Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح15)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح15)

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الثالث

الفصل الرابع

الفكر الإسلامي وعلم الكلام

تأثير الفلسفة اليونانية في الفلسفة الإسلامية:

لم تَمُتْ الحضارة اليونانية حين استولت رومة على بلاد اليونان، بل عاشت –كما يقول ديورانت- "بعد ذلك عدة قرون، ولما أن ماتت أورثت أمم أوربا والشرق الادنى تراثاً ليس له مثيل، فقد أخذت كل مستعمرة يونانية تصب  ماء حياة الفن اليوناني والفكر اليوناني في الدم الثقافي الذي يجرى في عروق ما يجاورها من البلاد – في إسبانيا وبلاد الغالة؛ وفي روما؛ وفي مصر وفلسطين؛ وفي سوريا وآسية الصغرى؛ وعلى طول شواطئ البحر الأسود، وكانت الإسكندرية هي الثغر الذي تصدر منه الأفكار كما تصدر منه السلع: فمن المتحف والمكتبة انتشرت مؤلفات شعراء اليونان، ومتصوفتهم، وفلاسفتهم وعلمائهم كما انتشرت آراؤهم على يد الطلاب والعلماء في كل مدينة في حوض البحر المتوسط وملتقى طرقه"([1]).

وفي كل الأحول، لابد من الإشارة إلى طبيعة الاختلاف النوعي الشامل بينالمجتمعين: اليوناني – الروماني القديم من جانب، والعربي – الاسلامي في العصر الوسيط من جانب آخر، حيث كان "من غير الطبيعيوغير الواقعي، بوجه مطلق –كما يقول د. حسين مروة-"ان تتعامل الفلسفة العربية مع الفلسفة اليونانية بدلالاتها ومضامينها القديمة نفسها التي كانت لها في ظل المجتمع العبودي الذي زالت أشكال علاقاته الإنتاجية، وحلت محلها أشكال علاقات انتاجية من نوع جديد مع أشكال تاريخية جديدة للمعرفة وللتصورات البشرية عن العالم، وبالتالي لم يكن ممكناً أن تحتل هذه الفلسفة (أي اليونانية) مكانها في الفكر الفلسفي العربي – الاسلامي دون أن ينالها التغيير والتعديل، سواء في دلالاتها ومضامينها الفلسفية أم في محتوياتها الايديولوجية، لانه ليس من الممكن أن يكون شكل أيديولوجية المجتمع العبودي الوثني هو نفسه شكل أيديولوجية المجتمع الاقطاعي – التجاري الاسلامي الأكثر تنوعاً وتعقيداً من حيث بنيته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن حيث تركيبه الطبقي بخاصة، ثم من حيث نوعية الارتباط الطبقي بعملية الإنتاج المادي، ثم -كذلك- من حيث اتساع القاعدة البشرية للنشاط الثقافي ودخول عناصر طبقية جديدة في هذه القاعدة"([2]).

تأثير أرسطو والأفلاطونية المحدثة على الفلسفة الإسلامية:

انتشر التأثير اليوناني، المناقض لهذا العلم الكلامي، بفضل الكتب التي نقلها من اليونانية إلى السريانية النصارى النساطرة بوجه خاص، وكان في جملة ما نقلوه، في مدرسة الرها (431 – 489) أولاً، ثم في أديرة سورية، وأخيراً في القرن السابع في قنسرين على الفرات، الاورغانون لأرسطو، وكتاب "في العالم" المنسوب إلى أرسطو، ومؤلفات جالينوس.

أما في القرن التاسع الميلادي، بعد تأسيس بغداد، فقد نُقِلَتْ إلى العربية كتب كثيرة سواء من السريانية أو اليونانية، وأنشأ الخليفة نفسه في عاصمته سنة 832 شبه معهد للمترجمين، ففي  أواخر القرن التاسع كان العربي يملك في لغته جملة مؤلفات أرسطو (خلا كتاب السياسة)، مع شروح الاسكندر وفورفوريوس ويوحنا فيليبون، وكان في مستطاع العربي، أن يعرف علاوة على ذلك بعض محاورات افلاطون والجمهورية والسفسطائي، كما كان في متناوله أيضاً بعض تصانيف مؤرخي الاقوال، بفضل ترجمة آراء الفلاسفة لفلوطرخس، أما في الطب أخيراً فقد نقلت إلى العربية كتب جالينوس، وفي الفلك كتاب المجسطي لبطليموس.

كيف أستخدم العرب هذه المواد؟، يجيب "إميل برهييه" على هذا السؤال بقوله "إن هذه المؤثرات الفلسفية اليونانية وجهت الفلسفة العربية، بقدر ما ترسمت خطى الفلاسفة اليونان، نحو تأويل افلاطوني محدث لجملة مؤلفات أرسطو التي يحتل مكانة الصدارة فيها، والحال أنه يعز علينا –كما يقول إميل برهييه- أن نتصور تبايناً أشد، من بعض المناحي، من ذاك الذي يفرق بين الروح الارسطوطاليسية والروح الافلاطونية المحدثة: فمن جهة أولى نزعة تجريبية عقلانية وطريقة منطقية وتوجه ايجابي نحو العلم الطبيعي؛ ومن الجهة المقابلة ضرب من الميتولوجيا يبدو فيه الكون غارقاً في القوى الروحية ولا سبيل إلى إدراكه إلا بالحدس"([3]).

وفي كل الأحوال، فإن نشأة الفلسفة الإسلامية ارتبطت بواقع المجتمع العربي الاسلامي وسياساته ونظمه المعرفية، فالقضايا الفلسفية كانت "مسيسة"؛ حتى في المسائل الأنطولوجية والميتافيزيقية، كما انتمى مشاهير الفلاسفة إلى فرق وأحزاب سياسية؛ وحسبنا أن جلهم كانوا معتزلة أو شيعة، ناهيك بمباحث الفلسفة الأخرى ذات الطابع السياسي النظري؛ كمسألة الإمامة، والعملي كفلسفة الأخلاق، أما عن تصنيف الفلاسفة، إلى رسميين ومعارضة؛ فلا نجد له وجوداً على أرض الواقع التاريخي؛ لأن الفكر الرسمي السني عَزَفَ تماماً عن التفلسف وندد بالفلسفة والفلاسفة، وبالتالي كانت الفلسفة –كما يستنتج د. اسماعيل- تعبيراً عن مواقف المعارضة الإعتزالية والشيعية وحسب، فقد كان موقف أهل السنة المعادي للفلسفة من أسباب محاولة بعض الدارسين المحدثين "عزل الفكر الفلسفي في الاسلام عن محيطة الثقافي والسياسي والاجتماعي والحضاري، ولهذا الموقف الإديولوجي جذوره التاريخية، فما اعتبره المعتزلة والشيعة ذروة التفكير؛ نعتته السنة بالتكفير، ومن منطلق سياسي اتهم أهل السنة الفلاسفة بالزندقة، وأحرقوا كتبهم "إظهاراً للحمية في الدين"([4]).

في هذا الصدد، نشير إلى قصص اضطهاد ابن سينا وابن رشد التي لا تحتاج إلى بيان، وكذلك موقف أهل السنة في إنكار الفلسفة كما لخصه الغزالي بقوله: "إن من نظر إلى كتبهم فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية، ربما استحسنها وقَبِلَها وحَسُنَ اعتقاده بها فيسارع إلى قبول باطلهم.. وذلك نوع استدراج إلى الباطل، ولأجل هذه الآفة يجب الزجر في مطالعة كتبهم لما فيه من الغدر والخطر"، ويقول الغزالي أيضاً: "الفلسفة تحكمات؛ وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات، لو حكاها الإنسان عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه"([5]).

بالمقابل، فلا غرابة –كما يضيف د. محمود اسماعيل- في "تبني المعتزلة والشيعة للفكر الفلسفي وتوظيفه لخدمة أغراض عملية سياسية بالدرجة الأولى، أما الشيعة؛ فكان دورهم أكبر وأوسع وأعمق؛ إذ تبنت فرقهم الكبرى الفلسفة وشجعت المشتغلين بها وأغدقت عليهم المنح والعطايا، فبعد نجاح الشيعة الزيدية في تأسيس الدولة البويهية سنة 334ه؛ شجع النظام البويهي الفلاسفة الباكرين من النصارى، كما رحب البويهيون بابن سينا الذي هجر بلاد ما وراء النهر لائذا ببلاطهم، رافضاً إغراءات الغزنويين السنة الذين اضطهدوا البيروني العالم والفيلسوف، فقد ناصر البويهيون آراء الفلاسفة بغض النظر عن مللهم ونحلهم وأفادوا منها لخدمة أغراض سياسية، أما "الشيعة الإثني عشرية؛ فقد رحبوا بالفلسفة والفلاسفة لذات الأهداف ؛ إذ نعلم أن بلاط الحمدانيين في حلب كان موئلا للمفكرين والفلاسفة، وحسبنا أن الفارابي عاش في كنفهم مكرماً حتى واتته المنية.

لقد بلغ احتضان الشيعة الاسماعيلية الفلسفة مداه؛ فكانت عندهم "ضرباً من الايمان"، كما وظف حكام الدول الشيعية آراء الفلاسفة لنصرة مذاهبهم في الإمامة؛ فقد سَخَّرَ الحمدانيون آراء الفارابي في النبوة لهذه الغاية، ولا غرو فقد ذهب إلى أن النبي والإمام والفيلسوف يرمون إلى غاية واحدة هي وضع النواميس"([6]).

وإذا كانت الفلسفة لا تتعلق بالمباحث الميتافيزيقية أو الأخلاقية وحدها؛ بل تتضمن الطبيعيات والرياضيات وعلوم أخرى؛ فإن فلاسفة الإسلام ما كان لهم أن يكونوا فلاسفة دون استيعاب هذه المعارف، لذلك كانوا جميعا أصحاب ثقافة موسوعية أهلَّتهم للتفلسف، لذلك، يعتقد د. محمود اسماعيل، أن نشاة الفلسفة الإسلامية نبعت من معطيات تاريخية وثقافية إسلامية قحة، وإن تطورت فيما بعد مفيدة من فلسفة اليونان وغير اليونان، يؤكد ذلك وضوح البعد الإسلامي الصرف في أنساق فلاسفة الإسلام، وفي القضايا التي أثاروها وفي محصلة ما توصلوا إليه من نتائج؛ بما أعطى لهذه الأنساق خصوصيتها وتميزها، لكن أقصى ما كان للفلسفة اليونانية من تأثير لم يتعد –كما يضيف د. محمود اسماعيل- توظيف مقولاتها في دعم مواقف فلاسفة الإسلام في تأويلاتهم المتعددة للقرآن، كما كان الخلاف في التأويل نتيجة مواقف ذاتية سياسية واجتماعية للفيلسوف من قضايا عصره، وليس نتيجة لتأثره بأفلاطون أو أرسطو أو أفلوطين.

وإذا برز تأثير أفلوطين أكثر من غيره؛ فقد جاء ذلك نتيجة تماثل مقاصده ومقاصد فلاسفة الإسلام ليس إلا، إذ كانت هذه المقاصد عند الطرفين هي التوفيق بين الدين والفلسفة، من هنا كان التأثير في المنهج ليس إلا، وإذا شَكَّلَ الدين نوعاً من المصادرة على التفكير الفلسفي؛ فقد وُفِّقَ بعض فلاسفة الإسلام في حلحلة تلك الاشكالية بدرجة فاقت محاولة أفلوطين نفسه؛ كما هو الحال عند ابن رشد على سبيل المثال.

نستنتج مما تقدم، "أن الفلسفة الإسلامية في نشأتها وتطورها ارتبطت بواقع المجتمعات الاسلامية وسياساتها ونظمها المعرفية، وبالتالي تسقط مقولات من ذهبوا إلى "استقلالية الفلسفة الاسلامية عن الوضع الاجتماعي والسياسي، فقد كان جل هؤلاء الفلاسفة من الشيعة الذين عُرِفوا بالاستنارة والبلاء في طلب المعرفة؛ لذلك أنتجوا وأبدعوا في ظل النظم الشيعية – مثل بنى بويه والفاطميين والحمدانيين- بينما حوربوا واضطهدوا في ظل الحكومات السنية المحافظة؛ كما هو حال الكندي إبان حكم العسكرتاريا التركية، وابن باجه في عصر المرابطين، وابن رشد إبان حكم الموحدين؛ بما يؤكد اشتغال الفلاسفة بالسياسة وانحيازهم إلى قوى المعارضة، ويؤكد أيضا أن كتاباتهم الفلسفية لم تكن معزولة عن الواقع؛ وحق قول – محمد عابد الجابري- إلى أن "النظم المعرفية لفلاسفة الإسلام وظفت توظيفا إديولوجيا". فكانت جماعة "إخوان الصفا" تستهدف تطهير الشريعة من الجهالات عن طريق الفلسفة؛ بهدف تأسيس "دولة أهل الخير"، وكان الفارابي عضوا في الحركة القرمطية السرية؛ كما أفاد الحمدانيون – الذين عاش الفارابي في كنفهم – من فلسفته العملية في تنظيم دولتهم ومجتمعهم، وكانت فلسفة ابن سينا وأبي يعقوب السجاستاني والرازي تخدم النظرية الفاطمية في الإمامة"([7]).

لذلك "لا عبرة ولا قيمة لأحكام بعض المستشرقين الذين ذهبوا إلى "أن الفلسفة الإسلامية ما هي إلا ترديد للهللينية المتأخرة"، كذا بعض الدارسين العرب المحدثين بان الفلسفة الإسلامية ما هي إلا "قراءات لفلسفات أخرى"، ذلك إن تلك الأحكام الجائرة جاءت نتيجة إسقاطات غير بريئة لمقولات معروفة عن جدب العقلية السامية، مبعثها القول بنظرية "المركزية الأوروبية" في الحضارة، أو جهل – بتاريخية الفلسفة الإسلامية ذاتها والظروف التي نشأت فيها والمحاذير والإكراهات التي حالت دون عدم إفصاح فلاسفة الإسلام عن مكنوناتهم؛ إذ كتبوا معظم ما كتبوا في مناخ "التقية" وعولوا كثيرا على "الرمز" أكثر من الإفصاح، لذلك لم يتح للفلاسفة حرية التعبير عن كل ما اعتقدوه؛ إذ حالت المصادرات الدينية دون ذلك، والأنكى؛ هو ابتلاء العالم الإسلامي طوال تاريخه– باستثناء قرني "الصحوتين البورجوازيتين"- بحكومات إما ثيوقراطية -الخلافة- أو عسكرية بدوية، حاربت الفكر الحر واضطهدت أصحابه، وتعرض الفلاسفة أكثر من غيرهم لعداء السلطات الحاكمة و"فقهاء السلطان" وشغب العوام،لذلك جرى اعتبار التفلسف كفرا والفلاسفة "أهل فتن" و"زنادقة"؛ فصودرت ممتلكاتهم وأحرقت كتبهم"([8]).

فبعد حملة الغزالي على الفلسفة والفلاسفة؛ وافتاؤه بتحريمها، وتجريم المشتغلين بها، تحت شعار "نصرة أهل السنة والجماعة"، تفاقمت أوضاع الفلسفة والفلاسفة،كما أسسَ السلاجقة "المدارس النظامية" للترويج لمذهبها الأشعري الشافعي الصوفي الذي وَلَّفهُ الغزالي، وأصبحت هذه المدارس أنموذجا ومثالا جرى تعميمه في هذا العصر وما تلاه في سائر أرجاء العالم الإسلامي، ومنذ ذلك الحين؛ اختفت الفلسفة في الشرق الإسلامي، وإذ جرى إحياؤها في المغرب والأندلس، كان هذا الإحياء عابرا ومرهونا ببعض الحكام الذين ما لبثوا أن نكصوا على أعقابهم؛ فاضطهدوا الفلاسفة بتحريض من الفقهاء الذين أفتوا بزندقتهم، لذلك صدق من ذهب إلى أن الفلسفة احتضرت في الشرق بعد ابن سينا؛ أما عن "الفلسفة في الغرب الإسلامي؛ فقد اعتبرها فقهاء السلطان محض "جهالات" دَوَّنَها "اغمار وأحداث جُهَّال عدلوا عن الكتاب والسنة"، بل إن ابن خلدون نفسه كتب في هذا الصدد عن "إبطال الفلسفة وفساد منتحليها"، واعتبرها من "العلوم المعارضة في العمران"؛ كما حكم عليها اخيراً بأنها "باطلة في جميع وجوهها.

وعلى الرغم من كل ذلك، فقد أبلى فلاسفة الإسلام في الشرق والغرب، بلاء حسنا ما وسعت الظروف، وحسبنا الإشارة إلى أبرز هؤلاء، الكندي، والفارابي، وابن رشد، وابن سينا، وغيرهم"([9]).

في هذا الجانب، أشير إلى موقف المفكر الراحل محمد عابد الجابري في تأكيده على الفصل بين فرعي الفلسفة في المشرق والمغرب، فقد "توصل الجابري – كما يقول د.هشام غصيب- إلى "ان مفتاح استيعاب الفَرْق بين الفرعين يكمن في استيعاب الفرق بين ابن سينا المشرقي وابن رشد المغربي. ويرجع الجابري الفرق بين فرعي الفلسفة الرئيسيين في الإسلام إلى الفرق الجوهري بينهما في المنشأ؛ اذ فيما نشأت الفلسفة المشرقية على أساس علم الكلام، أي اللاهوت، وسَعَتْ إلى التوفيق التداخلي بين الفلسفة والدين، انبثقت الفلسفة المغربية من قلب عِلْم ذلك الزمان مُجَسَّداً بصورة أساسية في أرسطو.

وعليه، فإن الفرق بين الفرعين هو أساس الفرق بين فلسفة مؤسسة على الدين واللاهوت، وأخرى مؤسسة على العلم، ويرى الجابري أيضاً، أن الفلسفة المشرقية أخفقت إخفاقا بائسا في إقامة علاقة صحيحة مع الفلسفة المشائية، وذلك بفعل تأثيرات شرقية فارسية ما قبل إسلامية، الأمر الذي قادها إلى مستنقع من الخرافة والعرفان"([10]).

أما فيلسوف قرطبة، ابن رشد –كما يستطرد د. هشام غصيب- "فيرى الجابري أنه قدم للعالم الإسلامي فرصة الإفلات من الانحطاط الحضاري وذلك بإحرازه قطيعة إبستيمولوجية مع الفلسفة المشرقية، وبخاصة مع ابن سينا، لكن العالم الإسلامي شاء أن يدع هذه الفرصة الذهبية تفلت من بين يديه، لتتلقفها القوى الصاعدة في أوروبا العصور الوسطى وتبني مجدها العلمي الصناعي على تأويل ابن رشد المبدع لفلسفة أرسطو، إلا أن الجابري ينظر إلى العلاقة بين الإبستيمولوجي والأيديولوجي في الفلسفة الاسلامية على أنها علاقة عرضية تجريبية، لا علاقة ضرورية أنطولوجية، إذ يرى أن العلاقة بينهما قد تكون وثيقة وعضوية في حال الفكر الأوروبي، لكنه يصر على أنها ليست كذلك في حال الفكر العربي، ففي كتابه "نحن والتراث"، يرجع ذلك إلى كون الفلسفة الأوروبية في نظره قراءات متواصلة لتاريخها وتراثها، في حين أن الفلسفة الإسلامية هي أساسا قراءات متفرقة للآخر، أعني الفلسفة الإغريقية، لذلك نرى أن الجانب الإبستيمولوجي من الفلسفة الإسلامية هو أساس إغريقي وثابت، في حين أن الجانب الأيديولوجي منبعه الإشكالات السياسية والدينية للعالم الإسلامي في العصر الوسيط"([11]).

فالفرق الأساسي بين فلاسفة الإسلام إذاً هو "فرق أيديولوجي يعكس انتماءاتهم السياسية والمذهبية المتنوعة، ولقد سخّر كل منهم الفكر الإغريقي بطرق مختلفة لأغراض سياسية وأيديولوجية، فلئن عنيت الفلسفة المشرقية بإشكالات علم الكلام وسَعَتْ إلى دمج الدين بالفلسفة، فقد عنيت الفلسفة المغربية بإشكالات علوم عصرها وسَعَتْ إلى فك ارتباط الفلسفة بالدين، معترفة باستقلالية كل منهما وبخصوصيته من حيث الأدوات والمنهج، وبالتقائهما في الهدف، وهو الحقيقة. وشكل فك الارتباط هذا أساسا لفلاسفة المغرب لفهم الفلسفة والدين كليهما، وللتجديد فيهما أيضاً"([12]).

المذاهب والحراك الاجتماعي:

يحصر د. عبد الرحمن بدوي التيارات الأساسية في العقائد الاسلامية في المذاهب التالية([13]):

(أ)- المعتزلة. (ب)- الأشاعرة. (ج)- الشيعة. (د)- الخوارج. (ه)- المرجئة. (و)- الباطنية.

لكن "هذا التحول إلى مذاهب متعددة لم يكن يصب في إعادة تشكيل المستويات الاجتماعية المتحجرة –كما يقول عبدالله خليفه- لأن المسيطرين على إنتاج المذاهب انفصلوا عن العاملين، وغدت لهم مصلحة مشتركة في الإبقاء على تخلف وتبعية المنتجين، ومن هنا نرى تضادهم مع مضمون الثورة الإسلامية التأسيسية، ولهذا يركزون على الشكل لدرجة التعصب والعنف، وبالتالي فإن خلافات المذهبيين تغذو شكلية أكثر فأكثر، مثل كيفية الوضوء، أو الوقوف في الصلاة، وإذا كان المستوى الايديولوجي يبدو متضاداً، عبر الاستناد على النص المستقل عن الأئمة أو الموروث عنهم، فإن هذا المستوى الفكري يتحول هو الاخر إلى أشكال مفرغة من بحث القضايا الجوهرية للتحول مثل الملكية العامة والخراج والاستغلال الخ، وهكذا فإن الاقطاع السياسي وقد أسس الدولة المركزية، أو الذي انفصل عنها، فإنه قام لا بتكريس حكمه السياسي فحسب، بل بتكريس المستوى الاجتماعي، التقليدي، الذي تهدف ديمومته إلى إعادة إنتاج الطاعة لدى الجمهور المستلب الإرادة، وفي هذا الجانب، فإن الوعي يلعب دور الوساطة بين المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي، فالمثقفون الذين ينتجون الوعي والمرتبطون بالأشراف وخدمتهم، يصوغون المبادئ الدينية ويحيلونها إلى اشكال، أي يقومون بنزع وظيفتها التحويلية الأولى، ومواقفها الموجهة ضد الملكية الاستغلالية، ويركزونها على العبادات والمعاملات والعقيدة، ومن ثم تزدادا بعداً حتى عن هذا المستوى، أي تتحول إلى محض عبادات وتستوعب أكثر فأكثر المراحل السابقة للدين كالسحر والخرافة القديمة، مثلما تتعايش مع أساليب الإنتاج السابقة كالرق"([14]).

وإذا حللنا هذه الصياغات بدءاً من نهاية القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث، فنجد "بروز التمذهب الذي كرس البنية "الاقطاعية" بمستوييها السياسي والاجتماعي، وكان دور المثقفين المذهبيين المتعددين هو تكريس هذا الاختلاف عبر الاشكال الدينية التي تناسب القوى المسيطرة المتعددة الألوان، ولهذا سيختلفون حول كيفية الصلوات وعدد الكواكب والنجوم والأرواح التي تهيمن على القضاء الروحي ولكن سيتفقون على استغلال العبيد والنساء والفلاحين، كما وتغدو الاختلافات بين المجموعات الاقطاعية السياسية والدينية (السنة والشيعة ) منصبة على الاشكال، وهي تحولها إلى أدوات للحكم أو لمعارضة الحكم ولكن ليس لتغيير أوضاع الجمهور.

ففي حين كان الإسلام الأول يعتمد على تغيير التاريخ من خلال مصلحة الجمهور ومشاركته-كما يضيف د. عبدالله خليفه- فإن المذاهب والفرق الدينية تقوم على تجميد التاريخ واستغلال الجمهور لمصالح شخصية ومن أجل الوثوب إلى الحكم الذي يعيد إنتاج التخلف، وقد أدى ذلك إلى غربة النص عن مضمونه، أي عن الظاهرات التحويلية الشعبية التي تشكل في مجراها، فيزداد النص تركيزاً على أشكاله الخارجية، ويعادي أكثر فأكثر عمليات التحويل الحديث و(العدالة)"([15]).

لقد مَثَّلَ "الإقطاع" المركزي تَكَوُّنْ مذهب غير مذهبي –كما يقول عبد الله خليفه-، "أي مذهب إسلامي عام، هو مذهب الاعتزال القابل لأن يكون لكل المسلمين، لأنه محاولة (عقلانية) لتطوير الإسلام في ظروف جديدة، أي هو محاولة لتشكيل ذلك العنصر الثوري التجديدي للإسلام الذي تقوده الفئات الوسطى، لكنها لم تستطع أن تتحالف مع العاملين بل قامت بالتبعية للحكام والقصور، وفي هذه التبعية جعلوا وعي النهضة مفتتاً وجزئياً وغيبياً، أي أن الطبقة الإقطاعية البغدادية الحاكمة استطاعت عبر القمع والشراء أن تمنع تشكيل عملية تجديد عميقة في البناء الاقتصادي، حيث أن الفائض توجه للبذخ، وليس لتجديد قوى الإنتاج، وهكذا عجزت العناصر الفقهية الفلسفية في مذهب الاعتزال من التجمع والتبلور والتحول لتغذو أداة فهم وتحليل للعصر، أي أداة نضال لجعل الفائض الاقتصادي يتوجه للثورة التقنية والاقتصادية، أي أن تتحول إلى قوة سياسية تتحالف مع الجمهور العامل لتغيير بنائه الاقتصادي الاجتماعي المتخلف "([16]).

إن ذلك قد أدى إلى أن تقوم "الطبقة الاقطاعية" المسيطرة في المركز العباسي بشكلنة الإسلام، أي بتحويل الإسلام من ثورة اجتماعية إلى عبادات شكلية، وتغدو الأشكال المسطحة القوالب عنصراً تعصبياً خطيراً في الحياة بدلا من أن تكون أداة للانفتاح على الأعماق في الدين، لذلك أصبحت هذه الأشكال المقولبة للإسلام حسب سيطرة هذه الطبقة ومستواها الفكري، هي جوهر الإسلام الذي يغدو ما هو خارجه كفراً ومروقاً.

إن استعمال الطبقة الاقطاعية العباسية للاعتزال في صياغة البناء الفكري للدولة، يدل دلالة واضحة على تقاربها –كما يقول عبد الله خليفه- مع شيء من العقل لتطور الدولة، ولكن هذه المقاربة، لم يكتب لها النجاح بفعل أن ذلك لم يكن تحالفاً بين الدولة والاعتزال بقدر ما كان الأمر إلحاقاً للاعتزال بخدمة الدولة المستبدة، وكعناصر فكرية جزئية ومنتقاة وليس كمنهج حر يقوم بالحفر في مادة الدين والحياة لخلق حرية على مستوى الإرث الديني وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية الاجتماعية.

إن كل هذه الظروف الاجتماعية والثقافية المتشابكة قادت إلى أن يكون مذهب الاعتزال العقلاني عاجزاً عن التحول إلى ثقافة سائدة، وبالتالي فإن المجرى الآخر الذي كانت تقوم به الدولة، وهو تكريس بعض المذاهب السنية، أو حتى مذهباً سنياً واحداً، وتفريغها من أي دلالة احتجاجية نقدية معارضة، أن هذا المجرى هو الذي انتصر.

بمعنى إن سيادة المذاهب السنية الأربعة كانت تنمو عبر تفريغها من محتواها النقدي الإصلاحي الاجتهادي، ومن هنا كان إضعاف عملية المذهبين الاجتهاديين المالكي والحنفي، لصالح المذهبين غير الاجتهاديين والنصوصيين الشافعي والحنبلي، وهذا ما قاد إلى الشكلنة وهي بطبيعتها متماثلة"([17]).

وإذا كان عهد المتوكل الذي "زُعِمَ –كما يقول عبد الله خليفه- أنه عهد العودة للسنة ومذهب الجماعة، هو بداية ما يعرف بالعصر الثاني، عصر الدويلات والتفكك، وهو عهد حكم الأتراك، فإنه هو بداية عصر الإقطاع اللامركزي، عهد المذاهب المفتتة لجسم الدولة الكبرى.

هكذا عجز العقلُ أن يكون مناخاً فكرياً سائداً في العاصمة، المشروخة حتى في جهازها الإداري بين بغداد وسامراء، حيث عجز ممثلو الفئات الوسطى الواعون عن مراكمة البذور الفكرية والنقدية والموضوعية وتحويلها إلى وعي عام، فغدت المذاهب السنية المفرغة من محتواها المعارض أداة هيمنة للسلطة على الوعي العام، كما إن انعطاف الجهاز السياسي الذي يمثل المسلمين عامة إلى تبنى مذاهب فقهية معينة، كان انشراخاً آخر في رأس الدولة، وهو انشراخ على المستوى الإيديولوجي، فهو يستدعي بالضرورة تسييس المذاهب الأخرى وتوجهها لتكوين دول بمذاهبها"([18]).

في هذا الجانب، "قامت الطبقة المسيطرة بتفريغ المذاهب الإسلامية السنية المختلفة من طابعها المعارض، فقد تمركزت على العبادات والمعاملات الاجتماعية والاقتصادية الجزئية، فغدت الاختلافات بين المذاهب السنية في فروع ضيقة، أما الاختلافات الجوهرية فتضاءلت بسبب عدم تطور منحى الاستقلال الفقهي والسياسي عن الدولة، وكان نمو المذهب الحنبلي في العاصمة التحديثية بغداد، يعبر عن تضاؤل هذه التحديثية، وبدأ أن ثمة فارقاً بين المذاهب الإمامية التي صار العديد من الفرس يؤمنون بها، والمذاهب السنية التي صار الكثير من العرب يؤمنون بها، ونلاحظ هنا كيف انتشرت ثقافة الحديث بقوة في هذا العصر، فهناك عمليات الجمع الكبرى للحديث النبوي، وقد ظهر من الفرس كبار الجامعين كالبخاري ومسلم ومؤسسي الأشعرية كالجويني، وقد تصاعدت عمليات الوضع في الحديث إلى درجات كبيرة، بل أن الفرس ظلوا "هم الأكثر إنتاجاً فكرياً في هذا العصر كذلك، أي أن الفرس ظلوا كما كانوا في المرحلة السابقة هم ( الطليعة) الفكرية للمسلمين عموماً"([19]).

ففي العاصمة كان الصراع بين القوميتين المتواريتين الظاهرتين، العرب والفرس، قد أخذ يتجه للتمظهر في صراع السنة والشيعة، ولم تعد المذاهب السنية هي فقط واجهة الدولة، بل كذلك شَكْل وعي العرب الرئيسي، ولكن هذا الصعود المستمر للمذاهب الإمامية في إيران، لم يكن فقط بسبب ظروف النشأة الإسلامية وحاجة المعارضة القومية لمذاهب إسلامية تلائم المرحلة وتطور الوعي، بل أيضاً بسبب الصراع مع القوميات (الرعوية) المنافسة، المغول والأتراك والأكراد الذين بدأوا يكتسحون المناطق التاريخية للشعب الإيراني"([20]).

هكذا" أخذت (الأمة)، الفارسية تستعيد تاريخها ولغتها وحدودها التاريخية، عبر الصراع مع كل هذه القوميات (الرعوية) وفي إطار "النظام الإقطاعي" السياسي المذهبي، أي أن المذاهب الأمامية المختلفة كانت تبلور وعياً قومياً متعدد الدرجات والأشكال، فتمزج شخصيتها القومية المستعادة بمذهبية معينة عَبَّرت عن صراعاتها ومصالحها المختلفة، هذا ما بدا في النمو الإسماعيلي بداية"([21]).

أما "الشيخ ابن تيمية([22]) المولود في بلدة حران السورية، ثم تواجد في دمشق، وبرز فيها، فكانت مهمته الفكرية كبيرة، وهي أن يقرأ ويستوعب كافة الفرق والمدارس الإسلامية السابقة، مستفيداً من الإرث الفكري النقدي السني الذي تكرس عبر الغزالي والشهرستاني، ولكنه تشكل عبر مدرسة الحديث ورائدها أحمد بن حنبل وكانت الحنبلية هي المدرسة الفقهية التي انطلق منها!"([23]).

وفي هذا الجانب نشير إلى أن أحمد بن حنبل اشتُهر بمواقفه الغيبية المتزمتة حيث أصر على قوله بالالتزام بالنقل ورفض الرأي والاجتهاد، كما اتصف بشدة تمسكه بالنزعة السلفية، وقاوم المعتزلة وعلم الكلام إجمالاً، فسجنه المأمون، ثم أفرج عنه المتوكل.

 

 

 

([1])  ول ديورانت – مرجع سبق ذكره - قصة الحضارة "حياة اليونان" -  المجلد الرابع – الكتاب الخامس -  ص 205

([2])  حسين مروة –مرجع سبق ذكره – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية - الجزء الثاني – ص707

([3])  اميل برهييه – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفلسفة –  الجزء الثالث  – ص  120

([4])محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور الازدهار (3) .. فكر الفرق.. علم الكلام.. الفلسفة.. التصوف- سينا للنشر - الطبعة الثالثة – 2000 - ص 113

([5]) المرجع نفسه -  ص 115

([6]) المرجع نفسه - ص 116

([7]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي.. المجلد العاشر.. محاولة تنظير– دار مصر المحروسة – الطبعة الأولى 2005– ص96

([8]) المرجع نفسه – ص  97

([9]) المرجع نفسه  – ص  98

([10])د.هشام غصيب - الجابري : من التراث إلى التحديث – الحوار المتمدن - مركز الدراسات والابحاث العلمانية – 17/8/2011

([11]) المرجع نفسه.

([12]) المرجع نفسه.

([13]) د. عبد الرحمن بدوي – مذاهب الإسلاميين – دار العلم للملايين – بيروت ، نيسان / ابريل 1997 – ص34

([14]) عبد الله خليفة – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية– الجزء الاول والثاني- المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – ط1 – 2005 – ص589

([15]) المرجع نفسه –  ص 591

([16]) عبد الله خليفة – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية– الجزء الثالث-– ص15-16

([17]) المرجع نفسه –ص16-17

([18]) المرجع نفسه –ص18

([19]) المرجع نفسه –ص19

([20]) المرجع نفسه –ص20

([21]) المرجع نفسه –ص22-23

([22]) ابن تيمية ، تقي الدين بن أحمد كان من ألد خصوم الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة، هاجم مدارس الحلاج وابن عربي في صنوفها المختلفة . رسالته الشهيرة رد المنطقيين التي حاول فيها أن يدحض المنطق اليوناني ودعاوي كبار الفلاسفة من أمثال الفارابي وابن سينا.. اتهم بالتجسيم والتشبيه، وبالانتقاص من مقام النبي والأولياء، فحوكم وسجن مرتين، وتوفي في سجنه في دمشق وكان أشهر تلاميذه ابن قيم الجوزية (جورج طرابيشي  - معجم الفلاسفة –  دار الطليعة – بيروت – – ط2 - ديسمبر 1997).

([23])  عبد الله خليفة – مرجع سبق ذكره – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثالث - ص456