Menu

لا سياسي جديد مطروح اليوم في حلبة التسوية

محمّد جبر الريفي

خاص بوابة الهدف

سلبيات الواقع الحالي هي التي تحدد صورة المستقبل، لذلك فإن الاعتقاد بوجود انفراجة قادمة في الوضع السياسي الفلسطيني، فيما يتصل بمستقبل القضية الفلسطينية، بعد فوز بايدن رئيسًا للولايات المتحدة هو من ضرب من التوقعات التي يروجها بعض المحللين السياسيين الذين يراهنون على الدور الأمريكي في الوصول لتسوية للقضية الفلسطينية؛ امتدادًا للدور الذي قامت به الولايات المتحدة في التوصل لاتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، غير أن الثابت هو أن السياسة الأمريكية ستبقى كما هي دون أدنى تغيير على انحيازها الكامل للعدو الصهيوني، وذلك بصرف النظر عن الحزب الفائز الذي  يشكل الإدارة الأمريكية؛ فالاستيطان الإسرائيلي على سبيل المثال لا الحصر؛ ماضٍ في تكثيف حملته التهويدية، دون موقف جاد من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل هي شكلت له حاضنة دعم مستمرة >

على المستوى الوطني لا جديد سياسي مطروح اليوم، لأن مشروع التسوية السياسية الذي من المؤمل أن تعيد إدارة بايدن الاعتبار لمشروع حل الدولتين عبر المفاوضات أصبح لا جدوى منه، وقد ثبت بالتجربة عبر أكثر من خمسة عشرين عامًا؛ إنه طريق طويل، ولن يحدث أي تغيير في طبيعة هذه المسيرة التي لم تعد جماهير شعبنا تعلق الآمال الكثيرة عليها؛ سواء تم إحياء عملية المفاوضات أو انعقد مؤتمر دولي، كما تطالب السلطة الفلسطينية، فقد تم قبل ذلك عقد الآمال على الإدارة الأمريكية الماضية برئاسة أوباما الديموقراطي، وأيضًا نفس الشيء حدث من خلال تعليق الآمال على مؤتمر مدريد للسلام وبرعاية أمريكية، ولم يتمخض عن كل ذلك سوى المزيد من التعنت والصلف الإسرائيلي؛ فإن التعنت والصلف الإسرائيلي سببه؛ تمسك العدو الصهيوني بمشروعه السياسي العنصري الذي يقوم على أرضية دينية توراتية، يقابل هذا التمسك تغير في الموقف العربي تجاه شرعية وجود هذا العدو والقبول بمبدأ الاعتراف والتطبيع عند عدد من الأنظمة العربية، خاصة دول الخليج العربي، حتى قبل التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل وإقدام كل من الإمارات و البحرين الذي سيزورهما نتنياهو بعد زيارته السرية للسعودية، باتجاه عقد تحالف عسكري خليجي إسرائيلي في مواجهة ما يسمى بالخطر الإيراني، وهو ما يشكل في الواقع نقلة نوعية خطيرة في دور الرجعية العربية على َمستقبل المنطقة كلها.

أما مشروع المقاومة، فعلى الرغم من ضعف فاعليته ليفسح المجال لمحور الاعتدال كي يمارس دوره السياسي والعسكري الفاعل، وفي وقت أعادت فيه ثورات ما سمي بالربيع العربي؛ إنتاج أنظمة تموج بصراعات دموية على السلطة، بعيدة عن تعميم الديموقراطية التي انطلقت من أجلها للتخلص من ظاهرة الاستبداد السياسي؛ على الرغم من ذلك كله، فإن مشروع المقاومة يبقى كشعار كفاحي كبير له قدسيته بين جماهير شعبنا، ولكنه يفتقر الآن إلى حاضنة عربية أو إقليمية أو دولية، وما يوجد منه على أرض الواقع السياسي في فلسطين هي أجنحة عسكرية للفصائل محصورة على مستوى قطاع غزة للدفاع عنه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

مشروع المقاومة له شرعيته في مواجهة قوات الاحتلال، وله قاعدته الشعبية الواسعة على المستوى الوطني والقومي، وله قدسيته الدينية في مواجهة سياسة التهويد واستباحة الأقصى من قبل قطعان المستوطنين الصهاينة، والضرورة الوطنية تقتضي التمسك به كخيار نضالي استراتيجي في مواجهة دعاة الواقعية السياسية الرثة الذين يراهنون على العمل السياسي وحده، في الوصول إلى حل سلمي للقضية الفلسطينية، حتى لو كان هذا الحل منقوصًا أو على مراحل انتقالية. هكذا؛ فإن المشروع الوطني الفلسطيني بعد سنوات طويلة على المراهنة على مشروع التسوية وحده عبر المفاوضات، محتاج الآن الى صياغة استراتيجية تحررية وطنية جديدة؛ تمزج بين العمل السياسي الثوري والكفاحي، وذلك على طريق استلهام تجارب الثورات الوطنية التحررية التي حققت الاستقلال لشعوبها، بعد نضال وكفاح مرير بقيادة الجبهات الوطنية المتحدة التي انضوت بها كافة القوى السياسية على مختلف برامجها السياسية والفكرية.