كلمة هوية هي مصطلح, يعبّر عن تحديد خصائص او مواصفات, تتعلق بظاهرة او حالة في سياق اخذها حيزا في اطار المكان والزمان للحالة الموصوفة. وبالجوهر هو مصطلح تعريفي للظاهرة او الحالة بشكل عام.
والهوية كي تتحقق, بالضرورة يجب ان تعكس حالة ملموسة نستطيع ان نراها او نتلمسها، او تعبر عن نفسها من خلال ظواهر او حالات تملك حيزا في المكان والزمان.
هذا يعني انه لا يمكن ان توجد هوية خارج اطار الزمان او المكان. وفي هذا السياق, أود ان اتطرق للهوية الوطنية بشكل عام, والتي تشكلت من خلال مجموعة بشرية شغلت حيزا في اطار المكان, وراكمت مجموعة من المسلكيات الإنسانية من طقوس وعادات وتقاليد ولغة ومعتقدات لها ملموسيتها في الإرث التاريخي لهذه المجموعة او المجموعات البشرية.
ومع تطور المعرفة من خلال الاندماج الفعلى في عملية الإنتاج الاجتماعي, اصبح هنالك ضرورة للتعريف عن حدود مكان كل مجموعة بشرية, ومع تطور المعرفة لديها في اطار الزمان وتراكم الخبرات المادية, حدثت قفزة في الوعي الإنساني للمجموعات البشرية بضرورة البحث عن هوية جامعة, تؤهلها للحفاظ على مكانتها واستقرارها وتميزها عن المجموعات البشرية الأخرى, وتطورت هذه الهوية عبر الزمان من خلال الهوية الفردية للعائلية وللقبلية وللعشائرية ومن ثم للشعوب. وانعكست في المكان بحدود جغرافية عرف حديثا بالدولة, والدولة هو شكل لتنظيم امور المجموعات البشرية المنضوية طوعا ومن خلال عقد اجتماعي فيما بينها, للحفاظ على مصالحها المشتركة, وسمي حديثا بالدستور.
وهنا أود ان ألخص ان الهوية الوطنية هي مرتبطة بالمكان وتطورت عبر الزمان واخذت تعبيراتها المعرفية اشكال متعددة بحكم التطور المعرفي الإنساني , ولذلك لا يمكن تعريف الهوية الوطنية على قاعدة فكرة عقائدية لمجموعة بشرية لم تشغل حيزا في اطار الزمان والمكان المعني. وهنا اقصد (إسرائيل) الدولة التي فرضت قصرا في المكان (فلسطين), بناء على حجة عقائدية غيبية. وبدأت بتجميع اليهود على مدار مائة عام. والذين جاءوا من بلدان وقوميات وهويات مختلفة, ودخلت في صراع مع اصحاب المكان, والذين اكتسبوا هويتهم التاريخية عبر الزمان (الفلسطينيين). وعندما أسست دولة (اسرائيل), لم تحدد هويتها او حدودها, والآن وبعد 67عاما من فرضها, أعلنت هويتها القائمة على اساس الفكرة العقائدية الغيبية لمجموعة بشرية مرت بالتاريخ. ولكن لا يوجد لها اية ملموسية في المكان, حيث وجدت وتنقلت في عدة اماكن عبر الزمان هذا حسب روايتهم.
اما الفلسطينيين فلهم ملموسيتهم في اطار المكان والزمان, وانعكست في الإرث التاريخي والحضاري والمعرفي, بغض النظر عن الأفكار والعقائد التي مرت على الفكر الإنساني حيث العقائد تملك خاصية المتغير, اما المكان فيملك خاصية الثابت.
أما عن اعلان هوية الدولة (اسرئيل) بعد 67 عاما على قيامها قسرا, فهي قفزة خارج اطار الزمان والمكان, بالرغم من شغلها حيز ملموس الآن, ولكن لا يملك طابع الاستمرار بحكم تناقضه مع السياق التاريخي لتطور المكان. والنخبة فيها تعي هذا الأمر, وبناء عليه فإنها سعت من أجل استحضار الإرث التاريخي للمنطقة, ولكن بصورته الفجة من خلال تغذية الاتجاهات العقائدية الغيبية, لشرعنة هويتها العقائدية الغيبية. وسعت لدعم إيقاظ النزعات المذهبية لإشعال الحروب بينها.
أما الحالة المشتعلة التي تعيشها منطقتنا, والقائمة على اساس عقائدي وديني ومذهبي, هدفها المخفي هو إعطاء المبررات لتشريع يهودية الدولة. ولتفكيك الدول (الوطنية), وانشاء دويلات عقائدية دينية، من خلال عمليات التطهير العرقي والديني والمذهبي.
وما جرى ويجري في العراق وسوريا من عملية تطهير عرقي وديني وعقائدي هدفه خلق أجواء مناسبة لتشريع الهوية اليهودية لـ(فلسطين), والأخطر ما سيتبعها من قوانين لهذه الدولة, تحاكي هويتها العقائدية وسيكون أولها التصفية العرقية لأهل القدس , ومن ثم قوانين تهجيرية لفلسطينيي الـ48, وبعدها لفلسطينيي الضفة, وهذا ما حمله ضمنا قانون يهودية الدولة حيث لم يأت على ذكر حدودها.
وهنا علامة الاستفهام الكبيرة التي يجب ان توضع, واذا شرعت هذه الدولة, على اساس هويتها الدينية, واعتراف الأديان الأخرى بها. فان هذه مصيبة كبرى, سوف تعطيهم الأحقية الإلهية في الأرض، أي هي دولة خارج منظومة العلاقات الإنسانية والقانونية، دولة فوق القوانين الإنسانية ولا يحق محاسبتها حسب الرواية التوراتية.

