لا شك أن الانتخاب هو شكل تتكثف فيه الحرية والمشاركة؛ من أجل تحقيق العدالة، وهنا فإن مفهوم العدالة الإنسانية، يخضع للظروف الملموسة للظاهرة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. في الحالة الأردنية؛ مفهوم العدالة مركب ومتعدد الأوجه، ومن الضروري فهم السياق التاريخي للتركيبة الاجتماعية والسياسية وتعبيراتها السياسية من أدوات ووسائل؛ الحالة الأردنية تتميز بخصوصية أن بناء الهوية الوطنية الجامعة ما زالت غير متبلورة لأسباب تاريخية واقتصادية وسياسية، والسؤال الذي يفرض نفسه في كل دورة انتخابية: لماذا ما زالت الصيغة القبلية والعشائرية والعائلية هي السمة التي تحكم البناء الاجتماعي، بالرغم من أن نسبتها لا تشكل أكثر من 15% من التركيبة السكانية؟ ولماذا لم تستطع القوى الوطنية أن تُحدث تغييرًا ملموسًا في الحياة السياسية؟
الصيغة القبلية والعشائرية هي ضرورة ملازمة للنظام السياسي منذ تأسيسه؛ أكثر من مرة أظهرت أن النظام هو الناظم لتوازن التحالف العشائري الذي يشكل القاعدة الاجتماعية والحاضنة للنظام، ولضرورة استمرار تماسك هذه الحاضنة، لا بد من البعد الديني، وفي هذا السياق، يفهم التحالف التاريخي مع الإخوان المسلمون، منذ أن تم التواصل مع حسن البنا والسماح للإخوان، في تأسيس جمعيتهم 1945، والسماح كذلك للاتجاهات الصوفية للعمل التي مثلتها دار القرآن التي خرج منها بعض النشطاء السياسيين الذين يتخذون من الدين وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وهذا جواب للتساؤل الذي يطرح: لماذا ما زالت العشائرية والقبلية تطل برأسها في كل مناسبة انتخابية أو مناسبة لتعبر عن دعم أحداث محددة؛ تخص الحصة العشائرية في توزيع حصص المنافع في الجهاز البيروقراطي؟
اما ما يخص ما اصطلح على تسميته قوى قومية ووطنية ويسارية وضعف أدائها، فهذا يرجع إلى المساومة التي حصلت بين ممثليها والنظام الذي أعطاها سماح لممارسة علنية وعودة بعض قادتها وكوادرها، بدون أية تغييرات تطال جوهر بناء النظام السياسي، بل إن جميع الوعود التي قدمت واللجان الوطنية وقراراتها لم تجد انعكاس ملموس في أداء النظام السياسي؛ هذه المساومة التي لم تنعكس في المشاركة الفعلية للقوى في منظومة النظام، واستمر النظام في التعامل مع هذه القوى من منظور العلاقة الأمنية لفترة غير قليلة، وعندما غيّرها لم تكن لضرورات الضغط الداخلي، بل لمتطلبات خارجية. كل هذا انعكس سلبًا على الأحزاب التي تشكلت وأصبحت تعمل على القطيعة مع إرثها؛ تحت عنوان التجديد ومتطلبات استمرار أدائها القانوني الذي خضع لمتطلبات كانت تتغير في كل مرحلة لإشغال الأحزاب لتشريع نفسها؛ فالنظام السياسي لا يرى أن الأحزاب أحد مكونات البناء السياسي لمنظومته، بل يراها على إنها مطلوبة كديكور ووجودها يتناقض مع البناء العشائري والقبلي لمنظومته الاجتماعية، والأحزاب لم تتعاطَ على أن المنظومة القبلية والعشائرية والعائلية؛ تتناقض بالجوهر مع كيانيتها السياسية ودورها، لأنها تشكل خطرًا على مجموعة مصالح تشكلت لها، في توزيع حصص المصالح في جهاز الدولة البيروقراطي، وفي آخر عشرين سنة انتقلت إلى القطاع الخاص وأصبحت تسيطر على النشاطات الاقتصادية؛ معتمدة على نفوذها في الجهاز البيروقراطي والحكومي، هذا التشابك أدى لمظاهر الفساد، وهذا الوضع أثر بدوره على سلبية دور القوى الاجتماعية خارج المنظومة العشائرية التي كانت ترى أن الأحزاب لم تشكل تعبيرًا عن مصالحها الجمعية، في ضرورة سيادة القانون الذي يحقق العدالة الاجتماعية على الجميع واعتماد المواطنة كأساس لمعيار التمثيل السياسي والمشاركة، لذلك فإن جوهر مشكلة العمل السياسي هي في قانون الانتخاب الذي يقوم في جوهره على اعتماد الفلترة المناطقية للمحافظة على منظومة العمل العشائري والقبلي والعائلي المغلفة بالدين السياسي.
مفهوم الحزبية متناقض من حيث الجوهر مع المفهوم العشائري والقبلي والعائلي، والأحزاب كانت تعي أن تمثيلها لم يكن ليحدث فرق في ظل انتخابات قانون الفلترة، هذا القانون المفصل على أساس التوازن العشائري والأحزاب؛ مسموح لها هامش من التمثيل في إطار هامش الثلث الغير معطل. السؤال الذي يطرح نفسه: هل الأحزاب القائمة كانت تراهن على نجاحها الحر في ظل هكذا قانون؟
الجواب سأشتقه من تصريحات بعض قادة الأحزاب الذين أجمعوا أن الحكومة لا تريد أحزاب! ماذا تعني هذه العبارة؟
الاحتمال الأول: ممكن أن يكون اعتراضهم على قانون الانتخاب، ولكن هذا الاحتمال يُسقط كونهم وافقوا على المشاركة في ظل هكذا قانون.
الاحتمال الثاني: أنهم تلقوا إشارات عامة أو فردية، بأن الحكومة ستفتح لهم ممرات في بعض الدوائر للاختراق، وهذا الاحتمال كانت له أسبابه الخارجية المرتبطة بنتائج الانتخابات الأمريكية؛ النتيجة أن الأحزاب شاركت في هذه الانتخابات عن وعي، في ظل معطيات كانت واضحة لها من كل جوانبها وأخذت قرارها بالمشاركة، وهذه النتيجة وما رافقها من إشكاليات اعترفت ببعضها (المستقلة) كانت مدوية، ليس فقط للأحزاب، بل للحكومة وللجنة (المستقلة) للانتخابات. أما عن قرار المشاركة، فقد خضعت المشاركة وتشكيل القوائم إلى ذات الظروف؛ أقصد اللحظات الأخيرة في اختيار المرشحين أو التحالفات التي لم تكتمل في العديد من الدوائر، وهذا حمل ارتجالية وفرض الترشيح من خلال القرار الحزبي وليس الطوعي، في حين أن اختيار المرشحين، كان يجب أن يكون ضمن خطة مسبقة منذ انتهاء الدورة السابقة.
أما عن برامج الأحزاب؛ فكانت برامج عامة مكثفة، عكست برامج الأحزاب الشاملة، وهنا غاب التحديد الواضح وأُسقط الشعار الناظم الرئيسي الذي يعكس الحالة المطلبية الجماهرية، والعزوف الذي كان متوقعًا، وكل المؤشرات كانت تشير إلى أن نسبة المشاركة لن تكون مرضية، حتى تصريحات اللجنة (المستقلة) كانت توحي؛ بأن هنالك مقاطعة ستحصل، ولكنها أجرت الانتخابات لحسابات أبعد بالمعنى السياسي، والضغط بمشاركة الأحزاب كان ضروريًا لها، لاعتبارات خاصة؛ تخص اللجنة ودورها.
في ضوء ما سبق، السؤال الأهم: ماذا لو اتخذت الأحزاب قرارًا شجاعًا يقول أن لا مشاركة بهذه الدورة أو أية دورة قادمة في ظل قانون الفلترة الذي لا يعكس ميزان القوى الاجتماعي؟ وكيف ستكون نتائجه؟
هذا القرار سيضع الكرة في سلة الحكومة! وستتموضع الأحزاب في الموقع المعبر عن الأكثرية الشعبية التي ترى أنها مهملة عن قصد، في ظل سياسة الإبعاد والتمييز المقوننة. إن العدالة الاجتماعية هي المعيار الذي يجب أن يحكم سلوك الأحزاب ومواقفها، وهذه العدالة لا يحققها قانون الفلترة؛ العدالة تتعارض مع المفهوم العشائري والقبلي والعائلي؛ العدالة الإنسانية التي تتحقق من خلال حرية الاختيار والمشاركة غير المفلترة التي تعكس ميزان القوى الاجتماعي القائم، والذي يحقق العدالة للجميع.
تأسيسًا على ما سبق، يُطرح التساؤل التالي: مشاركة أم مقاطعة؟
قبل الإجابة على هذا التساؤل، فلنحدد ما هي الأسباب الموجبة للمشاركة والمقاطعة والاتجاهات التي رفعة شعارها، حيث إن الانتخابية حكمتها عدة اتجاهات؛ عبرت عن نفسها ببعض الشعارات التي رفعها مرشحوها وأظهرت اتجاهًا حمل شعار التغيير، وآخر حمل شعار الإصلاح، والثالث حمل شعار الموالاة؛ شعار التغيير ما هي ملامحه؛ تغيير نظام أم منظومة أم نهج أم سياسات أم أفراد.. الخ؟
لا اظن أن أي من الاتجاهات يحمل هذه المفاهيم للتغيير، لكونه لا يحمل إمكانيات تحقيقها المعرفية، والأدوات والوسائل، وهو يظلم نفسه أو نظلمه؛ إن حملّناه هذه المهمة!
إن الكل المعارض يصنف تحت بند الاصلاح وهذا يحمل عدة اتجاهات:
الاتجاه الأولى: يرى الإصلاح من المنظور الديني، ويُنصبّ نفسه على أساس أنه هو من يحمل شرعية التمثيل الديني (السني الإسلامي)، ولكنه في الجوهر هو جزء من منظومة النظام، وقد خضع للاختبارات السياسية والاقتصادية، تحت قبة البرلمان، في قضية كبرى، وهي معاهدة وادي عربة، وفي قضية قوانين اقتصادية؛ أبرزها قانون الإيجار الذي دافع أثناء مناقشته عن أصحاب العقارات، ولم يقدم أية رؤية اقتصادية متعارضة، مع رؤية رأس المال الكمبرادوري الذين هم جزء من منظومته؛ ناهيك عن المساومات التي حصلت في النقابات المهنية التي كان لدرورهم عامل حاسم في اخضاعها لمنظومة النظام البيروقراطية التي أدت إلى تفريغ النقابات المهنية من جوهرها ودورها في الدفاع عن مصالح أعضائها.
الرؤية الثاني: هم أحزاب الموالاة التي تحمل بعدًا عشائريًا أو عائليًا، وهي حاسمة بموقفها إلى جانب النظام؛ ظالمًا أو مظلومًا ما دامت تأخذ حصتها.
الاتجاه الثالث: ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: حسم خياراته مبكرًا، وأعلن إنه جزء من الإصلاح من داخل منظومة النظام السياسي والاقتصادي وخلع عباءته الحمراء وارتدى عباءة الاصلاح الديمقرطي وطرح نفسه وكيلًا لجون وشروره التي من الممكن إخراجها وتنفيذها باعتبارها فضائل وطنية. ومع الوقت بدأ هذا القسم؛ يذوب في المنظومة ويتصارع من داخلها مع الاتجاه البيروقراطي المحافظ الذي يستند على الحاضنة العشائرية ويستخدمها في صراعه للحفاظ على مكتسباته.
القسم الثاني: هذا القسم الذي يعبر عن الكميرادور؛ بشقيه المالي (البنكي) والتجاري، ويطرح رؤية سياسية واقتصادية تُحضّر الأردن للاندماج في ما يطرح من مشاريع سياسية أمريكية، تخص القضية الفلسطينية، وخاصة تشريع الإلحاق تحت عنوان الحقوق المدنية أو المواطنة، وهذا الاتجاه يتلاقى مع وكلاء جون في السلطة السياسية، وهنالك تناغم وتعاون في النقابات والمناسبات الانتخابية، وعبّر عن ذلك بالشعارات والبرنامج الذي طرحه ممثلوه في هذه الدورة الانتخابية.
القسم الثالث: ما اصطلح على تسميتهم لأنفسهم باليساريين؛ إن كانوا داخل الأحزاب أو تيارات خارجها أو أفرادًا؛ يحملون شعورًا قوميًا أو يساريًا أو وطنيًا، معظمهم يحملون إرث ما قبل 1989، وأكثريتهم شعروا بالغبن السياسي والتنظيمي والحياتي، وتحمل الكثيرون منهم آثار المساومة غير العادلة التي لم تحقق الحد الأدنى؛ من العدالة الإنسانية التي أفنى الكثيرون منهم حياتهم من أجل تحقيقها وخضعوا للابتزاز في معيشتهم؛ منهم من صمد، ومنهم من لم يستطع، وتموضعوا في اتجاهات عدة، ولكل عذره. ومن قبل بهذه المساومة؛ ورث إرثًا تاريخيًا لم يستطع تحمل مسؤولياته وضاع في عباءته ودخل في معارك مع حواضنه، لتشريع نفسه معارك لا مبرر لها؛ معارك غاب فيها البعد المعرفي الناظم لحركته الداخلية، وغيابه أدى على مدى 3 عقود؛ من إعادة إنتاج الفشل تلو الآخر، وطرح سؤالًا دائمًا إذا أردت خوض معركة التغيير الديمقراطي فعليك أن تخوضها في أطار الظاهرة التي تمثلها أولًا.. فلا يمكن أن تطرح شعارات التغيير وأنت لا تمارسها فكرًا وتنظيمًا وسلوكًا؛
التغيير يبدأ أولا بالأدوات والوسائل، ثم ينتقل عبر برامج يومية للمجتمع، ومن ثم للقضايا الوطنية الكبرى التي تتطلب مشاركة جماهيرية واسعة، وشجاعة قيادية واعية، وهذا يطرح سؤالصا من أين نبدأ؟
البدء يتم من الذات، بتحديد عنوان الإطار المعرفي التي سيقودنا في فهم وتحليل الظواهر؛ إن كانت اقتصادية أو سياسية وانعكاساتها الاجتماعية، هذه الرؤية المعرفية تحدد اصطفاف القوى وتمثليها للقوى الاجتماعية، القائم على أساس العدالة الإنسانية، والتي معيارها الموقف التحرري من القضية الفلسطينية، والموقف من قضية التحرر الاجتماعي بكل أبعادها. هذا الموقف الذي تتلاقى فيه المصالح المشتركة لكافة القوى الاجتماعية التي تفرقها المصالح الفئوية الكمبرادورية التي تستثمر في أوجاع المستَغَلين؛ إن كانوا أبناء عشائر أو أبناء مدن؛ جميع هؤلاء يجمعهم التمييز والإهمال والاستغلال المشترك، من قبل الفئات المسيطرة على القرار الاقتصادي والسياسي التي تتشابك مصالحها بعيدًا عن ما اصطلح على تسميته؛ منابت وأصول ويجمعهم حسهم الوطني الجمعي، وهذا ما يفرض بالضرورة؛ تغييرًا في نظم الأدوات والوسائل قائم على أساس المحاسبة الفورية ايجابًا أو سلبًا للتجارب بكل أشكالها، ويفرض معيارًا دائمًا يكفل التغيير الداخلي الدوري المتتالي. إن التغيير في هذه الحالة، يبدأ من البناء التحتي للفوقي، وهذا يعني من جمعيات الأحياء الاجتماعية والنقابات لإعادة الدور لها بعد أن خطفت لتصبح جزءًا من المنظومة البيروقراطية، والتغيير لن يكون بالضربة القاضية، وإنما بالنقاط التراكمية التي شرطها يبدأ بتغيير في الأدوات والوسائل ومظلتها المعرفية القائمة.

