو –كما يستطرد د. حامد خليل- يكتشف أنها كانت انعكاساً دقيقاً لذلك الاسلوب الوسطي في معالجة الامور، الذي يهدف في نهاية الامر إلى ترسيخ قيم ما يمكن تسميته بلغتنا الدارجة بالطبقة الوسطى الفتية، ولذلك ظهرت فكرة الاعتدال كفكرة محورية تتمركز حولها نظرية الإنسان عند أرسطو بالكامل"([36]).
وبالطبع "فان الاعتدال المذكور والتوازن الذي يترتب عليه، لم يكونا يستهدفان مصلحة كل الناس في الإمبراطورية، وإنما مصلحة الطبقات العليا منهم، أي ان أرسطو ظل أمينا مخلصا لتراث سلفه أفلاطون في الابقاء على التقسيم الطبقي للإنسان، والفرق الوحيد بينهما في هذا المجال هو أن "أفلاطون" كان منحازاً بالكامل إلى صف الطبقة العليا التي كانت تشكل الاقلية في المجتمع الاثيني، بينما انحاز أرسطو إلى جانب الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل الاغلبية من بين المالكين والتجار، مستجيباً في ذلك لمقتضيات مرحلة فيليب الجديدة"([37]).
الإنسان والمجتمع والدولة عند أرسطو:
أرسطو لا يسلم بأن الفرد يتشكل بثقافة المجتمع التي تنمو باطراد عبر التاريخ، تماماً كما هو الحال لدى أفلاطون، وعلى هذا النحو يكون المجتمع عنده مجرد حزمة من الأفراد، وتكون وظيفته الوحيدة هي توزيع السلع والمنتجات بين الناس على أسس حسابية صرفة، على أنه حين ينتقل إلى الدولة ليحدد علاقة الأفراد بها، تجد أن الامر مختلف تماماً، فالامبراطور بحاجة إلى سند عقلي لتبرير قيام دولة يكون هو على رأسها، وليس بحاجة إلى تكوين نسيج اجتماعي تكون مهمته إعداد آدميين".
ويبدو أن "أرسطو" كان أفضل من يقوم بهذا الدور –كما يقول د. حامد خليل- "فالدولة بالنسبة له هي غاية في ذاتها، وليست وسيلة من اجل خدمة المواطنين، ولهذا ففي مقدورها التضحية بأي مواطن تشاء، يقول أرسطو تأكيداً لذلك : "لا يوجد مواطن ينتمي إلى نفسه، وإنما الكل ينتمون إلى الدولة".
اذ يجب ان يكون المواطن الصالح قادراً على اطاعة الأوامر والقيادة معاً، والنظام المدرسي الحكومي وحده هو الذي يستطيع تحقيق الوحدة الاجتماعية بين الاجناس والسلالات المختلفة، فالدولة –كما يقول أرسطو- هي تّجّمُّع لطوائف متعددة مختلفة، لذلك يجب توحيد هذا التعدد عن طريق التعليم.
لذلك "ينبغي على الحاكم الذي يريد أن يتجنب الثورة ان يمنع في بلاده تطرف الفقر وتطرف الثروة، ويشجع الاستعمار في الخارج كمخرج لتكاثف السكان الخطير في بلاده. ويكون متديناً وينمي النزعة الدينية في بلاده، كما ينبغي ان يظهر الحاكم، وخصوصاً الحاكم المطلق أو المستبد اهتمامه في إقامة شعائر الدين وعبادة الالهة، لان الناس اذا اعتقدوا بتدين الحاكم وتوقيره للالهة، يقل خوفهم من نزول الظلم بهم على يديه، ويقل ميلهم وتدبيرهم في التآمر عليه، لاعتقادهم بأن الآلهة ستحارب بجانبه"([38]).
أما التبرير الذي ساقه لتدعيم فكرة الدولة على النحو المذكور، فلم يكن خلق اتحاد تعاوني حقيقي بين المواطنين بوصفهم جميعهم كائنات بشرية، وإنما جعل مواطنيها عادلين وصالحين، وقد يبدو هذا التسويغ مقبولاً إذا فهمنا منه أن أرسطو كان يستهدف فعلاً صلاح المواطنين وخيرهم، وتنمية قواهم الروحية، والارتقاء بإنسانيتهم، لكن فهم ما يقصده بالعدالة والصلاح يبدد هذا الوهم، إذ هو يجعل من مصلحة فيليب ومصلحة الطبقة الوسطى المثل الأعلى والوحيد الذي كان يرجو تحقيقه في الواقع. وهذا ما تكشف عنه الصورة التي رسمها للعدالة أولاً، وللدولة الفاضلة أو المثلى ثانياً، فالعدالة هي الاعتدال، أو هي الحد الأوسط بين طرفين مرذولين: الافراط والتفريط"([39]).
وحين ترجم أرسطو هذا إلى لغة اجتماعية، "بدت العدالة أنها الحد من افراط استبدادية الاوليجاركية، ومن التفريط في الديمقراطية؛ بحيث يؤدي الامر في نهاية المطاف إلى تحقيق حكم الشعب – الغوغاء على حد تعبيره، أو قل إن العدالة هي تحديد حكم طبقة متوسطة قوية تتألف من أولئك الذين ليسوا بالأغنياء جد الغنى، ولا بالفقراء غاية الفقر، وطبعاً لم يكن يقصد أرسطو مشاركة الطبقة المذكورة لفيليب في ادارة شؤون الحكم تماماً، وإنما أن يضمن الدستور مصالح تلك الطبقة لكي تكون السند القوي له في استمراره على رأس تلك الامبراطورية"([40]).
أرسطو .. والموقف من الديمقراطية والأرستقراطية:
كان أرسطو في كل طروحاته الفلسفيه المرتبطة بأفكاره حول الدولة والحكومة، خصماً وعدواً لدوداً للديمقراطية، منحازاً للنخبة الارستقراطية القادرة وحدها كما يقول على إقامة أفضل نظام حكومي يحول دون تطبيق شعارات الديمقراطية والمساواه بين الجميع، وذلك انطلاقاً من مقولته الشهيرة "أن هناك أناساً ولدوا لكي يكونوا أسياداً، وهناك أناساً ولدوا لكي يكونوا عبيداً"، وبذلك تفوق أرسطو في مواقفه المعادية للديمقراطية ليس على سقراط فحسب، بل أيضاً تفوق على استاذه ومعلمه أفلاطون معلناً رفضه للمجتمع الاشتراكي الطوباوي في جمهورية استاذه، ورفضه لشعار إلغاء الملكية والمساواة وفق تصور أفلاطون وذلك لان الديمقراطية عند أرسطو تقوم على افتراض كاذب من المساواه، اذ انها تقوم على فكرة ان المتساوين في حق واحد (حق المساواة امام القانون مثلاً) يكونون متساوين في جميع الحقوق، ولما كان الناس متساوين في الحرية، فهم يطالبون بالمساواة في كل شيء، والنتيجة لذلك تضحية الكفاءة والمقدرة على مذبح العدد، والجماهير عرضة للغش والخداع لأنها سهلة التضليل، متقلبة الاهواء، لذلك يجب ان يكون الانتخاب قاصراً على العقلاء، وما نحتاج إليه هو مزيج من الديمقراطية التي تخدم الطبقة الأرستقراطية وحكومتها"([41]).
إن هذه الاخلاق الارستقراطية التي تميز ارسطو هي إنعكاس لفلسفته السياسية الأرستقراطية، وليس من المتوقع أن نجد في معلم الامبراطور (الاسكندر) أو زوج الاميرة روابط وثيقة مع عامة الشعب، أو حتى مع طبقة التجار البورجوازية، يقول أرسطو "ان سياستنا تكمن في كنوزنا أو بعبارة أوضح من ثروتك اعرف ميولك"([42]).
ان ارسطو يحارب واقعية افلاطون في الكليات ومثاليته في الحكومات. فقد وجد بقعاً سوداء عدة في الصورة التي رسمتها ريشة الأستاذ، ولم يستسغ طعم فكرة المعسكرات التي فرضها افلاطون على فلاسفته، وباعتبار كونه محافظاً فهو يضفي أهمية وتقديراً على صفات العزلة والانفراد والحرية، ويضعها فوق المقدرة الاجتماعية والسلطة، ولا يحرص على مناداة كل معاصر بأخ أو أُخت ولا كل مسن بأب أو أُم، واذا كان الجميع اخوتك –كما يقول أرسطو- فلا اخوة لك، كما أن امتلاكك للشيء يبعث في نفسك حبه والاهتمام به، ويوقظ الحب الحقيقي في نفسك وهذا مستحيل في دولة كدولة افلاطون.
ربما شاهد الماضي البعيد المظلم، مجتمعاً شيوعياً (المجتمع المشاعي)، كانت الاسرة فيه الدولة الوحيدة، وكانت المراعي والفلاحة وسيلة الحياة الوحيدة. ولكن في دولة ذات مجتمع أكثر انقساماً، حيث ينقسم العمل إلى أعمال غير متساوية الأهمية تؤدي إلى اتساع الفوارق وعدم المساواة بين الناس، هنا في مثل هذا المجتمع تنهار الشيوعية لانها لا تقدم حافزاً كافياً لجد وكد الفئة المتفوقة في قدرتها، وبالتالي، فإن باعث الكسب ضروري للكدح في العمل المضني، كما ان حافز الملكية ضروري للصناعة والفلاحة والاهتمام في العمل، فعندما يملك كل فرد كل شيء لا أحد يهتم بأي شيء. واشتراك الكثيرين من الناس في الشيء يدعو إلى قلة اهتمامهم به، كل انسان يفكر أولاً في مصلحته وما تملك يداه، وبالكاد ان يفكر في المصالح العامة"([43]).
"فمن الصعب دائماً أن يعيش الناس مع بعضهم في معسكرات مشتركة، أو يشتركون في ملكية الأشياء وخصوصاً في اشتراكية الملكية، فقد طُبعَ الناس منذ الساعة الأولى من ولادتهم ليكون بعضهم حكاماً وبعضهم محكومين، وذلك الذي يدرك بعقله أعدته الطبيعة –حسب أرسطو- ليكون سيداً، وذلك الذي لا يقدر على العمل الا بجسمه أعدته ليكون عبداً" ، فالعبد من السيد كالجسم من العقل، وبما أن الواجب خضوع الجسم للعقل لذلك من الأفضل ان يتدرج جميع الضعاف تحت حكم السيد الارستقراطي، ان العبيد آلة حية، والآلة عبد لا حياة فيها"([44]).
هذه الفلسفة توضح احتقار أرسطو والأرستقراط للأعمال اليدوية، وقد نظر ارسطو إلى الاعمال اليدوية نظرة تَرَفُّع، من فوق إلى أسفل، من أعالي الفلسفة، واعتبرها جديرة بصغار العقول أو الذين لا عقول لهم، فالأعمال اليدوية تتناسب مع العبيد فقط، حيث يعتقد أرسطو -كما يقول ديورانت بحق- "ان العمل اليدوي يؤدي إلى بلادة العقل وإتلافه، ولا يترك وقتا أو نشاطاً للذكاء السياسي، ويرى نتيجة لذلك ضرورة اشتراك من تتوفر لهم أوقات الفراغ في الحكومة، ويقصد بذلك الأرستقراطيين.
كذلك "احتقر أرسطو التجار وأصحاب المصارف، أما أكثر أنواع التبادل المالي كراهية في نظره فهو الربا، "إذ أن الربا يَسْتَخْرِج الربح من المال نفسه، ولا يَستَخدم المال استخداماً طبيعياً، لأن المقصود بالمال ان يكون وسيلة للتبادل، لا لتوليد الفائدة، هذا الربا الذي يولد المال من المال أكثر وسائل الكسب بعداً عن الطبيعة، ويجب عدم تُوَلِّيد المال من المال، وبذلك فان بحث الشئون المالية جدير بالفلسفة، لأن الانشغال في الشؤون المالية أو كسبها لا يليق بالرجال الأحرار"([45]).
نقد فلسفة أرسطو:
يقول ديورانت: "اننا نفقد في أرسطو حماسة افلاطون للإصلاح، كما نفقد فيه اصالة افلاطون وجرأته، وخياله الشامخ، ويضيف قائلاً: دعنا نلخص عدم اتفاقنا معه، ان ما يثير فينا الاستياء منه أولاً إصراره على المنطق، فهو يعتقد بأن القياس وسيلة الإنسان الصحيحة على التفكير السليم، مع انه مجرد وسيلة يلبس فيها تفكيره لأقناع عقول الآخرين، وهو يفترض بأن الفكر يبدأ بالمقدمات والبحث عن نتائجها، بينما يبدأ الفكر في الحقيقة بالنتائج الافتراضية والبحث عن مقدماتها المُبَرِّرة لها، والبحث عنها بطريقة أفضل بملاحظة الحوادث المعينة في حالات التجربة المنفصلة"([46]).
" لقد امتاز في جمع المعلومات وترتيبها، وفي كل ميدان نجده يحسن استعمال تنسيقاته ويضع فهارس لها. ويسير جنباً إلى جنب مع هذه الميول والمواهب في الملاحظة انشغاله وانهماكه في الميتافيزيقا الافلاطونية، انه يخشى الفوضى كثيراً لدرجة أنْسَتْهُ الخوف من العبودية والرق، ويخشى عواقب التغيير لدرجة دفعته إلى تفضيل عدم التغيير الذي يعني الجمود والموت، وينقصه معنى التدفق الذي امتاز به هرقليطس، وينسى بأن شيوعية افلاطون كانت تقصد الأقلية فقط، وهي الأقلية البعيدة عن الشراهة والإثرة"([47]).
وفي سياق النقد الموضوعي لفلسفة أرسطو من منظور تقدمي، لا يسعني سوى أن أقدم هنا وجهة نظر المفكر الراحل د. حامد خليل في تحليله العميق لتصور أرسطو للإنسان.
يقول د. خليل "الواقع أننا ننتهي مع أرسطو إلى تصور ضيق ومحدود وممسوخ للإنسان، فالإنسان بالنسبة له ليس الإنسان – النوع، أو الإنسان بما هو كذلك، أو كل آدمي أيا كان، إنه أولاً وقبل كل شيء الإنسان اليوناني، إذ أن الاغريق هم وحدهم – وفقاً لارسطو- دون سائر الناس أصحاب المواهب الضرورية – للارتقاء نحو الأعلى، وإذن فهم وحدهم السادة بحكم الطبيعة. اما بقية الناس "الغرباء"، ويشمل ذلك كل ما ليس بيوناني، فهم عبيد بالطبيعة أيضاً، ذلك أنهم من نوع أدنى من المخلوقات. ولدوا ضعافاً وغير أكفاء لأن يحكموا أنفسهم، ولذا فلا جدوى من السعي إلى الارتقاء بهم لكي يصبحوا بشراً"([48]).
في هذا الجانب، نشير أيضاً إلى أن أرسطو حتى داخل "مملكة البشر" اليونانية، لا تجد أن الإنسان هو اليوناني، بما هو يوناني تحديداً، فالمرء لا يكون مواطناً بمحل الاقامة وحده، وإنما يتميز المواطن – الإنسان بانه من يتوفر له الفراغ للنظر العقلي، بحيث توكل إليه مهمة المشاركة في الحياة العامة، كأن يتمتع بعضوية الجمعية الشعبية، أو بوظائف القضاء، وهذا لن يتأتى إذا كان ذلك المواطن مزارعاً أو صانعاً أو صاحب حرفة، فكل هؤلاء ليس لديهم فراغ للتأمل العقلي.
وإذن لا يبقى لكي يكون الإنسان انساناً بحق سوى أن يكون مالكاً متوسطاً، شريطة أن يكون في مقدوره استخدام عمال يتعهدون أرضه التي يملكها بالرعاية والعناية، أو أن يكون تاجرا متوسطاً أيضاً. أي أن تقتصر مهمته على الاشراف فقط، وليس على نقل البضائع تصريفها لكي يكون لديه وقت فراغ من أجل التأمل. وطبعاً سيتطلب هذا استخدام آخرين للقيام بالمهمات المذكورة (نقل وتصريف البضائع)"([49]).
وحتى داخل هذه الطبقة، فان لفظ "انسان" لا يجوز ان يُحْمَل الا على الذكور فقط، فالأنثى غير مساوية للرجل في القدرات الطبيعية والمواهب، ولذا فهي تسقط من حساب أرسطو وهو يوزع "انسانيته" على البشر.
تلكم هي عصارة تفكير أرسطو الذي شغل –مع أفلاطون- العقل البشري لأكثر من عشرين قرناً، وتلكم هي جمهورية احداهما الفاضلة، ودولة ثانيهما المثلي، وتلكم كذلك الصورة التي ابدعتها عبقريتهما الفذة للمَثَلْ الأعلى الإنساني الذي يجب أن يُحتذى، وذلك هو التحرر الذي سعيا إلى تحقيقه للإنسان من اغترابه وقهره، والشرط الذي وصفاه للارتقاء به (توفر الفراغ للتأمل وممارسة فن القيادة).
"فهل فعلاً حرراً أحداً، أعني –كما يقول د. حامد خليل- "الارستقراطيين الكبار عند أفلاطون، والارستقراطيين المتوسطين عند أرسطو؟ الواقع أن الإجابة عن السؤال ستكون بالنفي، فتحرير المذكورين من العوائق التي تحول دون ازدياد ثرواتهم، أو دون ممارساتهم للسلطة كيفما يشاؤون، ليس أبدا تحريراً لهم، ولا تحقيقاً لانسانيتهم، على العكس من ذلك فان تركهم ينغمسون في جمع الثروة، إنما هو ترسيخ شديد لانحطاطهم ودونيتهم وبهيميتهم، وتجريدهم من كل معنى انساني، او من آدميتهم، كذلك فإن اطلاق العنان لهم في ممارسة سلطاتهم دونما ضابط، إنما هو انحدار بهم إلى مستوى الوحوش الكاسرة التي لا تمت بصلة إلى الإنسان، ذلك إن غنى الإنسان في غنى الآخرين، وتحرره يرتبط بتحريرهم، والقيمة لا تكون شيئاً إن لم تكن قيمة اجتماعية، وغير ذلك تكون مجرد طنين فارغ في هاوية عميقة"([50]).
ولكن بعد هذا النقد الضروري لأرسطو، ستبقى فلسفته –كما يقول ديورانت- "أبدع النظم الفكرية وأكثرها تأثيراً، والتي قام بوضعها عقل واحد فقط. ونشك في ان يكون مفكر آخر قد ساهم بمثل هذه الكثرة في تثقيف العالم وتنويره. لقد استمدت الأجيال كلها من ارسطو، ووقفت على كتفيه لترى الحقيقة، ولعب منطقه دوراً كبيراً في تشكيل العقول في العصور الوسطى البربرية وفي تثقيفها وتهذيبها وصقلها وتنظيمها في أفكار متماسكة منظمة، وقام المسيحيون من اتباع المذهب النسطوري بترجمة اعماله الأخرى إلى اللغة السريانية في القرن الخامس بعد الميلاد، وإلى اللغة العربية في القرن العاشر، وثم ترجمت إلى اللغة اللاتينية حوالي عام 1225، محولة الفلسفة اللاهوتية من بداية فصاحتها في (ابلارد) إلى نهايتها في توما الاقويني.
وفي عام 1260 بدأ تدريس ارسطو في كل مدرسة مسيحية، كما فرضت الجمعيات الكنائسية عقوبة الضلال على المنحرفين عن آرائه، يقول دانتي في الحلقات الأولى من كتابه الجحيم "رأيت أرسطو هناك وسط الأسرة الفلسفية، وسط اكبار الجميع وتقديرهم، وهناك رأيت افلاطون وسقراط يجلسان بجانبه على اقتراب أكثر من الجميع"([51]).
هذه السطور تشير إلى الاهتمام الذي أحاط بفلسفة أرسطو طيلة ما يقرب من ألفي عام (منذ القرن الرابع ق.م حتى القرن السابع عشر الميلادي)، وبقي كذلك إلى ان تمكنت عوامل النهوض، الفكرية والمادية، في أوروبا من امتلاك ناحية العلم والتنويرو التقدم، التي وفرت مقومات ولادة عصر النهضة، ومن ثم نهاية تأثير الفلسفات الرجعية عموماً، وفلسفة أرسطو وافلاطون وأفلوطين خصوصاً.
أيامه الأخيرة وموته:
لقد تعقدت الحياة أمام فيلسوفنا تعقداً كبيراً، وبدأ الشقاق بينه وبين الاسكندر لاحتجاجه على اعدام كاليثينيس (ابن اخت ارسطو) الذي رفض ان يعبد الاسكندر الذي فرض الوهيته على الشعب: وقد أجاب الاسكندر على هذا الاحتجاج مشيراً إلى انه لن يتورع عن اعدام الفلاسفة ايضاً، وان هذا ضمن نطاق قدرته.
وكان ارسطو في الوقت ذاته منهمكاً في الدفاع عن الاسكندر بين الاثينيين، حيث رأى في الاسكندر ما رآه (جوته) بعد ذلك في نابليون، رأى فيه الوحدة الفلسفية لعالم تسوده الفوضى والاستياء.([52])
ومات الاسكندر بعد ذلك فجأة. وطغت الفرحة الوطنية على أثينا، وقام انقلاب أودى بالحزب المقدوني، وعندما وجد ارسطو ان مصيره قد ينتهي في محاكمته وسط جماهير اشد عداء من تلك التي قتلت سقراط،لأنه "كان في نظرهم خائناً، صديقاً للاسكندر، وقد رموه، كما رمي سقراط من قبل، بالتهمة المألوفة: الزندقة، كان ذلك في عام 323، فغادر أثينا تحاشياً، كما قال للاثينيين، "للإجرام بحق الفلسفة مرتين"، والتجأ إلى خلقيس، وكانت من حصون النفوذ المقدوني، وفيها قضى نحبه بعد عام واحد من جراء مرض معدي كان يعاني منه منذ زمن بعيد"([53]).
على كل حال فقد كان مرضه مميتاً، وبعد شهور قليلة من تركه أثينا مات وحيداً في عام (322 قبل الميلاد) وعمره 62 سنة.
قالوا عنه([54]):
- "أرسطو هو أمير الفلاسفة، ذاك الذي رُقِّيَ- بعد الانبياء- إلى أعلى درجات الحكمة البشرية" (موسى بن ميمون).
- "معلم العالمين". (دانتي).
- "أبغض عدو للنعمة الإلهية" (لوثر).
- "لا يمكن لأي عصر أن يقدم نظيره" (هيغل).
- "رأى أرسطو الطبيعة خيراً من أي مُحْدِث، لكنه تعجل أكثر مما ينبغي في إبداء ظنونه وأحكامه" (غوته).
- العرب والسكولائيون تبنوا أفكار أرسطو، بدون أن يطوروها .. وكثيراً ما أساؤوا فهمها بل حرفوها" (ميشليه).
- "لقد اخذ السكولائيون والخوارنة من أرسطو ما هو ميت، لا ما هو حي" (لينين).
- "يرى أرسطو، مثله مثل الاغريق قاطبة، في عقلنا مقياس الأشياء : ومن هنا استبعد من الواقع كل ما ليس معقولاً لنا" (ج. شيفالييه).
- "إنه، في الترتيب العام للفكر، الممثل الأول لأحد الإتجاهات الأساسية للعقل البشري، الاتجاه الوضعي والعلم، بالمقابلة مع الاتجاه المثالي، الهندسي والشعري، لأفلاطون .. وقد كان دوره في الانسانية منقطع النظير. (ا. كراوزيه)
([1]) ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران - قصة الحضارة "حياة اليونان" – المجلد الرابع (7/8) – الكتاب الثالث "العصر الذهبي" - ص 493
([2]) المرجع نفسه - ص 493
([3]) ول ديورانت– ترجمة: د.فتح الله محمد المشعشع - قصة الفلسفة – مكتبة المعارف – بيروت – الطبعة الخامسة 1985م – ص85
([4]) جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 52
([5]) ول ديورانت – مرجع سبق ذكره – قصة الفلسفة – ص70
([6]) المرجع نفسه – ص126
([7]) المرجع نفسه – ص127
([8])المرجع نفسه –ص78
([9])المرجع نفسه –ص76
([10]) إن المنطق حسب التعريف الأرسطي له هو العلم الذي يدرس قواعد التفكير السليم. وقد ظهر باعتباره علماً على يد أرسطو، إذ يعد هو واضع أسس وتفاصيل هذا العلم بأصوله وفروعه. ولم يخترع أرسطو طريقة في التفكير السليم أطلق عليها المنطق، بل كان يبحث عن القواعد العامة والكلية التي تحكم الفكر، أي فكر بصرف النظر عن مضمونه، ولهذا السبب سُمي المنطق الأرسطي بالمنطق الصوري. ويتضمن التفكير السليم الحكم الصحيح على الأشياء وتسميتها أو تعريفها ووصفها الوصف المناسب؛ وكذلك يتضمن طرقاً توصلنا من مقدمات إلى نتائج تلزم عنها، أي من أحكام أولى إلى أحكام تالية تتصف بالصدق. وعن تسمية الأشياء وتعريفها التعريف المناسب وضع أرسطو مبحث التعريفات الذي يتضمن ترتيب وتصنيف الأشياء حسب الأنماط الكلية التي تنتمي إليها وهى الكليات الخمس: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام. وعن الحكم وضع أرسطو مبحث القضية أو العبارة وما تتفرع عنه من أنواع، مثل القضية التي تثبت شيئاً عن موضوعها كله وهي الكلية الموجبة، والتي تنفي شيئاً عن موضوعها كله وهي الكلية السالبة، والتي تثبت شيئاً عن جزء من موضوعها وهي الجزئية الموجبة، والتي تنفي شيئاً عن جزء من موضوعها وهي الجزئية السالبة. وعن طرق تَوَصُّلنا من قضايا إلى قضايا أخرى تلزم عنها في صورة نتائج و ضع أرسطو مبحث القياس. (أشرف حسن منصور – نظرية المعرفة عند كانط باعتبارها فلسفة في المنطق – الحوار المتمدن – 17/12/2010)
([11]) جماعة من الأساتذة السوفيات– مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة –ص106-107
([12]) اميل برهييه – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفلسفة – ص 226
([13]) ول ديورانت– مرجع سبق ذكره - قصة الفلسفة – ص79
([14]) المرجع نفسه - ص80-81
([15]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 153
([16]) ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضارة "حياة اليونان" – المجلد الرابع (7/8) – الكتاب الثالث "العصر الذهبي" - ص 494
([17]) فرح أنطون – ابن رشد وفلسفته – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2012 – ص25.
([18]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكر– تاريخ الفكر الغربي - ص 155
([19]) بعكس المثالية الذاتية التى تقول بأن ما دام كل فرد مغلق فى افكارة الخاصة، فانة يعرف نفسه فقط دون العالم الخارجي أو حتىدون الآخرين من بنى الأنسان (بيركلى هو فيلسوف المثالية الذاتية…وهي فلسفة رجعية الى أبعد الحدود).
([20]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 156-157
([21]) المرجع نفسه - ص 158-159
([22]) المرجع نفسه - ص 170
([23]) المرجع نفسه - ص 174-175
([24]) ول ديورانت– مرجع سبق ذكره - قصة الفلسفة – ص112
([25]) المرجع نفسه - ص113
([26]) المرجع نفسه - ص114
([27]) المرجع نفسه - ص86
([28]) المرجع نفسه - ص87
([29]) المرجع نفسه - ص89
([30]) المرجع نفسه – ص91
([31]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 181
([32]) ول ديورانت– مرجع سبق ذكره - قصة الفلسفة – ص97
([33]) اميل برهييه – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفلسفة – ص 305-307
([34]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 183
([35]) المرجع نفسه - ص 185
([36]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م – ص 46
([37]) المرجع نفسه– ص 48
([38]) ول ديورانت– مرجع سبق ذكره - قصة الفلسفة - ص100-101
([39]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م – ص 49
([40]) المرجع نفسه –ص 50
([41]) ول ديورانت - مرجع سبق ذكره – قصة الفلسفة - ص104-105
([42]) المرجع نفسه –ص92
([43]) المرجع نفسه –ص94
([44]) المرجع نفسه –ص94
([45]) المرجع نفسه –ص95-96
([46]) المرجع نفسه - ص119
([47]) المرجع نفسه - ص121
([48]) د. حامد خليل – مرجع سبق ذكره - مشكلات فلسفية – ص 52
([49]) المرجع نفسه – ص 52
([50]) المرجع نفسه – ص 53 - 54
([51]) ول ديورانت - مرجع سبق ذكره –قصة الفلسفة - ص122-123
([52]) المرجع نفسه - ص124
([53]) جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 52
([54]) المرجع نفسه – ص 52

