Menu

التاريخ.. عندما يكتبه المهزومون

هاني حبيب

التاريخ يكتبه المنتصرون، هذه العبارة المتداولة باتت حقيقة راسخة لا تقبل الشك، وكـأنما الحروب هي التاريخ، في ذلك بعض الصحة وليس كلها، فالتاريخ أوسع من ذلك بكثير، غير أن الحروب هي الأكثر قدرة على حركة التاريخ والأكثر تأثيراً على الحياة البشرية عبر العصور، مع ذلك، فإن السؤال الذي يتبادر إلى ذهني مع هذا "من هم المنتصرون؟"، ففي حالات عديدة، يبقى هذا المفهوم، هو بحد ذاته عبارة عن حرب ادّعاء بالانتصار بين فرقاء، كل منهم يدعي الانتصار.

قرأت الكثير من الحروب، خاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتوصلت إلى نتيجة ثابتة يعرفها معظم المتابعين والمحللين، وهي تنطوي على حقائق، تبين لي مؤخراً أنها ليست حقائق ثابتة، مع أنها باتت جزءاً من تاريخ البشرية فيما يتعلق بنهاية الحرب العالمية الثانية، بسقوط برلين وانتحار هتلر، والأهم الاستسلام الرسمي لامبراطورية اليابان، الأمر الذي وضع حداً نهائياً للحرب العالمية الثانية.

من تلك الحقائق المتعلقة بهذا الحدث، وهي حقائق تتبين أنها ليست كذلك، أن اقدام اليابان على الهجوم الجوي والبحري على الأسطول الأمريكي في "بيرل هاربر" والذي أدى إلى تدمير هذا الأسطول تماماً، الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة إعلان الحرب ومشاركتها مع جيوش الحلفاء فيها، والرد الأمريكي النووي بالهجوم على هيروشيما وناجازاكي، وتراجع قدرة اليابان على الرد، بعد هزيمة هتلر واحتلال برلين من قبل الجيش الأحمر السوفييتي، كل تلك المقدمات، كانت وراء اعلان امبراطورية اليابان، عن الاستسلام، وكان ذلك في احتفال رسمي كان بالتأكيد الأوضح على نهاية الحرب العالمية الثانية.

هذه المقدمات التاريخية، وتسلسل احداثها، تبدو منطقية إلى حد بعيد، وتفسر كيف انتهت الحرب باستسلام اليابان للولايات المتحدة، وهي حقائق اكتشفت بعد مشاهدتي لفيلم وثائقي عبر قناة "ناشيونال جيغرافيك" مؤخراً، أنها ليست كذلك "أي حقائق" على الإطلاق، الأمر الذي أدى إلى "انقلاب" لدى ثوابتي المتعلقة بتلك الحرب ونهايتها.

هذا "الانقلاب" الناجم عن مشاهدتي للفيلم الوثائقي، أفضى بي للعودة إلى بعض صفحات تاريخ الحرب العالمية الثانية، خاصة الفترة السابقة لاعلان امبراطور اليابان_ شخصياً_ استسلام بلاده للولايات المتحدة الأمريكية، وتبين لي، أن هناك العديد من التعارضات والتناقضات في سرد هذه الصفحات، وهناك تشكيك في "حقائق" كانت عبارة عن مسلمات، من بين تلك الحقائق" أن أمريكا كانت قد تمكنت من فك شيفرة الجيش الياباني، وأنها علمت مسبقاً بالهجوم على "بيرل هاربر" دون تقدير لخطورة هذا الهجوم ومدة اتساعه وخطورته، غير أن الرئيس روزفلت، كان بحاجة إلى مثل هذا الهجوم الياباني...لماذا؟

حاول الرئيس الأمريكي اقناع الكونغرس بضرورة أن تنضم أميركا إلى الحلفاء في هذه الحرب، لم يقتنع الكونغرس، لكن الرئيس ظل مصراً على رأيه، ووجد في الهجوم الياباني ذريعة كافية، وبالفعل في اليوم التالي للهجوم على "بيرل هاربر" أعلنت الولايات المتحدة الحرب على اليابان والانضمام إلى الحلفاء!!

وتابعت مراجعتي لصفحات تاريخ تلك الفترة، وتبين لي أن هناك "خمسة خرافات" تتعلق بنهاية الحرب العالمية الثانية، وهو كتاب أصدره بعض المؤرخين الأمريكين عن تلك الحرب، كانت احداها ما تحدثت عنه حول موقف روزفلت من الانضمام إلى الحلفاء واعلان الحرب على اليابان، هناك العديد من الأحداث المتسلسلة تاريخياً، تؤكد أن تفسير الأحداث يخضع لعوامل من شأنها أن تحدث تشكيكاً بثوابت التاريخ!!

وما عرفته من خلال الفيلم الوثائقي، هو أن اليابان لم تستسلم للولايات المتحدة، بسبب الأضرار الهائلة التي احدثتها القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناجازاكي، بل ان خيار الاستسلام للولايات المتحدة، كان الخيار الأفضل لليابان عوضاً عن الاستسلام للاتحاد السوفياتي.. كيف ولماذا، هنا تكفي الإجابة التاريخية التي توصل لها مؤرخ   شاب ياباني أدلى برأيه الموفق من خلال الفيلم الوثائقي المشار إليه، يقول هذا المؤرخ، إن الرئيس السوفياتي ستالين، أمر الجيش الأحمر مع بداية عام 1945 بالإعداد للحرب لاستعادة ما احتله اليابان منذ عام 1905 من أراضي وجزر كانت تابعة لروسيا والصين، وإن الجيش الأحمر نجح في 9 آب/ أغسطس بتحرير منشوريا وجزر الكوريل وغيرها من المناطق المحتلة من قبل اليابان، وكان من الواضح، أن الجيش الأحمر السوفياتي، سيستمر في هذه الحرب وينتصر فيها مع تراجع القدرات اليابانية وانتصارات الجيش الأحمر على الجبهة الأوروبية واحتلال برلين وكل دول أوروبا الشرقية من براثن النازية وتفرّغه للحرب على اليابان، بمعنويات عالية للجيش الأحمر الذي حقق الانتصار على النازية باحتلال عاصمتها.

وبالتوازي، كان قصف ناجازاكي وهيروشيما بالنووي الأمريكي، وظهر للقادة اليابانيين أن أمر الاستسلام، بات محتما، سوء للروس، أو الأمريكان، إذا تم الاستسلام للروس  الذين باتوا على أعتاب الجزر اليابانية، فإن ذلك انتصاراً للشيوعية وقيمها المعادية للملكية والامبراطورية من حيث المبدأ، ولن تكون هناك قائمة لليابان على الاطلاق، وانهيار القيم الإمبراطورية أمرا لابد منه، فهل تمنح اليابان مثل هذا الاستسلام- الانتصار للجيش الأحمر الشيوعي و الرئيس ستالين؟! أم تمنحه لقوة أخرى، تتشابه مع قيم الامبراطورية ولا تعاديها من حيث المبدأ، كالولايات المتحدة، التي في حال الاستسلام لها، ستبقى على اليابان والنظام الامبراطوري وقيم الديمقراطية... وكان هو الخيار المفضل لدى امبراطور اليابان وقادة جيشه ومستشاريه، الاستسلام للولايات المتحدة، هو الخيار الأفضل من بين خيارين، رغم مرارته، إذ لا بديل عن الاستسلام في كل الأحوال!

وهكذا، فإن الامبراطور الياباني، فرض على قيادة جيوشه الأمر بالاستسلام، وهو ما كانوا يرفضونه بقوة، بهدف انقاذ شعبه من ويلات الاستمرار بالحرب، وهكذا ايضاً، فإن المهزومين، بإمكانهم أن يصنعوا التاريخ ويكتبوه ... حتى أيامنا هذه!!